يسأل سائل:

نحن في عصر العلم الذي أخرجنا أخيرا من ظلمات الخرافة إلى نور المعرفة.. لماذا تصرون على العودة إلى الوراء؟ أليس العلم متعارضا مع الدين؟ أوليس العلم حينئذ أكثر تعبيرا عن الحقائق وأولى بالاتباع؟ كيف تعرفون العلم وتفهمونه؟

نقول:

لكي نتكلم وننقض ما يسمى بصراع الدين والعلم (والمقصود بالعلم عند قائل هذا الكلام إنما هو خصوص العلم التجريبي) فإننا لابد أولا أن نعرّف العلم: ما هو؟

وما طريقته في الكشف عن الحقائق؟

وما طبيعة الحقائق التي يكشف عنها؟

لأننا تعلمنا أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، فلا يمكننا أن نجيب على أسئلة من نوع: (هل العلم في صراع مع الدين؟) أو (هل العلم هدم الدين؟) قبل أن نفهم فهما عميقا: ما هو العلم؟ وما هو الدين؟

ونحن في هذه المقالة نلخص للقارئ الكريم عددا كبيرا من الكتب والأبحاث والمحاضرات في فلسفة العلم وطبيعته ودوره، ونصوغها له بشكل مفيد سهل بإذن الله تعالى.

(ونحن لسنا دخلاء على هذا المجال (أي مجال العلوم التجريبية) بل بعضنا هذا هو تخصصه الدراسي، ونحن نراعي فيه تصحيح النقل عن أكابر العلماء التجريبيين وفلاسفة العلم).


العلم التجريبي: حقيقته ودوره وخصائصه

كلمة «science» أصلها اللاتيني هو «Scienta» والتي تعني المعرفة. وقد اختص هذا اللفظ حديثا ليعبر عن العلوم التجريبية (كالفيزياء والأحياء) دون غيرها.

نحن نعتقد كمسلمين أن الله قد أقام الكون على قانون قطعي هو قانون الأسباب، فرتب تصرفه في خلقه وفق نظام دقيق فيه ارتباطات لا تتخلف بين السبب والنتيجة.

وغير المؤمن يعتقد كذلك أن الكون قائم على قانون الأسباب القطعي، وإن لم يعتقد بأن الله هو من خلق الكون على هذا القانون. فنحن لا نخالف غير المؤمن في أن لهذا الكون قوانين مطردة دائمة تحكمه.

ودور العلم التجريبي هو: الكشف عن هذا القانون السببي عن الطريق المشاهدة والاستنتاج العقلي. والعلم التجريبي محكوم بالتجربة والمشاهدات..بمعنى أن كل ما خالف المشاهدات يضرب به عرض الحائط، ومحكوم كذلك بالأحكام العقلية (كامتناع التناقض) بمعنى أن كل ما خالف الأحكام العقلية يضرب به عرض الحائط.

نسوق تعريفا مختصرا للعلم التجريبي كتبه عالم الأحياء الأمريكي والأستاذ بجامعة هارفارد والحاصل على العديد من الجوائز العلميةE.O. Wislon بالإنجليزية ثم نترجمه بالعربية. يقول:

Science, to puts its warrant as concisely as possible, is the organized, systematic enterprise that gathers knowledge about the world and condenses the knowledge into testable laws and principles. The diagnostic features of science that distinguish it from pseudoscience are first, repeatability: The same phenomenon is sought again, preferable by independent investigation, and the interpretation given to it is confirmed or discarded by means of novel analysis and experimentation. Second, economy: Scientists attempt to abstract the information into the form that is both simplest and aesthetically most pleasing the combination called elegance
while yielding the largest amount of information with the least amount of effort. Third mensuration: If something can be properly measured, using universally accepted scales, generalizations about it are rendered unambiguous. Fourth, heuristics: The best science stimulates further discovery.

