«مات الملك عاش الملك»، مبدأ ظل هو السائد في عرف السينما السياسية المصرية على مدى أكثر من 60 عامًا، منذ حركة 23 يوليو/ تموز 1952، لم تتخلف خلالها عن تبني أجندة السلطة الجديدة والتوسع في استعراض سلبيات نظيرتها القديمة.


الثورة على الملكية تنتقل للسينما

أثرت ثورة 23 يوليو/ تموز على كل مناحي الحياة في مصر، وخلق الحدث حراكًا وتغييرًا كبيرًا في المجتمع، وكانت السينما مرآة هذا التغيير، فأخذت تعظم من قيمة الضباط وتقسو على العهد الملكي.

البداية كانت مع فيلم «الله معنا»، بعد 3 أعوام من قيام ثورة يوليو، قصة «إحسان عبد القدوس» وإخراج «أحمد بدرخان». وتدور قصته حول ذهاب ضابط مصري للمشاركة في حرب فلسطين عام 1948 بعد أن ودع زوجته، وفي الحرب يتعرض للإصابة، قبل أن يعود مع عدد من الجرحى، ما يخلق حالة من التذمر بين رجال الجيش وتنتهي الأحداث بالإطاحة بالملك.

ناقش الفيلم قضية جدلية في التاريخ السياسي والعسكري المصري، وهي قضية الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين، والتي زعم تورط رجال القصر فيها، على الرغم من أن القضاء أثبت عام 1953 عدم وجودها من الأساس، وبرّأ جميع المتهمين في تلك القضية.

وفي عام 1957 صدر فيلم «رد قلبي»، للكاتب «يوسف السباعي»، والمخرج «عز الدين ذو الفقار»، وهو واحد من أهم أيقونات السينما المصرية عن الحقبة الملكية ودور الضباط الأحرار في إنهائها وكيف أزالت حركة يوليو الفوارق الطبقية، والذي لا يزال إلى يومنا هذا محط اهتمام المصريين على السوشيال ميديا، حيث يعيد نشطاء استخدام بعض مشاهده في صناعة «الكوميكس» والفيديوهات القصيرة، خصوصًا تلك المشاهد التي تجمع «علي» بـ «إنجي» وشقيقها «علاء».

سلط الفيلم الضوء على حال الأسرة المصرية في العهد الملكي، وكيف كان أبناء الأسـر الفقيرة محرومين من التـعليم والوظائف العليا، وتناول هو الآخر قضية «الأسلحة الفاسدة» في حرب فلسطين، وكيف كانت ترتد في صدور الجنود المصريين بدلًا من الصهاينة، وقد أبرزها صناع العمل كأحد أبشع جرائم النظام الملكي وسبب رئيسي في هزيمة الجيش المصري في الحرب.

في أحد مشاهد «رد قلبي»، يحكي «كمال ياسين» –الذي يقوم بدور الضابط «سليمان» وهو من الضباط الأحرار- لـ«شكري سرحان» –الذي يقوم بدور «علي»- عن رحيل زميلهما «رشدي أباظة» –الذي يقوم بدور «صلاح»- الملاكم الذي لقي حتفه في الحرب بعد أن ارتد السلاح الفاسد إلى صدره كما صوّر الفيلم. ورثاه «علي» قائلًا: «أي يد آثمة تآمرت عليه،أي يد آثمة أدمت قلب أمه حسرةً على بنيها، إن التاريخ والعروبة لن تنسى هذا».

وبعد هزيمة يونيو بثلاث سنوات وقبل وفاة «عبد الناصر» بعدة أشهر، تحديدًا في مارس 1970، صدر فيلم «غروب وشروق» للمخرج «كمال الشيخ»، الذي أراد على ما يبدو جذب الجمهور المهزوم إلى فترة إشراقة الثورة ونضال الضباط الأحرار ضد القصر.

يحكي الفيلم عن «رشدي أباظة» الذي يقوم بشخصية «عصام»، ويجنده التنظيم السري داخل منزل «محمود المليجي» الذي يقوم بدور «عزمي باشا» رئيس البوليس السياسي، للاطلاع على خبايا الجهاز.

وفي مشهد شهير بين «رشدي أباظة» وصديقه «صلاح ذو الفقار» الذي يقوم بدور «أمين»، يقول الأخير: «احنا فين؟ في بلدنا ولا بلد غيرنا!؟»، ليرد «عصام»: «صحيح.. بلد اللي ماسكين الكرابيج ولا بلد اللي بيتضربوا بيها؟»، في إشارة صريحة لبطش البوليس السياسي وقتها.

