الزمان: أكتوبر/تشرين الأول 2018.

المكان: مصر.

الحدث: بعثة البنك الدولي تغادر القاهرة بعد إجراء المراجعة الرابعة للاقتصاد، وسط تأكيدات حكومية على حصول مصر على الشريحة الخامسة من قرض الصندوق في ديسمبر/كانون الأول 2018، وفقًا لجدول المواعيد المتفق عليه.

وبعد مرور شهرين …

يجتمع الصندوق، ويستمر الاجتماع، وينتهي دون الموافقة على إرسال الشريحة، فيتم تأجيلها، وسط تساؤلات وتحليلات لأسباب التأجيل.


حدوتة القرض: حكاية 12 مليارًا

لجأت مصر إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي لتمويل خططها الإصلاحية، فوضع الصندوق مجموعة من الشروط مقابل صرف شرائح قرض قيمته 12 مليار دولار، وتضمنت هذه الشروط قيام الحكومة بمجموعة من الإجراءات، على رأسها خفض الدعم، وتحريك أسعار الوقود، وتقليص عجز الموازنة، وتحرير أسعار الصرف، فيما عُرف بـ «برنامج الإصلاح الاقتصادي».

وافق الصندوق في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 على إقراض مصر 12 مليار دولار، على 3 سنوات، بواقع 4 مليارات دولار سنويًّا، حصلت مصر على الشريحة الأولى بقيمة 2.75 مليار دولار في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، والشريحة الثانية بقيمة 1.25 مليار دولار في يوليو/تموز 2017، والشريحة الثالثة بقيمة ملياري دولار في ديسمبر/كانون الأول 2017، والشريحة الرابعة بقيمة ملياري دولار في يوليو/تموز 2018، وكان مقررًا للشريحة الخامسة بقيمة ملياري دولار أن تحصل عليها مصر في ديسمبر/كانون الأول 2018، لتتبقى شريحة أخيرة، سيتم صرفها في يوليو/تموز 2019، ولكن الشريحة الخامسة لم تأتِ بعد.


حدوتة التأجيل: «الصندوق بيلوي دراعنا»

أكد وزير المالية أن مصر ستحصل على الشريحة الخامسة من القرض نهاية ديسمبر/كانون الأول 2018، حيث سيصوت المجلس التنفيذي للصندوق على المراجعة الرابعة لبرنامج الإصلاح، يوم 19 ديسمبر/كانون الأول، بعد أن أنهت بعثة الصندوق مراجعتها لأداء الاقتصاد في أكتوبر/تشرين الأول.

بعدها بأيام تأكد تأجيل صرف الشريحة، بعد حذف مصر من جدول اجتماعات المجلس في ديسمبر/كانون الأول، بلا أي إيضاحات أو تعليق من الصندوق أو وزير المالية.

بالتوازي تم تداول تصريحات منسوبة إلى «مصادر حكومية»تقول إن صرف الشريحة الخامسة قد يكون في يناير/كانون الثاني 2019، وتشير إلى أن سبب التأجيل هو سعي مصر لإرجاء عدد من الإجراءات، وعدم ربط صرف الشريحة بتلك الإجراءات، والتي من بينها إطلاق آلية تسعير المواد البترولية، تمهيدًا لتحرير أسعار الوقود نهائيًّا، فضلًا عن إجراءات أخرى مرتبطة بالدعم، يضغط الصندوق على مصر لتنفيذها، وتُرجئها الحكومة؛ حتى لا تحدث موجة غلاء قد تثير غضب المواطنين، وتكون سببًا لانتقال حمى «السترات الصفراء» التي تشهدها بعض دول العالم.

فيما أبدى البعض تخوفاته من هذا التأجيل الذي يُحرج مصر أمام المؤسسات الدولية؛ إذ يشير إلى عدم التزامها بتنفيذ خطوات الإصلاح، وهو ما أثار الحديث عن كواليس هذا التأخير، في ظل إشادة الصندوق بالتقدم الذي تشهده عملية تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، وهو ما يؤكد أن التأجيل قد يكون «مسألة وقت» فقط.

وهذا ما يجعلنا لا ننشغل بأمر تأجيل الشريحة الخامسة، بقدر ما يشغلنا الإجراءات المتبقية لقرض الصندوق.