Consilience: The Unity of Knowledge, p.58, vintage books, 1998

يقول:

العلم، إن حاولنا تعريفه بأخصر وأدق تعريف، هو العملية المنظمة التي تجمع المعلومات حول العالم وتكثِّفُها في صورة قوانين ومبادئ قابلة للاختبار. ومن صفات العلم الأساسية التي تميزه عن الخرافة: أولا: التكرارية: فنفس الظاهرة يمكن أن تتلمّس مرة أخرى، ويجري اختبار التفسير المقترح لها أو رفضه عن طريق بحث مستقل بتجربة وتحليل جديدين. ثانيا: الاقتصاد: العلماء يحاولون أن يجرّدوا ويلخصوا المعلومات في أبسط وأجمل صورة ممكنة (بحيث تصبح أنيقة الصياغة) بحيث يجمعون أكبر قدر من المعلومات بأقل مقدار من الجهد. ثالثا: القابلية للقياس: فالشيء إن كان قابلا للقياس بشكل جيد بمعايير مقبولة عالميا، فالتعميمات حولها تصير أقل إبهاما. رابعا: تحفيز الاستدلال: أفضل العلم هو ما يحفز مزيدا من الاكتشاف. خامسا وأخيرا: التناسق: التفسيرات للظواهر المختلفة التي تحقق التناسق فيما بينها عي التي يظن فيها النجاح والبقاء.

فالمنهج العلمي يقوم على افتراض فرضية معينة، والتعبير عنها بقوانين دقيقة تبين ما يترتب على صحتها من أمور، ثم وضعها تحت حيز الاختبار لبيان ما إن كانت هذه النظرية ستفسر المشاهدات السابقة وتتنبأ بالمشاهدات اللاحقة.

وفي بعض الأحيان –كما في علم الفيزياء- يتفرع العلم إلى فيزياء نظريةTheoretical physics والتي تستخدم أدوات الرياضة لتطوير نماذج ونظريات تعبر عن الواقع، وإلى فيزياء تجريبية Experimental Physics والتي تقوم بتصميم التجارب وإقامتها على نحو يضع النظريات حيز الاختبار لنتبين قدرتها على التنبؤ الصحيح.

فإن حصل واستطاعت النظرية أن تتنبأ تنبؤات صحيحة، فإننا لا يمكننا القطع بأن النظرية صحيحة غالبا، أو بشكل مطلق، كل ما هنالك أنها نظرية ناجحة لم يثبت خطؤها، فإذا زادت المشاهدات فربما تنقض هذه النظرية إذا فشلت في تفسير المشاهدات الجديدة.

وخير دليل علي ذلك هو نظرية نيوتن للجاذبية التي ظلت النظرية الصحيحة في تفسير كيفية عمل قانون الجاذبية لأكثر من قرنين من الزمان إلي أن فشلت في التنبؤ بـكمية الحركة الاستباقية

amount of precessionلمدار كوكب عطارد والتي نجحت نظرية أينشتاين للجاذبية في التنبؤ بها وحسابها بدقة شديدة.فأبطلت هذه المشاهدة إطلاق قوانين نيوتن، وتم تضييق نطاق عملها، وتقدم العلم بهذه الطريقة.

ويلخص ستيفن هوكينج في كتابه (تاريخ مختصر للزمانA Brief history of time) بعض كلامنا السابق عن النظرية العلمية حينما يقول مقتبسا من كارل بوبر:

A theory is a good theory if it satisfies two requirements. It must accurately describe a large class of observations on the basis of a model that contains only a few arbitrary elements, and it must make definite predictions about the results of future observations.
A brief history of time, p.10, Bantam books, 1989
أي نظرية هي نظرية جيدة إذا ما لبّت شرطين: الأول: أن تصف بدقة مجموعة كبيرة من المشاهدات وذلك على أساس نموذج (يقصد نموذجا رياضيا) يتضمن أقل قدر ممكن من العناصر الاعتباطية، والثاني: أن تضع تنبؤات حاسمة عن نتائج المشاهدات المستقبلية

كارل بوبر ومبدأ القابلية للنقض Falsification

ومن المبادئ العلمية المهمة ما سماه كارل بوبر بـ: ( قابلية النقضfalsifiability ). وسبب هذا المبدأ أن الكثير من فلاسفة العلم رأوا أن العلم مبني على الاستقراء، وأن الاستقراء لا يفيد القطع.

