لم تسقط أحداث 30 يوينو وما تلاها من استيلاء الجيش على السلطة في مصر، الرئيس المصري الأسبق د. محمد مرسي، أو جماعة الإخوان المسلمين فحسب، بل أسقطت كذلك قطاعًا عريضًا من النخب السياسية المصرية التي فقدت ثقة الجماهير فيها أو في كفاءتها. قليلون من احتفظوا برصيدهم بين تلك الجماهير، وتمكنوا أن يتجاوزوا الاستقطاب القاتل في الوسط السياسي المصري بين إسلاميين وغير إسلاميين، نعتقد أن واحدًا من هؤلاء هو المعارض المصري البارز، والأكاديمي والوزير الأسبق، د. محمد محسوب.وفي إطار حوارات «إضاءات» مع رموز المعارضة المصرية في الذكرى السادسة لثورة يناير المجيدة، كانت لنا تلك الجولة معه.


د. محمد، أظهرت السنوات التي تلت الثورة، وإلى حين عودة الجيش إلى السلطة في 3 يوليو 2013، وما تلا ذلك أيضًا، أن النخب السياسية المصرية كانت دون مستوى الحدث، سواء في التزامها الصالح العام وتقديمه على المصالح الشخصية، أو حتى في كفاءتها السياسية؛ ما هي جذور هذا الإفلاس السياسي المصري في رأيك؟ وكيف يمكن تجاوزه؟

يجب أن نسلم أولاً أنه لا دور للنخب السياسية في صناعة ثورة يناير.. فالنخب بكل أطيافها كانت متماهية مع نظام مبارك، وأكثر ما كانت تتمناه هو تغيير في بعض سياساته الداخلية أو مساحة مشاركة سياسية أكبر أو حتى رفض التوريث والذي رفعه عدد محدود من النحب السياسية.

أما حلم التغيير والانتقال لمستقبل مختلف متصالح مع الحريات وحقوق المواطن وسياسات تؤدي لازدهار تستحقه البلاد وتختفي فيه مظاهر الاستبداد والفساد، فحلم صنعه الشباب الذي فاجأ النظام والنخب بتدفقه للشوارع ابتداء من 25 يناير.. بعدها اكتشفت النخب أن هناك شيئًا آخر أكبر من مطالبها الضيقة وأعظم من أحلامها الصغيرة.

بعد تنحي مبارك الذي لم تتوقعه النخب.. عادت لتمارس السياسة وفقًا لما تعلمته واعتادت عليه.. فكان كل رغبتها هو الاستحواذ على ما يمكِّنها من السلطة بعيدًا عن رِفاقها ولم تتفق على إقصاء النظام السابق بينما توافقت على إقصاء شباب الثورة.

أذكر أنه في مطلع أكتوبر 2011، أصدر 13 حزبًا سياسيًا وثيقة مع المجلس العسكري يتعهدون فيها بمساعدته دون أن يحصلوا منه على أي شيء سوى السماح للأحزاب بأن تقدم مرشحين على المقاعد الفردية وبالتالي زيادة حصتها في تورتة البرلمان.. بينما أشارت إلى دراسة المجلس العسكري لموضوع نقل السلطة وبحثه لرفع الطوارئ وغير ذلك.

لم يفرض على المجلس العسكري وضع تاريخ لنقل السلطة وإسقاط حالة الطوارئ إلا شهداء محمد محمود وليست الـ13 حزبًا التي وقعت على هذه الوثيقة.


ما تقييمك لتجربة المعارضة من الخارج خلال السنوات السابقة؟ وهل ترى أن هذا الخيار ما زال لديه من الإمكانات ما لم تستفد منه المعارضة المصرية بعد؟

لا يوجد شيء اسمه معارضة من الخارج.. المعارضة هي معارضة أينما وُجدت في الداخل أو في الخارج وعليها أن تستفيد من كل إمكاناتها.. خصوصًا أن ثورة يناير أعادت ربط الجاليات المصرية بالداخل، وسمحت بمشاركتها بالانتخابات.. وبالتالي أصبحت سياسيًا جزءًا من الداخل.

أما أولئك الذين خرجوا بعد 3 يوليو 2013 فهم لا يُحسبون على الخارج لأنهم بكل بساطة مضطرون للتواجد بالخارج بينما ترتبط أحلامهم وعواطفهم بالداخل.

والتغيير لا يأتي إلا بتعظيم ما نملكه.. ومعركة التمسك بصنافير وتيران أثبتت أن لدينا ما يسمح لنا بفرض إرادتنا لو توافق الجميع على موقف واحد ورؤية واحدة.


تعرض النظام المصري الذي تأسس بعد 30 يونيو لعديد من الأزمات المتتالية، وهو يواجه اليوم أزمة اقتصادية طاحنة، فقد تورط النظام بأسرع مما كان يرجو خصومه كما يبدو، كيف يمكن أن تستفيد المعارضة المصرية من ذلك برأيك؟

السلطة القائمة لم تتعرض لأي أزمات بل هي صنعتها بأيديها.

فلا يمكن أن نجد فترة تدفقت فيها الأموال من هبات إلى إيداعات وقروض ميسرة مثلما حدث منذ النصف الثاني لعام 2013 حتى نهاية 2016.. ومع ذلك تمثل نفس الفترة أسوأ الفترات الكارثية في التاريخ الحديث للدولة المصرية وللمواطن.

كان معدل الهبوط سريعًا منذ 2005 حيث بدأت مرافق الدولة في التآكل بسبب فساد نظام مبارك، لكن الثورة فرملت هذا السقوط وكان يُمكنها بحصارها للفساد أن تعيد المؤشرات للصعود لو استمر ت عملية التحول الديموقراطي.

