ما نعرفه أن رجال المخابرات كنبات الظل. يشتد عودهم وهم في الظل. فرصتهم في النمو والترقي تزداد كلما تأقلموا على الظل. وإذا برز اسم واحد منهم على مسرح الأحداث وسُلطت عليه الأضواء، لا يلبث إلا أن يحترق. أو تكون الأضواء وسيلة جهات أخرى لإحراقه، وإبراز تاريخه المخابراتيّ للعامة من أجل هدف ما. إلا اللواء «عباس كامل»، رجل من رجال الظل، تحول إلى ظل للرئيس. لا يفارقه أينما ذهب، يجلس بجواره أينما حل.

اليوم الخميس 18 يناير/كانون الثاني 2018 صدر قرارٌ جمهوري بتكليف «عباس كامل» بتسيير مهام المخابرات العامة، خلفًا للواء «خالد فوزي» الذي تناثرت الأنباء عن مروره بوعكة صحية. ليُضيف «كامل» منصبًا جديدًا إلى منصبه السرمدي «مدير مكتب السيسي». كان مديرًا للمكتب حينما كان السيسي رجلًا في المخابرات الحربية، ثم مديرًا له بعد أن صار وزيرًا للدفاع، واستمر مديرًا والسيسي في رئاسة الجمهورية.

ظهر اسمه للمرة الأولى في تسريب لحوار صحفيّ للسيسي، سأله «ياسر رزق»، مدير تحرير جريدة «المصري اليوم» عن عدد قتلى فض رابعة، فأجاب السيسي: «اسألوا عباس». ثم عاد مرةً أخرى بتسريب جديد بينه هذه المرة وبين اللواء «ممدوح شاهين» بعد إعلان براءة الرئيس الأسبق «محمد حسني مبارك»، تحدثا فيه حول كيفيّة تزوير تفاصيل احتجاز الرئيس السابق «مُحمد مرسي». وتوالت التسريبات حتى صار «عباس كامل» هو بطل التسريبات الأول.

كان «كامل» ضمن الوفد المصري الذي قدّم العزاء في الملك السعودي الراحل «عبدالله بن عبدالعزيز». ورافق السيسي في زيارة الأردن عام 2014، ثم زيارة الكويت التي تلتها. ظهر لأول مرة بصحبة «الرئيس السيسي» قبل أدائه اليمين الدستورية لتولي منصب الرئاسة، ورافقه في طائرته التي أقلته إلى مبنى المحكمة الدستورية في المعادي.

وبعد دخول القصر الجمهوري كان أول قرار للسيسي هو إعادة هيكلة منظمة الرئاسة. بتلك الهيكلة تحول منصب رئيس ديوان رئيس الجمهورية إلى منصب شرفي، وصار منصب مدير مكتب الرئيس أهم المناصب في مؤسسة الرئاسة. إلى درجة أنه لا تصل ورقة واحدة إلى السيسي إلا عبر «عباس كامل»، ولا يمر قرار من السيسي إلا عبر «عباس كامل».


«عباس كامل»: قائد سلاح الإعلام

عدا ما سبق من معلومات، فلا يُعرف عن خلفية الرجل، ولا عن حياته الشخصية شيء. أما عن حياته المهنية فقد اشتهر «كامل» بأنه المُحرك للآلات الإعلامية. يُمهد للقرارت الجديدة، ويغتال المعارضين واحدًا تلو الآخر. يتعامل مع الإعلاميين بمنطق الإله. يرفع من يشاء، ويُقصي من يشاء، وقتما يشاء. أبرزهم كان «توفيق عكاشة»، الإعلامي المصري المشهور.

لـ«عكاشة» دور لا يُنكر في الدعاية للرئيس «السيسي» في أوساط العامة والطبقة البسيطة من الشعب المصري. كما تواترت الأنباء عن قرب عكاشة من المصادر الاستخباراتيه، وأكد بنفسه تلك المعلومات مُفتخرًا ذات مرة. في أواخر عام 2015 بدأ عكاشة حديثًا غير مفهوم حول «عباس كامل»، وصفه بأنّه العقلية الأخطر في مصر، وأكدّ أنّه من يدير الحياة السياسية المصرية، وأن جميع الإعلاميين يتحركون بناءً على أوامر شخصية منه.

بعد هجوم عكاشة على عباس كامل بفترة وجيزة، أصدر «ائتلاف دعم مصر» الذي يمثل أغلبية الكتلة البرلمانية، برئاسة اللواء «سامح سيف اليزل» آنذاك، قراره بفصل «توفيق عكاشة» من البرلمان، وما ترتب على ذلك من حظر الحديث عنه في وسائل الإعلام، وإغلاق فضائية «الفراعين» المملوكة لعكاشة.