حدوتة الإجراءات المتبقية: «لسه التقيل جاي»

هذه العبارة المقتبسة من أحمد أفلام أحمد حلمي يمكن أن تعبر عن الإجراءات «الإصلاحية» المتبقية لاستكمال حصول مصر على دفعات القرض، وبرغم ما تم من إجراءات قاسية عانى منها المصريون فإن القادم أقسى؛ فبحسب تقرير المراجعة الثالثة لأداء الاقتصاد الصادر عن الصندوق في يوليو/تموز 2017، تعهدت الحكومة بالقيام بعدة إجراءات بحد أقصى 15 يونيو/حزيران 2019، من أهمها:

1. إلغاء دعم الوقود؛ للوصول بأسعاره إلى 100% من قيمة التكلفة، مع تطبيق آلية لتعديل الأسعار؛ لحماية الميزانية من تقلبات أسعار الصرف والنفط العالمية بعد إلغاء دعم الوقود.

ومن المتوقع أن تبدأ «آلية التسعير التلقائي» للمواد البترولية بشكل تجريبي على بنزين 95؛ لكونه الأقل استخدامًا، وأقل حصولًا على الدعم مقارنة بباقي المواد البترولية.

وتقوم هذه الآلية على وضع معادلة سعرية، تشمل أسعار البترول العالمية، وسعر صرف الجنيه أمام الدولار، وحصة الواردات في الوقود المستهلك محليًّا، بحيث تسمح بارتفاع وانخفاض السعر بحسب التغير في عناصر التكلفة، بما يساهم في خفض تكلفة دعم الطاقة في الموازنة العامة.

2. طرح ما لا يقل عن 4 شركات حكومية ضمن برنامج الطروحات الحكومية في البورصة. وبعد استعداد الحكومة لتنفيذ المرحلة الأولى في أكتوبر/تشرين الأول 2018، بطرح 4.5% من أسهم (الشرقية للدخان)، أُعلن تأجيل الطرح لحين تحسن أحوال السوق. وكان من المتوقع أن تبدأ المرحلة الثانية، قبل نهاية 2018، وهو ما لم يحدث.

3. الوصول بالعجز الكلي للموازنة إلى 8.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 9.8% حاليًا، وسط مخاطر زيادة العوائد على أدوات الدين، وزيادة مخصصات فوائد الديون.

4. الوصول بودائع البنك المركزي بالعملات الأجنبية إلى ما لا يتجاوز 1.5 مليار دولار، على أن يتم التخلص منها نهائيًّا؛ لتحسين إدارة احتياطي النقد الأجنبي.

5. نشر تقرير عن الشركات العامة، يشمل ممارسات الحكومة، وتعيين أعضاء مجالس الإدارة، وأرباح الأسهم، وسياسة توزيع الأرباح، وتأثير هذا القطاع على ماليات الحكومة وعلى الاقتصاد عامة. يأتي ذلك بعد نشر تقرير عن جميع الشركات المملوكة للدولة في يونيو/حزيران 2018، متضمنًا أداءها المالي.

هذا إلى جانب العديد من الإجراءات المتعلقة بقانون المشتريات الحكومية، وإعداد خطة إصلاح لنظام تخصيص الأراضي الصناعية، وإجراءات أخرى مبهمة لا تُبشر بالخير؛ لأنها تضمن مزيدًا من سيطرة الصندوق على الاقتصاد.


حدوتة القروض الأخرى: الاختباء خلف الـ 12 مليارًا

يمكن أن يُعد قرض الـ 12 مليارًا بمثابة الواجهة التي تُخفي خلفها مجموعة من القروض والمنح والتمويلات التي تكبل مصر بالديون، وتجعل اقتصادها خارجًا عن سيطرتها؛ لما تضعه من أيادٍ لمؤسسات تمويل دولية في مرافق الدولة.

ففي مارس/آذار 2018،تسلمت مصر مليار دولار من البنك الدولي، وحصلت في أبريل/نيسان على 500 مليون دولار؛ لدعم التعليم في مرحلة رياض الأطفال. فضلًا عن تمويل لدعم مشروع الإسكان الاجتماعي بقيمة 500 مليون دولار، بعد تمويل سابق بالقيمة نفسها.

وفي سبتمبر/أيلول،منح البنك مصر قرضًا بقيمة 300 مليون دولار؛ لاستكمال خطط تحسين خدمات الصرف الصحي في الريف، وذلك استكمالًا للبرنامج الذي بدأ عام 2015، بتمويل قيمته 550 مليون دولار.

وفي أكتوبر/تشرين الأول،اتفقت مصر مع البنك على اقتراض 3 مليارات دولار؛ لتنمية سيناء، ودعم مشروعات البنية الأساسية والنقل والزراعة. وفي ديسمبر/كانون الأول، أعلن البنك عن قرض لمصر بقيمة مليار دولار؛ لتنمية القطاع الخاص، وتعزيز إدارة المالية العامة. هذا إلى جانب اقتراض مصر نحو 103 مليارات دولار من البنوك المحلية خلال 2018.


