إذا كان أصحاب الدكاكين يجردون بضاعتهم ويحسبون مكاسبهم وخسائرهم كل فترة؛ فمن باب أدعى أن تفعل ذلك الدول، خصوصًا بعد تطبيق سياسات وبرامج جديدة؛ لهذا نجد من المنطقي جرد دفاترنا، لمعرفة ما أنجزته تلك السياسات والبرامج – ومَن وراءهما – من نجاحات وما تسببت به من إخفاقات؛ علّنا نصل لمحصلة نعرف على أساسها موضع أقدامنا، ومدى جدوى الاستمرار في تلك السياسات من عدمه.

لهذا نبدأ فيما يلي بعرض مُوجز لمجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية، ما سيكون عرضًا اتجاهيًا ومتوسطيًا تقريبيًا بطبيعة الحال، بحسب البيانات المتاحة لكل مؤشر ضمن فترة المقارنة في المصادر المختلفة على ما فيها من تضارب أحيانًا، والتي ستتمثل في التقارير الرسمية للحكومة المصرية (البنك المركزي والجهاز المركزي للإحصاء) وبيانات المنظمات الدولية (مؤشرات التنمية الدولية بقاعدة بيانات البنك الدولي)، مُعقبين عليها بتعليقات مُوجزة تركّز على الأسباب والدلالة الاتجاهية لتلك الأرقام بما يتجاوز انحرافاتها المختلفة عن الدقة، كما تستوعب بعض الأبعاد الكيفية التي لا توضّحها الأرقام الكمّية المجردة.

المؤشر 2013/2014 2016/2017 ملاحظات
المؤشرات العينية النمو الاقتصادي 2.9 % 2.6 % بتكلفة عوامل الإنتاج بالأسعار الثابتة
التكوين القطاعي 11 – 16 – 50 12 – 17 – 55 الزراعة والصناعة التحويلية والخدمات

كنسب من الناتج المحلي الإجمالي

معدل الادخار 13.7 % 9.3 % كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
معدل الاستثمار 14.21 % 15.05 % كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
معدل البطالة 13.2 % 12 % في القطاع الرسمي فقط
التوازنات المالية والتجارية والنقدية العجز التجاري 11.8 % 15.1 % الميزان التجاري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
عجز الموازنة 12.8 % 5.4 % العجز الكلي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
الدين المحلي 90.9 % 88 % الصافي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
الدين الخارجي 16.4 % 37.6 % كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
التضخم 8.2 % 14.3 % في الحضر
سعر الدولار 7 ج 17.6 ج متوسط تقريبي
المؤشرات الاجتماعية توزيع الدخل 9.5 – 39.8 9.1 – 41.5 حصص الدخل للـ 20% الأدنى مقابل الـ 20% الأعلى بين عامي 2012 و 2015م
معامل جيني 29.8 31.8
مستوى الفقر 26.3 % 27.8 % بحسب خط الفقر الوطني بين عامي 2012 و 2015م
مؤشر البؤس الخامس عشر الثاني الترتيب على مستوى العالم
المؤشرات الإنسانية معدلات الزواج 10.7 10.9 المُعدل لكل ألف من السكان (2013 – 2015م)
معدلات الطلاق 1.9 2.2 المُعدل لكل ألف من السكان (2013 – 2015م)
مؤشر الجريمة 44 38 الترتيب على مستوى العالم

بالنظر للجدول نجد أن لدينا أربع مجموعات رئيسية من المؤشرات، وهي:


المؤشرات العينية المتعلقة بالبناء التحتي للاقتصاد

على تعددها وكثرتها، اكتفينا منها بخمسة مؤشرات أساسية، باعتبارها الأكثر دلالة، ومراعاةً لبطء تغيّر أغلب متغيرات هذه المجموعة من المؤشرات في الفترات القصيرة كفترة المقارنة، وفيها نجد أنه:

1. انخفض معدل النمو الكمّي بشكل طفيف من مستواه المنخفض أصلًا؛ فلم يحدث أي تغيّر إيجابي في معدل نمو الحجم الكلي للناتج المحلي الإجمالي.

2. من جهة التغيّر الهيكلي، أي أهم وجوه التطور الكيفي للاقتصاد، مُتمثلًا في النمو القطاعي، ارتفع نصيب كل من الزراعة والصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1%، فزادت الزراعة من 11 إلى 12%، وزادات الصناعة التحويلية من 16 إلى 17%، في مقابل زيادة ضخمة في قطاع الخدمات بلغت حوالي 10% خلال الفترة، حيث زاد نصيبه في الناتج المحلي الإجمالي من 50 إلى 55%. فإذا كانت الزيادة الأولى في الزراعة والصناعة التحويلية ذات طابع إيجابي، فإن الزيادة الثانية تحمل طابعًا سلبيًا؛ كونها تؤكد استمرار الاتجاه الضار لتضخم قطاع الخدمات في الاقتصاد المصري.