فجاء بوبر واقترح أن العلم التجريبي غير مبني على الاستقراء أصلا، وإنما مبناه على الاستنتاج، وزعم أن العلماء لا يستخدمون الاستقراء قط، وأنهم لا يستخدمون إلا القياس أو الـdeduction.

وذلك « القياس» مبني على افتراض كليات لحل مشكلات معينة ، وتلك «الكليات» هي: النظريات العلمية.

ثم كلما كانت القاعدة الكلية – أي النظرية العلمية – أقدر على التنبؤ بمشاهدات تفصيلية أكثر، وكلما كانت تلك المشاهدات عجيبة وغريبة أكثر (بمعنى أنه يبعد احتمال حدوث تلك المشاهدات لو لم تصح النظرية) كلما كانت النظرية أفضل.

ثم إنه بنى على كون النظرية هي قاعدة كلية وعلى كون الاستنباطdeduction هو مبنى العلم:

  • أن النظرية تنقض بمشاهدة واحدة فقط مخالفة لها، وهذا هو مراده بالنقض falsification

والنقض بمشاهدة واحدة فقط هو صحيح نظريا ، وإن كان عمليا نادرا ما يطبق ذلك؛ لإمكان تأول تلك المشاهدة الواحدة بما يتوافق مع النظرية،أو إرجاعها إلى خطأ في المشاهدة، أو عدم دقة في القياس في الكثير من الحالات.

  • وأن النظرية – وهي عبارة عن قاعدة كلية – لا تثبت بموافقتها للمشاهدات ،كما أن القاعدة الكلية التي تستعمل في الاستنتاج لا تثبت بالجزئية الواحدة
  • وإنما تبقى النظرية الكلية هذه معمولا بها طالما لم تنقضها المشاهدات.

وبناء على ما سبق فقد قال بوبر-وتبعه الكثير جدا من العلماء و فلاسفة العلم- أن أي نظرية لتصح أن تكون نظرية علميةscientific theory يجب أن تكون قابلة للنقض falsifiable من حيث الصياغة النظرية([1]).


المسلمات، والنظريات، والمعادلات، والتجارب:

بعد أن حاولنا تعريف العلم التجريبي وبيان أهم صفاته فإننا نقول؛ هناك أمور مختلفة متعلقة بالعلم :

Axioms مسلمات

Theories نظريات

Equations معادلات

Experiments تجارب

ثم هناك التفسير الفلسفي للنظرية من حيث ما تعنيه من حيث الواقع والوجود الخارجي. فلنأخذ علم الفيزياء مثالا:

الإنسان يرى حوله أشياء تتحرك في الكون ويؤثر بعضها في بعض: كواكب وأفلاك وأجسام فضائية وأرضية، بينها وبين بعضها البعض علاقات وتأثيرات متبادلة، فيحاول أن يفسر هذه المشاهدات، والنظرية هي تفسيره للمشاهدات.

ومن أهم الشروط في النظريات العلمية هو:

أن هذا التفسير للمشاهدات ينبغي أن يتمكن من التنبؤ بدقة بنتائج التجارب اللاحقة، وينبغي أن يستوعب نتائج التجارب والمشاهدات السابقة. وبالتالي تبنى عليها تكنولوجيا جديدة.

وأفضل النظريات هي التي تفسر التجارب المشكلة المعضلة. وبالتالي فالنظرية يلزم أن يصحبها: معادلات دقيقة بحيث نتمكن من اختبارها. فكل نظرية صحيحة كانت أو باطلة، دلت عليها المشاهدات أو لم تدل، يجب أن تصحبها معادلات ، وإلا لم تستحق اسم النظرية أصلا.

