تناولنا في الجزء الأول من التقرير (هنا) تيارين من التيارات الدينية المعارضة في التشيع المعاصر: التيار الإخباري الذي ينازع التيار الأصولي الغالب على التشيع المعاصر، والتيار الشيرازي أبرز التيارات المعارضة لنظام ولاية الفقيه في إيران، كما عرضنا لصراع المرجعية بين النجف في العراق وقم في إيران.

نتحدث في هذا الجزء عن الشيخية وهي إحدى طوائف التشيع الإمامي التي لا زالت حاضرة إلى اليوم وإن كان حضورها خافتا. ثم نتطرق إلى التيارات السياسية والفكرية الكبرى في التشيع العراقي اليوم. ونؤجل للجزء الثالث والأخير الحديث عن الشيعة خارج الموطنين الأكبر لتجمعهم، إيران والعراق؛ أعني الشيعة في لبنان وسوريا والسعودية واليمن. قبل أن ننتقل إلى التيار الإصلاحي في إيران.

الشيخية:

الشيخية هي طائفة من الشيعة الإمامية نسبة أسسها الشيخ أحمد بن زين الدين الإحسائي (ت: 1825 م) حيث اختار مذهبا جديدا بين الأصولية والإخبارية (راجع الجزء الأول في الصراع الأصولي الإخباري) هو القول بالكشف القلبي الذي به تعرف الحقائق والتي ينبغي أن تكون موافقة لما في مراجع الطائفة عن الأئمة (وهو بذلك يدعم الموقف الإخباري). واشتهرت الشيخية بمجموعة من العقائد (سوى ذلك الموقف الكشفي) التي دونها شيخهم الإحسائي في كتابه “شرح الزيارة الجامعة”، رفضها جمهور الإمامية وامتازت بها الشيخية عنهم؛ أهمها:

1- الغلو في الأئمة وإضفاء مجموعة من الخصائص الميتافيزيقية عليهم بما يجعلهم أقرب إلى آلهة متجسدة.2- امتازوا بمذهبهم الغريب في معاد الأجساد، حيث اعتقدوا أن لكل إنسان جسدين أحدهما مادي وهو الفاني، والثاني هو الجسد الحقيقي الذي لا يفنى وهو الباقي حتى لا تأكله الأرض.3- حرص الشيخية على التبشير باقتراب خروج المهدي، الأمر الذي كان له أثر بالغ في ظهور (البابية) ثم (البهائية) حيث ادعى السيد علي محمد الشيرازي أنه الباب الذي حل فيه جسد المهدي، وهو ما سارع كثير من الشيخية إلى الإيمان به والترويج إليه.يتواجد الشيخية اليوم في الأحساء والكويت وتبريز والبصرة. وقد توفي المرجع الأعلى للشيخية علي الموسوي منذ أشهر قليلة (تحديدا يناير 2015 م) حيث عرف ومن سبقه من المراجع في السنوات الأخيرة بمواقفهم الوطنية والمعتدلة الداعية إلى الإصلاح والتقارب مع سائر الإمامية ونبذ العنف. ومن القريبين من الشيخية اليوم الشيخ عبد الحليم الغزي صاحب فضائيات المودة والقمر.
1
(السيد علي الموسوي مرجع الشيخية في البصرة، توفي في يناير 2015)

حزب الدعوة العراقي:

في مقابل التيار الشيرازي الذي عرف بمواقفه الطائفية المتشددة وانتصاره لمبدأ ولاية الفقهاء (راجع الجزء الأول)، اجتمع في العراق مجموعة من ألمع الشباب الناشطين من شيعتها آنذاك والمتأثرين بدعوة الإخوان المسلمين التي كانت قد وصلت إلى العراق على يد الشيخ محمد محمود الصواف، حيث شكلوا النواة الأولى لحزب الدعوة عام 1957. عرف الحزب آنذاك بتوجهه الوحدوي تجاه السنة وخطابه العالمي شديد التأثر بدعوة الإخوان المسلمين، حيث كان الإخوان المسلمين وحزب التحرير بمثابة الملهمين الأوائل بالنسبة إليهم (كما صرح طالب الرفاعي) بل كان بعض كوادر حزب الدعوة ينشط سابقا في جماعة الإخوان أو حزب التحرير كـ محمد هادي السبيتي وطالب الرفاعي وعارف البصري وجابر الغطا. ظهر هذا التوجه الوحدوي بقوة في أعمال منظر الحزب الأول محمد باقر الصدر، ثم منظره الثاني مرتضى العسكري الذي كتب في هذا الاتجاه كتابه الشهير “معالم مدرستين”، ثم رئيس الحزب التاريخي محمد هادي السبيتي الذي حاول ترسيخ مبدأ حزبه “إسلام بلا مذاهب”.

امتد هذا الأثر الإخواني ليطال العقيدة السياسية لهؤلاء الشباب الشيعة، فعزفوا عن انتظار عودة المهدي من غيبته وفقا للعقائد الشيعية، بل وعن استلهام فكرة ولاية الفقيه من التراث الشيعي كما فعل الشيرازيون والخميني لاحقا؛ بل اتجهوا مباشرة إلى القول بمشروعية الشورى وفقا لما نظر له مفكرهم وفقيههم محمد باقر الصدر؛ ذلك الموقف الذي بلغ حدا من الثورية على المذهب الشيعي أزعج المرجع محسن الحكيم الذي كان قد حض وكلاءه على الانضمام للحزب، فتراجع عن موقفه الداعم، ودعا تلميذه محمد باقر الصدر وابنه محمد باقر الحكيم إلى مغادرة الحزب، فغادراه بعد أن تراجعا عن أفكارهما الدينية الثورية في السياق الشيعي، وظلت حيرة الصدر بعدها بادية عليه لا تفارقه حتى استشهاده. كانت من بين أهداف حزب الدعوة آنذاك مواجهة التمدد اليساري، وهو الأمر الذي دفع منظره محمد باقر الصدر إلى كتابة عمله التاريخي “فلسفتنا”.
2
(السيد محمد باقر الصدر أبرز المفكرين الشيعة في القرن العشرين)

في مطلع السبعينات بلغ التوتر بين حزب الدعوة والنظام البعثي مداه فقتل عبد الصاحب دخيل في المعتقل، وأعدم عارف البصري عام 1974، ونفي السبيتي إلى لبنان 1971. بعد تسليم محمد هادي السبيتي إلى المخابرات العراقية من قبل الأردن عام 1981، حيث توفي في معتقله لاحقا.

3
(محمد هادي السبيتي الزعيم التاريخي لحزب الدعوة)

يمكن اعتبار عام 1981 عاما فارقا في تاريخ حزب الدعوة تحول فيه الحزب عن الخط الفكري النضالي الذي عرف به منذ تأسيسه إلى حزب سياسي برجماتي، كما صارت الغلبة للمعممين ذوي الأصول الفارسية، حيث عزلت الكوادر التاريخية كالسبيتي والشيخ علي الكوراني، الأمر الذي أدى إلى انفصال عز الدين سليم وتشكيل حركة الدعوة الإسلامية أو ما عرف بخط البصرة، الذي انتهى باغتياله عام 2004 من قبل جماعة التوحيد والجهاد (القاعدة لاحقا) بعد ولايته لمجلس الحكم العراقي التابع للاحتلال.