وإن كانت هذه الزيادة قد تحققت رغم انخفاض حجم قطاع التجارة، الذي انخفض نصيبه في الناتج المحلي الإجمالي من 40 إلى 30% منه، وهو ما يعطي دلالة شاذة عن المألوف، لكنها تتسق مع الطابع الخاص للاقتصاد المصري كاقتصاد يغلب عليه الطابع الخدمي غير الإنتاجي، وهى أن الآثار السلبية لتدخل الجيش في الاقتصاد ليست على هذه الدرجة من الخطورة التي يجري تصويرها بها، على الأقل حتى الآن. وفيما يتعلق بالتطور الهيكلي للاقتصاد؛ كونها لم تؤثر بشكل كبير على القطاعات السلعية (ربما لكونها منخفضة أساسًا!)، بل غلب تأثيرها على قطاع التجارة الذي توحش منذ سبعينيات القرن الماضي، وأصبح من المفيد تقليصه!

3. انخفض معدل الادخار المنخفض أصلًا بالقياس للمتوسطات العالمية، بشكل مُروع بلغ الثلث تقريبًا؛ كنتيجة منطقية لتدهور مستوى المعيشة بعد قرارات التعويم ورفع الدعم والزيادات الضريبية، في مقابل ارتفاع معدل الاستثمار بنسبة طفيفة أقرب للاستقرار منها للنمو؛ ما يعكس تقييد انخفاض الادخار لنمو الاستثمار من جهة، وضعف المناخ الاستثماري؛ كون ذلك المعدل أساسًا منخفضًا بالقياس للمتوسطات العالمية هو الآخر من جهة أخرى.

4. انخفض معدل البطالة بنسبة طفيفة، بلغت حوالي 9% خلال الفترة، وهو ما يخالف اتجاهات ضعف نمو الاستثمار والنمو الاقتصادي، ما يمكن تفسيره بتضخم القطاع غير الرسمي على حساب القطاع الرسمي الذي انسدت آفاقه كنتيجة لحالة الركود؛ ومن ثم الانتقال الاضطراري لقطاع من القوة العاملة من انتظار التوظيف اللائق ولو نسبيًا في القطاع الثاني، إلى توظيف الفقر المُميز للقطاع الأول، تحت ضغط الأعباء المتزايدة، دونما أمل أو بديل.


مؤشرات التوازنات المالية والتجارية والنقدية

تحظى هذه المؤشرات بأكبر اهتمام من الحكومة والمنظمات الدولية ودوائر الأعمال، وبالتالي فمن المُفترض أن تكون قد حققت أفضل الأداءات؛ كونها كانت مبرر أغلب ما اتُخذ من سياسات خلال الفترة، وقد عرضناها في ستة مؤشرات كافية لبيان اتجاهاتها، ونجد فيها:

1. كان المُفترض، كما كان ذلك أحد ادعاءات ومبررات سياسة التعويم، أن ينخفض العجز التجاري مع خفض قيمة الجنيه المصري، الذي كان يجب أن يؤدي لانخفاض الواردات وزيادة الصادرات، لكن الواقع أن العجز التجاري بدلًا من أن ينخفض ارتفع بنسبة 27% تقريبًا خلال الفترة؛ نتيجة لانخفاض الصادرات السلعية بنسبة أكبر من انخفاض الواردات السلعية؛ فبينما انخفضت الواردات من 23.36 إلى 19.68% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2013-2016م (أي بنسبة 15.75%)، انخفضت الصادرات من 17.02 إلى 10.35% خلال نفس الفترة (أي بنسبة 39.19 %)، وهو ما يؤكد استحالة تحقيق نتائج إيجابية من سياسات سطحية أحادية الجانب، تركز على الجوانب النقدية والتجارية وتتجاهل الأساس الاقتصادي العيني، ما تم التحذير منه انطلاقًا من طبيعة الهيكل المختل للاقتصاد المصري، كهيكل ضعيف التصنيع، غير مرن إنتاجيًا، وشديد الاعتمادية على واردات السلع الوسيطة في صناعته؛ بما يقلل من فاعلية خفض قيمة العملة في خفض الواردات، كما يرتب آثارًا سلبية على الصادرات.

2. انخفض عجز الموازنة بشكل كبير يعكس السياسات الانكماشية التي أضعفت النمو وجلبت الركود كثمن لذلك الانخفاض، كذا نتج عن قبض يد الدولة عن مُستحقات الدعم والحقوق الدستورية في التعليم والصحة بنسبهما المُحددة في الدستور، وهو يشبه نجاح الأب في الادخار بتجويع أبنائه!

3. انخفض الدين العام المحلي بشكل طفيف كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، رغم تضخمه كرقم مطلق، وهو ما يعكس من جهة خفض العجز على حساب الإنفاق الاجتماعي، كذا وهو الأهم تحوّل سياسة الاستدانة للاعتماد على الديون الخارجية الأكثر خطورة من وجهة اقتصادية واستراتيجية، ما يمثل تراجعًا عن الدرس الذي تعلمه مبارك من تجربة التوسع في الاستدانة من الخارج في الثمانينيات، والذي قاده للاعتماد بدرجة أكبر على الاستدانة الداخلية، والتي على ضررها، تمثل أهون الشرين على أيّة حال.