فنظرية كالـــ string theoryفي الفيزياء مثلا تسمى نظرية بالرغم من أنه ليس عليها دليل تجريبي حتى الآن- وهي ليست نظرية صحيحة لأن التجربة لم تؤيدها بعد – ولكنها تسمى نظرية لأنها افتراض علمي يصاحبه معادلات دقيقة.

والإنسان مع الوقت تكثر مشاهداته وتتقدم معداته فيتمكن من مشاهدات أدق وأفضل، وأذكياء العلماء يتمكنون من صنع تجارب أفضل وأدق، فيسجلون من المشاهدات ما لم يسجل السابقون، فنشهد مشاهدات تخالف النظريات السابقة، فنحتاج إلى نظريات جديدة لتفسيرها ، وبهذا يتم تجديد العلم.

فأينشتاين مثلا قد احتاج أن يفسر كل المشاهدات التي فسرتها نظرية نيوتن ، وأن تستوعب نظريته جميع تلك المشاهدات ثم تتنبأ بالمشاهدات الجديدة بشكل أدق. وهذا أمر صعب شديد. لذلك فإن أينشتاين ليس رجلا يخرج كل يوم. فهذه هي النظرية، والتجربة، والمعادلة.

ومن المهم للدارس للنظريات أن يعلم ما هي الأمور التي هي من قبيل «المسلمات» في النظرية ، إذ النظريات الجديدة المستمدة من نظريات قديمة ستسلم نفس المسلمات. وتغير المسلمات التي تبنى عليها النظريات يُعدُّ ثورة علمية إذ إن له أهمية كبيرة في تغيير نظرتنا إلى كثير من الظواهر العلمية.

فمثلا مبدأ أن الأشياء (quantized) في فيزياء الكم هو مسلمة axiom أكثر منه نظرية. ومن مسلمات نظرية النسبية الخاصة أن الضوء سرعته ثابتة في كل الأُطُر المرجعية ذات التسارع الثابت Inertial frames of reference.

والعلم (الفيزياء) لا يمكنه تحديد لماذا كانت الأشياء (quantized) وأيضا لو لم تكن الأشياء (quantized) لما أمكن العلم أن يعرف سبب ذلك أيضا

فإن هذه المسلمات فرضية كون الأشياءquantized هي فرضية، تُفرض، وتُستعمل، إلى أن يثبت بطلانها، أو يتم تحديدها، أو تطويرها لتصبح أدق.

يقول بول ديراك أحد الآباء المؤسسين لفيزياء الكم في كتابه (مبادئ ميكانيكا الكم):

التسويغ لهذه النظرة بأكملها، بعيدا عن الاتساق الداخلي، يعتمد على مطابقة النتائج النهائية مع التجارب. والنقل بالإنجليزية من كتابه: (The justification of the whole scheme, apart from internal consistency, depends on the agreement of the final results with experiments)

The principles of quantum mechanics

وهذا الــ axiom إما أن يدلل عليه بقطعي العقل، أو يكون من سبيل الممكن العقلي بأن يكون محتملا بالنظر العقلي المحض إلى أكثر من احتمال، ولكننا افترضناه على صورة وهيئة معينة، ولا نعرف سبب ترجح وجوده هكذا على ترجح وجوده على هيئة أخرى.

ولكن كون هذا النوع الثاني من المسلمات هي افتراضات لا دليل عليها لا ينبغي أن يهز ثقتنا فيها؛ لأن هذه المسلمات هي أساس كثير من النظريات التي أثبتت كفاءتها في الواقع، فهذه الفرضيات النظرية قد استمدت قوتها من المعادلات الناجحة ومن النظريات الناجحة التي هي أساس لها.