وبالطبع لا ننسى شخصية «محجوب عبد الدايم» التي جسدها «حمدي أحمد» في فيلم «القاهرة 30» عام 1966، عن رواية «نجيب محفوظ»، من إخراج «صلاح أبو سيف»، والتي أصبحت أيقونة في تراث السينما المصرية للشخصية الانتهازية، وأصبح مشهد «محجوب» وفوق رأسه «قرنان» من أشهر المشاهد الرمزية في تاريخ السينما.

الفيلم الذي دارت أحداثه في العهد الملكي، طرح أفكارًا عن الاشتراكية والفقر والأخلاق، والفساد السياسي، وسُبل الترقي الإداري الرخيص، وتناول أبرز مظاهر وسلبيات تلك الفترة على المستوى الاجتماعي والسياسي.

ولم تنس السينما السياسية في تلك الفترة تناول المبادئ التي نادت بها «حركة يوليو/ تموز»، التي أصبح العمال والفلاحون عماد قاعدتها الشعبية العريضة. فيروي مثلًا فيلم «الأيدي الناعمة»، والذي صدر عام 1963، من إخراج «محمود ذو الفقار» وقصة «توفيق الحكيم»، حكاية «أحمد مظهر» –الأمير شوكت- الذي يمثل الطبقة الأرستقراطية، والذي أنكر ابنته بعدما تزوجت من مهندس بسيط، و«صلاح ذو الفقار» –الدكتور محمود- الذي يمثل الطبقة الكادحة، والذي يحاول طوال أحداث الفيلم تغيير العقلية «الملكية» للأمير «شوكت».

وفي إسقاط سياسي واجتماعي مباشر عن مسألة إزالة الفوارق الطبقية وقيمة العمل، يأتي المشهد الشهير والحوار بين الأمير «شوكت» وابن بائع الحلويات الذي كان يشتري نياشين الأمير لتدبير نفقاته، فعندما علم الأمير أن الابن يعمل بوزارة الخارجية استغرب بشدة، وسأله كيف حدث ذلك؟ ليرد الابن «صينية البسبوسة هي اللي ربتني».

وحينما أخبره الحلواني الوالد بأن ابنه يرتبط بابنة مدير عام، داهمه الأمير بالسؤال: «كيف والناس مقامات؟»، ليرد عليه الابن في رسالة سياسية واضحة: «بلدنا دلوقتي غير زمان».

وفيما يخص الفلاحين، الجناح الشعبي الآخر لـ«حركة يوليو/ تموز»، فقد صدر عام 1970، فيلم «الأرض» للراحل «يوسف شاهين»، وهو أيقونة سينمائية تُخلد قيمة الدفاع عن الأرض، دارت أحداثه عام 1933، حينما بدأت شرارة الغضب بين أهالي القرية بعد أن أبلغهم العمدة أن حصة ريّ أراضيهم قد صارت مناصفة بينهم وبين «محمود» بك –الإقطاعي- الذي جسد دوره «أشرف السلحدار».

غير أن الفلاحين ثاروا على تلك التعليمات، وعلى رأسهم «محمود المليجي» –محمد أبو سويلم- الذي يتذكر له الجمهور المصري جملته الشهيرة «كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة»، وهو يحكي عن ثورة 1919 والحرب ضد الإنجليز، محمسًا رفاقه من الفلاحين للدفاع عن أرضهم.


سينما «زوار الفجر» تهاجم «عبد الناصر»

مثلما فعلت السينما بالملك بعد رحيله، فعلت بالعهد الناصري بعد وفاة «عبد الناصر»، وقد نُلخص الانتقادات التي نالت هذا العهد في «سينما السادات»، من خلال مشهد اغتصاب «سعاد حسني» –زينب- في فيلم «الكرنك» داخل مكتب «كمال الشناوي» –الضابط خالد صفوان- في عمل سينمائي صدر عام 1975، وكان واحدًا من أفلام كثيرة انتقدت سياسات «عبد الناصر» الأمنية، وسلطت الضوء على التعذيب في السجون والمعتقلات، وسياسات «التلفيق» وسيطرة رجال الأمن والمخابرات على الحياة العامة.