4. تضخم الدين العام الخارجي بمعدل كبير، بلغ حوالي 130% خلال أربعة أعوام فقط! ما يعكس سياسة غير رشيدة تفتقد بعد النظر ومراعاة المخاطر، خصوصًا في بلد كمصر مُستهدف بكثير من التآمر (بدعاية الحكومة نفسها!) و«ليّ الذراع» كما يشهد تاريخه اللافت جدًا مع الديون!

فضلًا عن أنه يفسّر التحسّن الكبير في احتياطي النقد الأجنبي، الذي يجري تصديره كنجاح، فيما هو نجاح مأساوي يجلب ضحكات ساخرة ممزوجة بدموع المُشفقين على المتفاخر بجيوبه الممتلئة بنقود لا يملك أمر التصرّف فيها أساسًا!

وبالطبع لا يحتاج التضخم لبيان خاص (خصوصًا مع انهيار سعر الجنيه المصري أمام الدولار الذي يموّل الاستيراد به اقتصادًا شديد الاعتماد على الاستيراد في احتياجاته الأساسية استهلاكًا وإنتاجًا)؛ فقد لسعت حرارة الأسعار أكثر الأيادي امتلاءً بالنقود، فارتفع من 8.2 إلى 14.3% تقريبًا، وفقًا للتقديرات الرسمية المُخفضة جدًا بالأشكال المختلفة من التلاعب الحكومي في الأرقام وسلال السلع الداخلة في الأرقام القياسية التي يجري الحساب على أساسها، كعادة الحكومة المصرية المعروفة في هذا الشأن منذ السبعينيات على الأقل.


المؤشرات الاجتماعية

وتمثل الانعكاس الاجتماعي المباشر للسياسات الاقتصادية، وتمثل الوجه الأكثر فجاجة لفداحة تكاليف تلك السياسات حتى في حال نجاحها، ناهيك عن فشلها، وفيها نجد:

1. زاد سوء توزيع الدخل لصالح الطبقات الأغنى على حساب الطبقات الأفقر، كما هو مُثبت بالجدول، سواء بمعايير الأنصبة النسبية في الدخل، أو بمعيار مؤشر جيني الذي ارتفع بما يشير لارتفاع درجة التفاوت، مع تحفظنا على تقديراته نفسها كتقديرات متواضعة، لا تعكس المدى الحقيقي لسوء توزيع الدخل في مصر، كما أثبتت العديد من الدراسات. وما يعنينا على أية حال هو مقارنة الاتجاه خلال الفترة المعنية، والذي تأكدت سلبيته حتى بالتقديرات الرسمية غير النزيهة، مثلها مثل السياسات المُنحازة التي تسببت في هذه الأوضاع نفسها.

2. وفقًا للأرقام الرسمية ارتفعت نسبة الفقر في المجتمع المصري بنسبة طفيفة، كونها لم تغطّ كامل الفترة، رغم التغيّرات الدراماتيكية المنطقية لكل السياسات التي فاقمت التضخم والركود في جنبات الاقتصاد في العامين الأخيرين على ما سبق بيانه، من تعويم وخفض للدعم وزيادات ضريبية، تصب كلها في «مصلحة» المواطن… عفوًا! بل في اتجاه خفض الدخل المتاح للإنفاق في أيدي المواطنين (أي درجة ثرائهم)؛ لا غرابة في ميل كل ذي عقل للاقتناع أكثر بمؤشر البؤس، الذي يعبّر بدرجة أكبر عن فترة المقارنة، والذي تقدمت مصر عليه من المرتبة «الخامسة عشرة» إلى المرتبة «الثانية» على مستوى العالم، في إنجاز غير مسبوق خلال فترة المقارنة التي لا تتجاوز أربعة أعوام!


المؤشرات الإنسانية

واكتفينا منها بمعدلات الزواج والطلاق والجريمة، كمؤشرات دالة على الانعكاسات الإنسانية للسياسات الاقتصادية؛ لارتباطها الوثيق بها، وفيها نجد:

1. رغم أن البيانات الرسمية لا تغطي نهاية فترة المقارنة، فإن الاتجاه العام للبيانات المتاحة يكشف عن تخطّي زيادة معدل الطلاق لزيادة معدل الزواج، بما يتواءم مع اتجاهات التدهور الاقتصادي، والتي تعاظمت بلا شك مع الإجراءات الأخيرة منذ أواخر 2016م.

2. تقدمت مصر ست مراتب كاملة على مستوى العالم في معدل الجرائم خلال فترة المقارنة القصيرة، من المرتبة الرابعة والأربعين إلى المرتبة الثامنة والثلاثين؛ ما يتوافق مع حالة التدهور الاقتصادي وتعاظم الفقر والبؤس.


بجمع تلك النتائج؛ نجدنا بكثير من التجاوز، أمام فترة حققت بعض قطرات من نجاح وسط بحر من الفشل، وهى قطرات تحققت بتكاليف ضخمة، تجعلنا كمن ضحّى بالأم والجنين، ليس حتى ليعيش الطبيب كما في النكتة الشهيرة، بل فقط لدفنه بكامل جثمانه!