النظريات العلمية، والتفسير الفلسفي لها

بقي أمر أخير وهو أن التفسيرات الفلسفية للنظريات العلمية ليست من العلم التجريبي. فمثلا في النظرية النسبية: النظرية نفسها من علم الفيزياء، والمشاهدات من عمل عالم الفيزياء كذلك، والمعادلات كذلك، لكن التفسير الفلسفي الذي يبحث –بناء على هذه النظرية- في نحو:

هل الزمان بعدٌ رابع كالمكان أم لا؟ وهل هو أمر وجودي أو اعتباري (أي له تحقق خارج الذهن ، أم أنه أمر ذهني فقط)؟ إلخ…

هذا ليس من عمل علماء الفيزياء، وإنما من عمل الفلاسفة، وإن كان الفلاسفة ينبغي تقييدهم بالحقائق العلمية فيما كان من سبيل الممكنات.

ملحوظة هامة: العلماء بشر كأي بشر وليسوا كلهم مدققين، مع كونهم كلهم كبشر يعتقدون أشياء مثلنا جميعا.

والفيلسوف الـمُدقِّق هو من يفكر في معتقداته والأدلة عليها، وبالتالي غير المدقق وإن كان عالما فإنه قد يعتقد أشياء لا دليل عليها أو لم يستدل عليها بالعلم، ثم إنه لم يتمكن من فصلها عما يعتقده بسبب العلم، فيجب الحذر من ذلك وعدم أخذ كل كلام من كل أحد كمسلَّم. بل لابد من البحث والتنقيب والمراجعة، وهذا دور البيئة العلمية في تمحيص الآراء بعيدا عن الخرافات أو التوجهات السياسية أو الفرقعات الإعلامية.

ثم إن قوة العلم التجريبي ليست في إجابة سؤال: «لماذا كان ذلك كذلك؟»

وإنما هي في القدرة على إفادتنا بمعادلات قادرة على التنبؤ بكيفية عمل الحياة وتفسير ذلك عن طريق الجمع بين المشاهدات والنظر العقلي.

فإن قال قائل:

كل هذه دعاوى لا معنى لها، ونحن نجد علماء الفيزياء مثلا يتكلمون عن الأشياء الفيزيائية من حيث الوجود والعدم ، ويفسرون حقيقة الأشياء وغير هذا ، كما فعل أينشتاين ومن تبعه من العلماء الذين تكلموا عن حقيقة الزمان والمكان ، ومع ذلك أنتم تدعون أن هذا بحث فلسفي ، لا فيزيائي

فالجواب:-

أن أينشتاين مثلا إذ يفعل ذلك إنما يفعله من حيث كونه ذا نظر فلسفي، لا كفيزيائي، ولذلك نجد أن تفسيره للزمان مختلف فيه بين الفلاسفة والفيزيائيين حتى ممن يسلمون بصحة نظريته ولا يخالفونه فيها «فيزيائيا»، ولكنهم يقولون إنه لا يلزم من قبول النظرية الفيزيائية قبول ما رتبه أينشتاين عليها من تحليلات وجودية فلسفية([2]).

ثم الكثير من الأمور لا يُجاب عليها إلا بالفلسفة والنظر العقلي والفكري ، والعلم التجريبي لا يحدد لها جوابا ، لما سبق من أن مجال العلم التجريبي محدود في إطار معين (وسيأتي في مقال قادم الكلام على حصر «العلم» في العلم التجريبي).


بعض ما يظهر وتدل عليه المعادلات نكتشف خطؤه

كثيرا ما يحصل أن نأتي بقوانين تتكلم عن أشياء في العالم الخارجي ثم نكتشف أن هذا الشيء الذي افترضناه وحسبنا كثيرا من لوازمه هو خطأ ومحض توهم. فمن ذلك مثلا كلامهم عن الأثيرEther. فالأثير في علم الفيزياء هي مادة كان العلماء يظنون أنها تملأ الفضاء الكوني، فقد اعتقدوا أن الضوء يسير في موجات، وبالتالي فإنه يحتاج إلى وسط يحمله وهو الأثير.