الإجراءات التي حدثت منذ 13 يوليو 2013 أعادت توجيه المؤشرات للهبوط لكن بمعدلات غير مسبوقة.

المرض يكمن في بنية النظام المستمر منذ عقود.. فهو قائم على عاملي الأمن والفساد، ولا يمكنه أن يتخلص من قلقه الأمني ولا أن يكافح الفساد.

وأضيف لذلك المستوى المتدني لكل أركان السلطة الحالية وعدم امتلاكها لأي رؤية وعدم إدراكها لكيفية إدارة دولة حتى بطريقة تتوافق مع شبكة الفساد.. فحتى الفساد فيه الذكي وفيه الساذج.. وما نراه هو انطلاق غول الفساد دون أي مكابح، وتعاظم القلق الأمني الذي يستنزف موازنة الدولة.

ولو بحثنا عن أي مبلغ تائه في الميزانية كمبلغ الـ32 مليار الذي كشف البنك المركزي عن اختفائها فسنجدها إما سقت في بئر الفساد أو استنزفتها إجراءات أمن السلطة.

وهو الأمر الذي لن تستطيع هذه السلطة الخروج منه.. وستبقى في معدلات هبوطها السريع حتى يحدث شيء ما يوقف هذا السقوط.. وإلا فالعواقب كارثية.


د. محمد، قدمت، وحزب الوسط، نموذجًا جيدًا للخروج من حدة الاستقطاب الإسلامي-العلماني، إن صح التعبير، في مصر؛ هل ترى أنه من الضروري وجود محاولات نظرية وفكرية لتجاوز هذا الخلاف التقليدي؟

رؤيتنا قائمة على محورين:

الأول، هو أن الخلاف بين العلماني والإسلامي وهم مستورد ولا يستند إلا على تخوفات، وما يحتاجه هو تطمينات من كافة الأطراف لبعضها.

الثاني، أن الاختلاف هو أمر طبيعي ويحتاج لآلية لإدارته وليس لإلغائه.

وبالتالي تبنى الوسط على الدوام فكرة التعايش كقاعدة سياسية تقابل المواطنة كقاعدة اجتماعية. فكما تفترض المواطنةُ المساواةَ بين كل المصريين دون تمييز بينهم على أي أساس، فإن التعايش السياسي يعني التعاون في بناء دولة القانون والعدل مع القبول بالاختلاف.

وأذكر أن الدولة الفرنسية عاشت فترة الثمانينات والتسعينات بظل حكومات عُرفت بحكومات التعايش حيث كان الرئيس من اتجاه سياسي يتناقض مع أغلبية البرلمان والحكومة.. ومع ذلك فربما كنت هذه الفترة هي أفضل فترة للدولة الفرنسية اقتصاديًا وسياسيًا في ظل تحولات كبرى في العالم بعد انهيار الكتلة الشرقية.

وقد أثبتت تطورات الأحداث منذ 3 يوليو 2013 صدق رؤية حزب الوسط في أن الفرقة هي التي تؤدي لفشل حلم التغيير، وأن إقصاء الأطراف السياسية لبعضها لن يؤدي إلا إلى إقصائها جميعًا.. وهو ما يعاني منه الجميع الآن.


التزمت حزبيًا ولم تعانِ تلك الفوبيا من الأحزاب التي يعانيها العديد من المثقفين، لكن ظلت تجربة الأحزاب العربية تجربة غير ناضجة، على الأقل في العقود القليلة الماضية، وكان واضحًا بعد الثورات أن هناك تنظيمًا واحدًا هو القادر على التنافس والحصول على السلطة منفردًا هو تنظيم الإخوان المسلمين، كيف يمكن تطوير تجربة الأحزاب في العالم العربي عمومًا، ومصر خصوصًا، وتكوين تنظيمات قوية قادرة على مواجهة السلطة من موقع المعارضة، ثم إدارة الدولة من موقع السلطة؟

هذه فكرة ظاهرها صحيح.. لكن الغوص فيها يكشف عن عدم دقتها.

فمن المنطقي أن تختار الشعوب الأكثر تنظيمًا في أولى تجاربها السياسية.. لكن ملاحظة العمليات الانتخابية الخمس التي جرت بعهد الثورة يُظهر أن تحولات في الرأي العام بالتدريج تميل إلى تغيير اختياراتها.. وتقترب من تحقيق نوع ما من التعادل في السلطة. فالدكتور محمد مرسي فاز بما يزيد قليلا على نصف الأصوات.

كما أن الصبر على إجراء انتخابات برلمانية لاحقة ربما أدى لنتائج مختلفة وفقًا لتوقعات الكثيرين بما كان سيسمح بتحقيق معادلة مختلفة في الحياة السياسية.

لا يُمكن أن تترك للأحزاب السياسية فرصة سنتين من الحرية، ثم تُغلقها بدعوى أنها لم تنجح.. فتطور العمل الحزبي يحتاج لأجواء سياسية تتسم بالحرية والنزاهة وتوفير مناخ التطور الطبيعي لها.

الحقيقة أن غاية أي ثورة هو أن تنفض عن الشعوب القيود والأصفاد التي تمنعها من التطور الطبيعي والتعبير عن ملكاتها وإمكانتها.. وهو التطور الذي يمنعه الاستبداد بإغلاقه كل أفق سياسي وقتل كل أمل في التغيير.

لكن الثورات ربما تغفو قليلاً في مواجهتها للاستبداد لكنها لا تستسلم له.