يقول الناقد الفني «طارق الشناوي» لـ«إضاءات»:

وقد حمل أحد الأفلام بالفعل اسم «زائر الفجر»، للمخرج «ممدوح شكري» والسيناريست «رفيق الصبان»، وكان واحدًا من أقسى الأفلام انتقادًا لعهد «عبد الناصر»، أنتجته الفنانة «ماجدة الخطيب» بطلة العمل عام 1971 في أعقاب النكسة، إلا أنه قوبل بالرفض من أجهزة الدولة، ولم يستمر في دور العرض سوى أسبوع واحد.

يحكي الفيلم عن «نادية»، صحفية تحقق في فساد رجال الدولة، قبل أن تُعتقل وتلقى حتفها في ظروف غامضة، ليغلق رجال النيابة التحقيق في الواقعة بأوامر عليا.

وحمل الفيلم جملًا حوارية اتسمت بالجرأة الشديدة وقتها، مثل مشهد النهاية الذي يقول فيه وكيل النيابة: «حاميها حراميها»، وهي الجملة التي حُذفت من الفيلم وقت عرضه.

واستمرارًا لانتقاد الحقبة الناصرية، وتعاملها مع معارضيها، صدر فيلم «وراء الشمس» عام 1978، للمخرج «محمد راضي»، وتشابهت أحداثه مع «الكرنك»، حيث مشاهد اعتقال الطلاب والمثقفين على خلفية انتماءاتهم السياسية، والتفنن في استخدام أساليب التعذيب ضدهم.


السينما تهاجم انفتاح «السادات»

تمثلت انتقادات أفلام السينما لعهد «السادات» بعد اغتياله في محورين رئيسيين، سياسات الانفتاح وانتفاضة الخبز. على رأس تلك الأفلام، يأتي فيلم «سواق الأتوبيس»، الذي أخرجه «عاطف الطيب» عام 1983 عن سيناريو «بشير الديك»، واختير ضمن أفضل 100 فيلم أنتجتها السينما المصرية.

في مشهد البداية، نرى «نور الشريف» –حسن سائق الأتوبيس- وهو يتنبه لحادثة سرقة في الأتوبيس، فيطارد اللص، ولكنه يتوقف بلا مبالاة مثلما تجاهل الركاب اللص، ومشهد نهاية الفيلم أيضًا يلخص نفس الواقعة، لكن رد فعل «حسن» يتغير ويصبح أكثر جرأة، إذ يقفز من مقعده ليطارد اللص حتى يقبض عليه، فينهال عليه ضربًا باللكمات وهو يقول «يا ولاد الكلب» في صيحة غضب مدوية عكست التشوه الاجتماعي الناجم عن سياسات الانفتاح في عهد «السادات»، والضغوط الاجتماعية التي تواجه البسطاء.

وفي فيلم «أهل القمة» للمخرج «علي بدرخان»، نجد انتقادًا صريحًا لسياسات الانفتاح الاقتصادي في عهد «السادات»، وتأثيره على المجتمع المصري، متناولًا ثلاث شخصيات رئيسية، هم «نور الشريف» –زعتر النوري (نشّال)- و«عمر الحريري» –زغلول بيه- الذي يمثل طبقة الفاسدين الذين تحميهم السلطة، فيما جسّد «عزت العلايلي» –محمد فوزى- دور الضابط الشريف.

وفي إطار نفس الموجة يأتي فيلم «زمن حاتم زهران» عام 1986، من بطولة «نور الشريف» أيضًا وإخراج «محمد النجار»، والذي شاهدنا فيه نموذجًا للرأسمالي المصري الجديد القادم من أمريكا.

ويضع فيلم «الحب فوق هضبة الهرم»، للمخرج «عاطف الطيب» عن رواية «نجيب محفوظ» والذي صدر في نفس العام، يده على التركيبة الجديدة للمجتمع المصري جرّاء سياسات الانفتاح وتأثيرها على الشاب المصري البسيط، الذي يعمل بغير شهادته ويعاني الفقر والكبت الجنسي.

وفي حين لا يستطيع «أحمد زكي» –علي- توفير نفقات زواجه، وهو الحاصل على شهادة عليا، يأتي نجاح الموجي «أحمد السباك» للزواج من شقيقته، ويوفر لها حياة كريمة وسكنًا في المعادي، في مفارقة لافتة تظهر كيف تغيرت تركيبة المجتمع الطبقية.

وعام 1987، قدّم المخرج «محمد خان» فيلمه الشهير «زوجة رجل مهم»، والذي انتقد الجهاز الأمني ممثلًا في «هشام» ضابط أمن الدولة، الذي اعتاد تلفيق الاتهامات للأبرياء بحجة الحفاظ على أمن الوطن، وجسّد شخصيته الفنان «أحمد زكي».