وقاموا بحسابات كثيرة للأثير كحساب نسبة مرونة الأثير لكثافته. ثم تبين أن هذا الشيء الذي تكلموا عنه، وعبروا عنه بمعادلات، لا استلزام علميا له أصلا، بعد أن نشر ألبرت أينشتاين نظريته الخاصة في النسبية التي تبين كيف يسلك الضوء وأنه لا يعتمد على وجود أثير.

يقول عالم الكيمياء الأمريكي أنطوني ستاندن في كتابه (العلم كبقرة مقدسةScience is a sacred cow):

كان العالم اللورد كيلفين سعيدا بانتصار العلم حتى أعلن بنفسه أنه متيقن من وجود الأثير كما يمكن للإنسان أن يتيقن من كل شيء. «عندما تقيس ما تتكلم عليه، وتتكلم عنه بلغة الأرقام، فأنت تعلم شيئا عنها.
والنقل بالإنجليزية من كتابه:

فكتب اللورد كيلفن قوانينه، وبرغم كونها خطأ، فقد تمتع بتأييد العلم الحديث في وقته. ولكنه ليس صحيحا أنك عندما تقيس شيئا فإنك تعلم شيئا عنه. بل إن قياساتك هذه لا تدل أصلا على أن هذا الشيء موجود. خذ الأثير كمثال: ألم يحسبوا نسبة مرونته لكثافته؟

Lord Kelvin was so satisfied with this triumph of science that he declared himself to be as certain of the existence of the ether as a man can be about anything…. «When you can measure what you are speaking about, and express it in numbers, you know something about it….» Thus did Lord Kelvin lay down the law. And though quite wrong, this time he has the support of official modern Science. It is NOT true that when you can measure what you are speaking about, you know something about it. The fact that you can measure something doesn’t even prove that that something exists…. Take the ether, for example: didn’t they measure the ratio of its elasticity to its density?

(Anthony Standen (Science is a Sacred Cow


بعض ما يظهر وتدل عليه المعادلات ويكون صوابا لا يكون له وجود خارج الذهن

ومن الأمثلة الأخرى على هذا الفرق المهم بين النظرية وبين تفسيرها الفلسفي: أن بعض الأشياء في المعادلات هي مجرد افتراضات حسابية لا وجود لما يقابلها في الخارج. فالمعادلات لا تطابق الموجودات الخارجية دائما.

وليس قصدنا هنا نصر نظرية محددة أو مذهب محدد في العلم، وإنما نقول أنه على اتفاق المذاهب والتفسيرات هناك دائما أشياء تكون في المعادلات ولا تطابق موجودا خارجيا.

فالــspace-time singularity مثلا (التي هي نقطة البداية في نموذج الانفجار الكبيرBig Bang وهو النموذج الأشهر لتفسير نشأة الكون) مختلَفٌ في كونها واقعة بالفعل في بداية الانفجار الكبير (فكان هناك شيئا موجودا بالفعل تنطبق عليه أوصاف الــــsingularity أم هي نتاج انهيار المعادلة الرياضية ولا تطابق أمرا خارجيا كان موجودا بالفعل.

space-time singularity
space-time singularity

ومن الأمثلة الأخرى كذلك لأشياء لها معادلات تعبر عنها وليس لها وجود حقيقي في خارج الذهن هو التداخل الهدّامDestructive interference بين الموجات

فافتراض هذه المسألة هو وجود موجتين تسيران في اتجاه واحد تماما بحيث تصير ارتفاع كل موجة مساوي تماما ومقابل تماما لانخفاض الأخرى فيلغيان بعضهما البعض.

ولكن هذا مجرد أمر متخيل لا يحصل في الحقيقة أبدا (وإن استطعنا أن نعبر عنه بمعادلات رياضية) لأن الموجات في هذه الحالة لن تتحرك أصلا على امتداد طولها الموجي، فلن يكون هناك إلغاء أصلا،

والتنافي والإلغاء هو أمر ذهني رياضي فقط ولا يحصل أبدا في الحقيقة. وفي هذا الذي ذكرناه يقول البروفيسور مات ستراسلر أستاذ الفيزياء الزائر في جامعة هارفارد في سلسلة مقالاتهFields and Particles: with Math المقالة الرابعة:

The only way to have perfect destructive interference is to take one wave that travels in the a certain direction and take another wave that travels in the same direction with its troughs lined up so as to exactly cancel the others crests. But in that case nothing ever moves; there’s no wave. You don’t have cancellation of two physical things, you have no physical thing at all! the cancellation is just there in the math.