منذ مطلع التسعينات، برز الدكتور إبراهيم الجعفري ليحل محل الآصفي، وشارك الحزب في مجلس الحكم الانتقالي التابع للاحتلال ثم حازت القائمة العراقية الموحدة وعلى رأسها حزب الدعوة على الأغلبية في برلمان 2005 ليشكل الجعفري الحكومة. لكن نوري المالكي لم يلبث أن حل محله بعد عام واحد ثم استحدث منصب الأمين العام للحزب وتولاه في العام التالي 2007، مما دفع الجعفري إلى تأسيس تيار الإصلاح الوطني قبل أن يفصله الحزب نهائيا عام 2008. وفي انتخابات 2010 فازت قائمة العراقية بـ 91 مقعد في مقابل 89 مقعد لائتلاف دولة القانون الذي يضم الدعوة، لكن المالكي نجح في تشكيل الحكومة بعد أن تحالف مع التحالف الوطني الذي يقوده السيد عمار الحكيم (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية). ثم في انتخابات 2014، فاز ائتلاف دولة القانون بـ 92 مقعدا لكن المالكي تخلى تحت الضغوط عن رئاسة الحكومة للقيادي في الحزب حيدر العبادي.
(عز الدين سليم)

ولي محمد مهدي الآصفي الحزب بعد السبيتي واتجه نحو إيران الثورة حيث كان من أشد مؤيديها القلائل في العراق، وأيد مبدأ ولاية الفقيه وحاول استنساخه من خلال تأسيس مجلس فقهي للحزب يضم إلى جواره الشيخين كاظم الحائري ومحمد علي التسخيري (الأمين العام السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والذي غادره بعد خلاف حاد بينه وبين الشيخ القرضاوي بسبب ما اعتبره القرضاوي مواقفا طائفية له). في العام 1999، انشق ما صار يعرف بـ “حزب الدعوة – تنظيم العراق” بزعامة هاشم الموسوي، وعنه انشق وزير الأمن الوطني السابق عبد الكريم العنزي وأسس في 2009 “حزب الدعوة – تنظيم الداخل”.

منذ مطلع التسعينات، برز الدكتور إبراهيم الجعفري ليحل محل الآصفي، وشارك الحزب في مجلس الحكم الانتقالي التابع للاحتلال ثم حازت القائمة العراقية الموحدة وعلى رأسها حزب الدعوة على الأغلبية في برلمان 2005 ليشكل الجعفري الحكومة. لكن نوري المالكي لم يلبث أن حل محله بعد عام واحد ثم استحدث منصب الأمين العام للحزب وتولاه في العام التالي 2007، مما دفع الجعفري إلى تأسيس تيار الإصلاح الوطني قبل أن يفصله الحزب نهائيا عام 2008. وفي انتخابات 2010 فازت قائمة العراقية بـ 91 مقعد في مقابل 89 مقعد لائتلاف دولة القانون الذي يضم الدعوة، لكن المالكي نجح في تشكيل الحكومة بعد أن تحالف مع التحالف الوطني الذي يقوده السيد عمار الحكيم (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية). ثم في انتخابات 2014، فاز ائتلاف دولة القانون بـ 92 مقعدا لكن المالكي تخلى تحت الضغوط عن رئاسة الحكومة للقيادي في الحزب حيدر العبادي.

التيار الصدري:

على الرغم من انسحابه من حزب الدعوة مبكرا، إلا أنه بقي مصدر إلهام كبير في الفكر الإسلامي. إنه محمد باقر الصدر المرجع العراقي والمفكر الإسلامي البارز الذي أثرى الفكر الإسلامي المعاصر بأعمال هامة من طراز “فلسفتنا”، الذي أصدره لمواجهة وتفنيد الفلسفة الماركسية، و “اقتصادنا” الذي حاول فيه اكتشاف ما يميز الإسلام في نظره للاقتصاد عن الرأسمالية والاشتراكية كليهما، فضلا عن أعماله الأصولية والفقهية والمنطقية والفكرية الأخرى. ظل الصدر لذلك الأب الروحي للمعارضة الشيعية مما دفع النظام البعثي في العراق إلى تصفيته مع أخته بنت الهدى في عام 1980.

لاحقا عمل ابن أخيه محمد محمد صادق الصدر على تأسيس تيار معارض، حيث شارك في الانتفاضة الشعبانية (انتفاضة قامت بها الأحزاب الكردية والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية -فصيل شيعي عراقي موالي لإيران تزعمه محمد باقر الحكيم- وغيرهم من فصائل المعارضة في العراق) عام 1991 بعد فشل الغزو العراقي للكويت. تم اغتيال محمد محمد صادق الصدر في عام 1999 من قبل النظام البعثي في العراق.