وأخذ الفيلم من انتفاضة الخبز عام 1977 حدثًا تتغير على إثره أحداث العمل، حيث يتولى الضابط «هشام» مسئولية القبض على المتظاهرين، وبدوره وجّه لهم اتهامات بالتخطيط لقلب نظام الحكم، إلى أن يتراجع «السادات» في قراراته لإرضاء الرأي العام، ويقرر التضحية ببعض رجال الدولة لامتصاص الغضب، ومنهم «هشام»، وهنا تأتي جملة مساعد وزير الداخلية «حسن حسني» الشهيرة: «الحكومة حبت تهدي الرأى العام فجت علينا».

وعلى أحد المقاهى وبعد التضحية به، يتقابل الضابط «هشام» مع صحفي سبق أن لفّق له تهمة العمل على قلب نظام الحكم خلال أحداث الانتفاضة، وعندما عاتبه الصحفي، لخّص «هشام» العقلية الأمنية في هذه الفترة برده: «أنا شغلتي إني أحمي البلد».

ويُرجِع الناقد «طارق الشناوي» تشويه السينما للحقب السياسية السابقة، إلى قمع تمارسه حكومات العالم على الشعوب وصناع الفن، فيخشى الجميع انتقاد الحاكم خلال فترة ولايته، منتقدًا هذه السياسات وتأثيرها على صناعة السينما.

هذا في حين رأت الناقدة السينمائية «ماجدة موريس» أن جزءًا من مهمة السينما هو لفت النظر للأخطاء والقضايا الشائكة في المجتمع، مؤكدة أن السينما لا تقتصر على الرومانسية والأفلام الترفيهية فقط، بل إن دورها مراجعة أخطاء العهود السابقة، مشيرة إلى أن السلطات قد تقبل أحيانًا وترفض أحيانًا أخرى، لأن رؤية صانع الفن تختلف تمامًا عن رؤية السياسي.


«مبارك» وأمن الدولة في مرمى الهجوم

طرأت تغيرات عديدة على المجتمع المصري كنتاج لثورة الخامس والعشرين من يناير، ولم تعرف الحرية سقفًا وقتها، وكانت فرصة جيدة لصناع السينما للهجوم الكاسح على «مبارك» وجهاز أمن الدولة سيئ السمعة.

يشير الناقد «طارق الشناوي» إلى أنه كان من المهم أن تُنتقد سياسات «مبارك» في سنوات حكمه، وأعطى مثالًا بقوله إن هناك قضية مهمة كان من المُفترض أن تثار في السينما خلال عهده، وهي قضية التوريث، مؤكدًا لـ«إضاءات» أن الفكرة كانت مطلوبة، إلا أنه لم يكن مسموحًا بطرح مثل هذه القضايا.

بعد 25 يناير/ كانون الثاني، حظيت السينما بأفلام عديدة سجّلت أحداث الثورة وسقوط «مبارك»، منها فيلم «أمن دولت» للمخرج «أكرم فريد» وبطولة «حمادة هلال» عام 2011، والذي حمل أول مشاهدة سخرية من الأمن، بترقية ضابط ساذج يُدعى «حسام الفرشوطي» يجسد شخصيته «حمادة هلال» إلى رتبة رائد بأمن الدولة، بعد أن أفسد مخططًا تفجيريًّا بالصدفة.

أظهر الفيلم التعامل الوحشي لرجال أمن الدولة مع المتهمين وتعذيبهم بالضرب والكلاب الشرسة والكهرباء، وفي النهاية يعترض «الفرشوطي» على سياسات أمن الدولة ويقدم استقالته من الجهاز، ثم يشارك في ثورة 25 يناير، التي كان أبرز أهدافها تطهير وزارة الداخلية.

وفي 2012، صدر فيلم «حظ سعيد» للمخرج «طارق عبد المعطي» ومن بطولة «أحمد عيد»، والذي انتقد مبارك شخصيًا وجهاز الداخلية على مدى أحداث الفيلم، بداية من فساد أمين الشرطة – الذي يجسد دوره «ضياء الميرغني»- الذي يفرض إتاوة على البائعين، وحين يرفض «سعيد» –الذي يجسد دوره أحمد عيد- يُلفق له قضية مخدرات.