فليس كل نموذج رياضي وإن كانت نتائجه دقيقة جدا يطابق بالضرورة موجودات خارجية، وقد مثلنا لهذا بكلام كيلفين السابق عن الأثير، ومثال آخر النموذج الـ Ptolemaic الذي افترض الأرض مركزا للكون تنبؤاته لم تكن ضعيفة ولكن تبين خطؤه بعد ذلك، وقوانين نيوتن التي ظلت تتنبأ تنبؤا صحيحا بحركات الكواكب لمئات السنين ثم حصل تحديد لمجالها بعد ذلك ، فتبين خطأ تعميمها .

فالعلم يصف الكون ويصف كيف تنفعل وتتفاعل الأشياء في هذا الكون ومع بعضها البعض، لكنه لا يحاول أن يكشف لماذا تتفاعل الأشياء بهذه الطريقة مع كون طريقة أخرى ممكنة عقلا. و إنما يصف ما وجد الكون عليه.

فإنه بالنظر العقلي المحض كان يمكن الكون أن يكون على أكثر من صورة وأكثر من شكل، بقوانين مختلفة تماما ، ومع ذلك هو على هذه الصورة بهذه القوانين ، فالعلم التجريبي ينظر ويتأمل ويدرس هذه القوانين على صورتها التي وُجدت عليه ، وأما لم هي هكذا بعنى ما الذي جعل حقيقتها أن تكون هكذا ؟ فهذا ليس من مواضيع البحث العلمي التجريبي .

فمثلاe = mc^2 تعبر عن العالم هذا ، وبالنظر العقلي المحض ، كان ممكن أن تكون مثلا e = mc^3 ، وتنسجم أيضا مع بقية القوانين .

ولكن الواقع أن هذا الأمر ليس كذلك ، فلم كان كذلك ولم يكن غيره ؟ هذا خارج عن العلم التجريبي

ولا يحاول كذلك أن يصف ماهية الأشياء. فالمجال مثلا field العلم متمكن من وصفه حسابيا لكنه غير متمكن من معرفة حقيقته وماهيته الوجودية.


النظر العقلي والبحث العلمي التجريبي

ذكرنا في كلامنا عن صفات العلم وخصائصه: أن التناسق الداخلي مهم. وذلك التناسق هو حكم للعقل أنه لا يلزم تناقضات في هذه النظرية.

وكذلك انطلقنا من افتراض أن القواعد والأحكام التي نصل إليها بالبحث العلمي ، والتي تعبر عن الكون: أنها ثابتة ، بمعنى أن الأحكام تكون واحدة طالما اتحدت الظروف ، ومن ثم أمكن تعميم الأحكام على أمور لم نشاهدها شريطة اتفاقها مع الظروف التي بناء عليها حكمنا بالحكم ، وشريطة اتحاد حقيقة المحكوم عليه .

وهذا الافتراض من ثبات الأحكام واتحادها لاتحاد الظروف بحيث يمكن التعميم والحكم على غير المرئي هو حكم عقلي. فالعقل أساس النظرية العلمية. وكون حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق أساس للعلوم التجريبية. ومن المتفق عليه بين العقلاء أنه لا يصح للفرع أن يكرَّ على أصله بالبطلان. فأي نظرية خالفت قطعي العقل تُردُّ، وهذا الكلام يوافق كلام فلاسفة العلم كما سبق وأشرنا في كلام كارل بوبر وبول ديراك.