حدوتة ما بعد القرض

كل اللي فات حمادة.. وكل اللي جاي حمادة تاني خالص.

سعت مصر للحصول على قرض الصندوق؛ احتياجًا للدعم الدولي، وحفاظًا على شمولها بمظلة ثقة الصندوق، تلك المظلة التي جعلت وزير المالية يؤكد أن مصر ستحافظ على علاقات أكثر مرونة مع الصندوق؛ لطمأنة المستثمرين، مشيرًا إلى أنه قد يكون هناك «نوع من التعاون» مع الصندوق، بغير الحصول على تمويلات أخرى منه، دون تصريح أو تلميح لطبيعة أو شكل هذا «التعاون»، أو طبيعة التعامل بعد انتهاء برنامج القرض.

ويمكننا ترجيح استمرار التعاون بين مصر والصندوق، في ظل انخفاض مؤشر النمو،وتسجيل مصر لأكبر زيادة في الدين العام، واستنفاد خدمة الدين لأكثر من نصف الناتج القومي الذي أصبح موجهًا للفوائد على حساب وجوه العجز الأخرى، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة، وتحديات الحماية الاجتماعية، والإنفاق الضخم في السنوات الماضية، والذي ترتب عليه مديونية داخلية وخارجية كبيرة، فضلًا عن ضرورة دعم المشروعات الصغيرة، وتشجيع القطاعات الإنتاجية والصناعية، واستمرار التوسع في برامج الحماية الاجتماعية، وهذه الأمور كلها تحتاج إلى تمويل ودعم مالي لا تستطيع الحكومة توفيره بطريق آخر غير القروض الدولية، في ظل أن جزءًا كبيرًا من احتياطي البنك المركزي عبارة عن قروض.

لذا قد يكون الصندوق وجهة مصر للحصول على قرض جديد، في ظل أن قروضه تتسم بطول أجل السداد، وفائدة 2%، مقارنة بالاقتراض من الأسواق العالمية التي تصل فوائدها إلى 9%. ولكن ما قد يُعرقل الأمر هو وجود حد للاقتراض لكل دولة من الصندوق في حدود 4 أمثال حصتها لدى البنك، وقد حصلت مصر على 6 أمثال حصتها بالفعل.

وقد ذكرت جريدة الشروق فيما نسبته إلى «مصدر مطلع بوزارة الاستثمار»، أن مصر ستطلب من البنك الدولي خلال اجتماعات الخريف تمويلًا جديدًا، لم يتم تحديد قيمته؛ وذلك لتدبير من 8 إلى 10 مليارات دولار لسد الفجوة التمويلية، منها 4 مليارات متبقية من قرض الصندوق، بالإضافة إلى إصدار سندات دولية.

ويمتلك البنك الدولي في مصر حاليًا نحو 16 مشروعًا بالتزام إجمالي قدره 6.69 مليار دولار، إلى جانب الشراكة في تمويل برنامج الإصلاح المرتبط بالعديد من القطاعات الحيوية التي تشمل شبكات الأمان الاجتماعي والطاقة والنقل والمياه والصرف الصحي والزراعة والري والإسكان والصحة والتعليم، ومن تجارب البنك مع الدول الأخرى يتضح أنه لا يترك مشروعاته ويرحل بل يبقى ويستمر.

جدير بالذكر أن وزير المالية نفى اعتزام مصر الاقتراض من الصندوق بعد انتهاء القرض الحالي؛ وذلك بسبب تحسن الاقتصاد، وعدم الحاجة للحصول على أي تمويل جديد، في ظل تعافي الاقتصاد المصري، وما ترتب على ذلك من تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية، وهذا ما قد يشير إلى أن مصر إذا لم تقترض من الصندوق، فإن التزامها في تنفيذ الشروط يؤهلها للحصول على شهادة التزام من الصندوق، تمكنها من الحصول على ثقة مؤسسات أخرى يمكن أن تقترض منها.

تدعو الحكومة إلى عدم القلق من زيادة القروض – وبالتالي زيادة الديون – لأنها تُستغل في مشروعات تنموية، كما أن زيادة القروض في القاموس الحكومي تعني زيادة الثقة في الاقتصاد والخطط التنموية، ووفقًا للتصريحات الحكومية فإن تكرار التمويل يأتي في إطار ثقة البنك الدولي في إجراءات الإصلاح الاقتصادي التي تنفذها مصر، لذا فإن اقتراض مصر من البنك والصندوق الدوليين أو غيرهما من مؤسسات التمويل والإقراض قد تكون مسألة وقت وإجراءات فقط.