(محمد محمد صادق الصدر)

عاد التيار الصدري إلى المشهد بقوة بزعامة مقتدى الصدر الابن الأصغر لمؤسسه الراحل، وصهر الأب الروحي للتيار محمد باقر الصدر (زوج ابنته)، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، حيث خاض جناحه المسلح (جيش المهدي) معارك طاحنة مع الاحتلال منذ عام 2004 بعد أن رأى الصدر أن المقاومة السلمية غير مجدية. وبعد اشتباكات طاحنة مع الأمن العراقي وفيلق بدر (التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية -محمد باقر الحكيم وعمار الحكيم- الموالي لإيران)، أعلن الصدر تجميد جيش المهدي. لكنه عاد وأطلق لواء اليوم الموعود لمقاومة الاحتلال حتى الانسحاب. يتهم جيش المهدي على خلاف ذلك بارتكاب جرائم طائفية ضد السنة بعد تفجير ضريح العسكريين 2006. انشق عن جيش المهدي في 2004 فصيل عرف بعصائب أهل الحق، يعتقد أنه مدعوم من الحرس الثوري بقيادة قاسم سليماني، وبجانب مقاومته للاحتلال، يتهم بالتورط في الكثير من الجرائم الطائفية.

لم يبلغ مقتدى الصدر مع ذلك منزلة الاجتهاد ويقلد المرجع كاظم الحائري القيادي التاريخي بالدعوة (راجع أعلاه). يقدم التيار الصدري نفسه باعتباره ممثلا للعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية والمقاومة المعتدلة، وقد نجحت كتلة الأحرار التي أسسها في الحصول على 34 مقعدا في انتخابات 2014 لتحل ثانية بعد ائتلاف دولة القانون (حزب الدعوة) الذي حصل على 93 مقعدا. يمارس التيار ضغوطا على حزب الدعوة ورئيس الوزراء السابق المالكي، لكنه يبدي نوعا من التعاون مع رئيس الوزراء الجديد العبادي. وقد أطلق التيار فضائية “اليوم الموعود”.

المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وفيلق بدر:

5

بعد خروجه من حزب الدعوة، اتصل محمد باقر الحكيم ابن المرجع الأعلى للشيعة آنذاك محسن الحكيم بالخميني بعد نفيه إلى العراق، ثم التحق به في إيران عام 1980 عقب مقتل رفيق دربه محمد باقر الصدر. وفي عام 1982، اشترك في تأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية مع مجموعة أحزاب المعارضة الشيعية كالدعوة ومنظمة العمل الإسلامي (شيرازيون) الذين سرعان ما انسحبوا بعد أن سيطر عليه باقر الحكيم. وقد شارك المجلس في الحرب العراقية الإيرانية من خلال ذراعه المسلح فيلق بدر. ثم شارك في الانتفاضة الشعبانية. عاد الحكيم بعد الاحتلال الأمريكي للعراق 2003 داعيا إلى المقاومة السلمية حيث أوكل العمل السياسي لشقيقه عبد العزيز الحكيم.

6
(محمد باقر الحكيم)

قتل باقر الحكيم في نفس العام في تفجير استهدفه بالنجف ووجهت أصابع الاتهام نحو جماعة الدعوة والجهاد (القاعدة في بلاد الرافدين لاحقا). حل محله أخوه عبد العزيز الحكيم في 2009، حيث خلفه ابنه عمار الحكيم.

يتميز تيار آل الحكيم بمولاته الواضحة للنظام الإيراني واعتناقه نظرية ولاية القيه (على خلاف جمهور شيعة العراق كما بينا). وقد فازت كتلة المواطن التي شكلها التيار بـ 31 مقعدا في انتخابات 2014. وتنطق باسم التيار فضائية الغدير الشيعية.