ومن شروط النظرية العلمية، ومن طرق الحكم عليها قبل المشاهدة ألا تكون متناقضة (internal consistency). وهذا حكم عقلي كذلك ، أي بأن الشيء المتناقض باطل. بل إن الحكم على أي فرضية علمية بأنها ليست متناقضة ذاتيا Internal consistency هو حكم سابق على التجربة والمشاهدة ، يقوم به العقل ، قبل الخوض في إثبات النظرية تجريبيا أو إبطالها.


فخلاصة ما نريد أن نقوله في هذا المقال

Destructive interference
Destructive interference

أن العلم التجريبي هو العملية المنظمة التي تجمع المعلومات حول العالم وتكثِّفُها في صورة قوانين ومبادئ قابلة للاختبار. وأن المنهج العلمي يقوم على افتراض فرضية معينة، والتعبير عنها بقوانين دقيقة تبين ما يترتب على صحتها من أمور، ثم وضعها حيز الاختبار لبيان ما إن كانت هذه النظرية ستفسر المشاهدات السابقة وتتنبأ بالمشاهدات اللاحقة.

فإن حصل فيتم الاعتماد على هذه النظرية حتى تزداد المشاهدات وتتطور فنصل لنظرية أفضل تعبيرا عن الواقع. وأن كارل بوبر قد اقترح أن العلم غير مبني على الاستقراء، ولكن على استنباط قاعدة كلية ووضعها حيز الاختبار، وأنها تبقى جيدة طالما استوعبت المشاهدات السابقة وتنبأت باللاحقة ما لم يتم نقضها، فإن نقضت بمشاهدة واحدة –نظريا على الأقل-فإن النظرية تسقط.

وأن هناك أمور مختلفة متعلقة بالعلم :Axioms مسلمات (وهي فرضيات عقلية وغير عقلية لابد أن نلتزم صحتها لكي يتوقف عليها العلم أو مجموعة نظريات)، وTheories نظريات (تفسر الظواهر الكونية)، وEquations معادلات (تعبر عن النظرية تعبيرا دقيقا وتضعها حيز الاختبار عند المقارنة بالواقع) وExperiments تجارب (هي محك اختبار النظرية وبيان صحتها من خطئها).

وأن التفسير الفلسفي للنظرية من حيث ما تعنيه من حيث الواقع والوجود الخارجي ليس من نفس العلم التجريبي بل هو بحث فلسفي يحصل بعد العلم التجريبي.

وأن كثيرا مما كانت تحسبه المعادلات العلمية (كالأثير مثلا) تبيّن لنا خطؤه بعد ذلك، وأن كثيرا من الأشياء التي تتكلم عنها المعادلات (كالتداخل الموجي الهدّام، والأثير، والــsingularity في رأي بعض العلماء) ليس لها وجود في الواقع وإنما هي افتراضات نظرية حسابية فقط.

فصحة النظرية العلمية أو قدرتها على التنبؤ الدقيق لا يعني بالضرورة أن الوجود يطابقها.

ملحوظة: نتقدم بالشكر الجزيل للدكتور الفاضل عمرو أحمدين أستاذ الفيزياء النظرية بجامعة سينسيناتي، أوهايو، على إسهاماته التي تفضل بها علينا. وندعو الله أن يجزيه عنا خير الجزاء.


[1] للاطلاع على كلام كاربل بوبر عن القابلية للنقض والمنهج العلمي يمكنكم مراجعة كتبه:

The Logic of Scientific Discovery (1959), p.47.

Conjectures and Refutations: The Growth of Scientific Knowledge (1963), 36.

The Problem of Demarcation’ (1974). Collected in David Miller (ed.) Popper Selections (1985), 126-127

The Myth of the Framework: In Defense of Science and Rationality (1993), 140

[2] يمكن للقراءة حول هذا النقاش الفلسفي فيما تستلزمه نظرية النسبية لأينشتاين مراجعة مقالة (الزمان) Time خاصة في القسم الثالث منها من موسوعة ستانفورد للفلسفة Stanford Encyclopedia of Philosophy.