سلطة «كامل» ليست على البرلمان فحسب. بل تتجاوزه إلى فرض القرارات على وزارة الداخلية. ظهر ذلك في حادثة اقتحام قوات الأمن لنقابة الصحفيين لإلقاء القبض على «عمرو بدر» رئيس تحرير بوابة يناير الإلكترونية، ورفيقه في الموقع «محمود السقا». قبل هذا الاقتحام العنيف للنقابة بأيام، أشرف «كامل» على اقتحامٍ معنوي للنقابة عبر برنامج «العاشرة مساءً» الذي يقدمه الإعلامي «وائل الإبراشي». إذا ذكر «الإبراشي» أن النقابة تتواصل مع أطراف خارجية لتشويه صورة مصر.

تفوقت سلطة «عباس كامل» على نفسها؛ إذ امتدت للقضاء. وفي 19 مايو/آيار 2016 طلب لقاء القاضي «أحمد جمال الدين»، رئيس مجلس القضاء الأعلى ومحكمة النقض، والتقاه مع عدد من أعضاء المجلس يوم السبت 21 مايو/آيار 2016 في دار القضاء. كان هدف «كامل» من الاجتماع واحدًا وصريحًا. وهو إلغاء الحفل المُقرر إقامته من قبل أعضاء نادي القضاة تكريمًا للمستشار «أحمد الزند».

وكان الحفل مقررًا بعد إقالة «الزند» بسبب الأزمة التي أثارها تصريحه الخارج «أحبس النبي». وجاء أمر «عباس كامل» بسبب إعلان «الزند» تحدي قرار الإقالة وإعلانه العصيان بين أعضاء نادي القضاة.


رسول «السيسي» إلى الخارج

لم يقتصر دور الرجل على الداخل، بل توسع دوره في ممارسة سلطة الرئيس إلى خارج مصر. قام «كامل»بزيارة إلى إيطاليا في يناير/كانون الثاني 2017. أعلن في تلك الزيارة عن رغبة مصر في فتح صفحة جديدة مع الحكومة الإيطالية وإغلاق قضية مقتل الطالب الإيطالي «جوليو ريجيني» في فبراير/شباط 2016.

المُلفت ليس محتوى الزيارة بل مَن قام بها. فالقضية بحلول تاريخ الزيارة كانت قد صارت جنائية في يد النائب العام المصري «نبيل صادق». وكان «صادق» هو من يترأس جميع الاتصالات المصرية-الإيطالية من البداية.

دارت التكهنات أن زيارة «كامل» ليست للحديث عن حل القضية بتحقيق مُحايد، بل أنّه سيقوم بعرض قيام الحكومة المصرية بتقديم وزير الداخلية «مجدي عبدالغفار» وعدد من المسئولين الذين وردت أسماؤهم في القضية كبشَ فداءٍ لتهدئة الوضع العام الدولي.

كما ظهرت بصمة «كامل» في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والتي بموجبها انتقلت ملكية جزيرتي «تيران وصنافير» إلى السعودية.فوفقًا لمصادر برلمانية، اجتمع «عباس كامل» مع رؤساء اللجان البرلمانية في 6 يونيو/حزيران 2017. وفي هذا الاجتماع تحدث الرجل بصورة واضحة عن ضرورة تمرير الاتفاقية، والترتيبات المُعدة لذلك. ووجه أوامر بتكتل ائتلاف «دعم مصر» في مواجهة أي كتل معارضة.


لماذا، ولماذا الآن؟

تسليم «السيسي» رئاسة المخابرات لمديره مكتبه أثارت تساؤلات، ليست حول شخص «عباس كامل» أكثر منها حول «لماذا مدير مكتبه»؟ والتقت التحليلات في نقطة «عدم الثقة»، خاصةً بعد التسريبات الأخيرة التي تحدثت حول دور سيادي في التلاعب في الرأي العام المصري عبر توجيه الإعلاميين. وهذا ما ألمح إليه المحلل السعودي «جمال خاشقجي» في تغريدةٍ له على مواقع التواصل الاجتماعي.

عدم الثقة ولم يبقَ سوى شهرين فقط على الانتخابات الرئاسية تجعل الأوضاع غير مُهيئة للمجازفة بأي بديل سوى رجل موثوق، كأمين السر «عباس كامل». كذلك يعني وجوده على رأس جهاز المخابرات تركيزًا لمزيد من السلطات في يد الرئيس وحزبه المتمثل في الجيش بأفرعه، لاسيما المخابرات الحربية، دون الحاجة إلى مؤسسات أخرى، أو أشحاص آخرين يعيقون سرعة تنفيذ القرارات. وربما يكون الأمر متعلقًا بطريقة إدارة الانتخابات القادمة، فقد ترى المخابرات العامة أنّه من الضروري وجود منافس في هذه الانتخابات، في حين لا تحتمل مؤسسة الرئاسة مثل هذه «الترهات».

المثير للتساؤل أيضًا؛ أي ثغر قادم سيقف عليه رجل الظل «عباس»، وهو الذي سد كل ثغور السلطة الحالية، أم أن دورة حياته أوشكت على الانتهاء، كحال رجال الظل الأوفياء في النظم الدكتاتورية؟

اقرأ أيضًا:في عهد السيسي: دورة حياة قيادات الجيش لا تكتمل