وفي مشهد يظهر فيه الرئيس الأسبق «حسني مبارك» في الخلفية وهو يتحدث في التلفاز عن أن «كرامة مصر من كرامة أبنائها»، ينزل كفّ الأمين «جمعة» على«سعيد»، في سخرية لاذعة ومباشرة من سياسات «مبارك».

وتؤكد الناقدة الفنية «ماجدة موريس»، في حديثها لـ«إضاءات»، أن السينما الروائية لم تعبر بشكل حقيقي عن أحداث 25 يناير و30 يونيو، مشيرة إلى أنها اقتبست أحداثًا من وحي الواقع، إلا أنها لم تناقش تأثير الثورتين وانعكاساتها على المجتمع، وأشارت إلى أن الأفلام التسجيلية والوثائقية كانت أكثر تعبيرًا عن الأحداث.


تشويه ثورة يناير بعد 30 يونيو

لم تختلف السينما السياسية المصرية بعد أحداث 30 يونيو/ حزيران عن السمة التاريخية التي ارتبطت بها طوال 60 عامًا، فهاجمت بضراوة فترة الثورة وعهد «محمد مرسي»، ظهر ذلك جليًا في فيلمي «المشخصاتي 2» و«الجزيرة 2».

ففي الفيلم الأول، والذي لم يلق نجاحًا يُذكر، نجد الممثل «تامر عبد المنعم» المعروف بعداوته للثورة، يسخر بفجاجة من شخصية الرئيس المعزول ويهاجم الثورة.

أما فيلم «الجزيرة 2»للمخرج «شريف عرفة»، والذي صدر عام 2014، فأظهر متظاهري 25 يناير على أنهم بلطجية، يظهر ذلك في مشهد يهتف فيه «منصور الحفني» –الذي يجسد شخصيته أحمد السقا- ورجاله «ثوار أحرار هنكمل المشوار»، وهو الهارب من حكم الإعدام، ضغطًا على الضابط «رشدي» الذي لم يجد حلًا للهروب من ضغط «منصور» سوى تسليم نفسه إلى الشرطة، فما كان من مدير الأمن سوى أن قال: «انزل اتفاهم معاهم وبعدين سلم نفسك»، ليفرح «منصور» ورجاله ويخرجون من المديرية حاملين الأسلحة مطلقين الأعيرة النارية فرحًا مرددين: «سلمية.. سلمية»، في إشارة صريحة إلى أشهر هتافات ثورة يناير.


«سري للغاية» يسير على الدرب

إن السينما بعد «عبد الناصر» أُطلق عليها «سينما زوار الفجر» لكثرة الأعمال التي انتقدت سلوك الأمن وقتها، مؤكدًا أن عدم انتقاد الرئيس في عهده هو ضعف سياسي وفكري من النظام.

مؤخرًا، أثارت عدة صور مسربة من فيلم «سري للغاية» جدلًا كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يناقش الفيلم الأوضاع السياسية في مصر خلال الفترة من 25 يناير/ كانون الثاني 2011 إلى 30 يونيو/ حزيران 2013، للكاتب «وحيد حامد» والمخرج «محمد سامي»، وبطولة عدد كبير من الفنانين، على رأسهم «أحمد السقا» في دور «عبد الفتاح السيسي» وزير الدفاع في عهد «مرسي، و«أحمد رزق» في دور «محمد مرسي، وغيرهما.

قوبل الفيلم بهجوم كاسح حتى قبل عرضه، ونالته اتهامات التشويه المتعمد لفترة الثورة وحكم الرئيس المعزول «محمد مرسي» وجماعة الإخوان المسلمين، كما حكم البعض على الفيلم بأنه سيُمجد أشخاصًا بعينها ويُقلل من شأن آخرين.

استنكر «السقا» الهجوم والاتهامات التي واجهها الفيلم قبل عرضه، مؤكدًا أن: «الفيلم مهذب، أنصف الجميع وأعطى الجميع حقه بما فيهم الدكتور «محمد مرسي»، وتعرض للشخصيات السلبية بمنتهى الأدب»، نافيًا أن يكون العمل يحمل «تطبيلًا» للنظام الحالي، وأشار إلى أن الجمهور تسرع في الحكم على الفيلم.

وعلى كلٍ، هجوم الجمهور على الفيلم لم يأتِ من فراغ، نظرًا لقدوم التجارب السينمائية السياسية على مدى أكثر من نصف قرن كما شاهدنا، على تشويه الحُقب السياسية السابقة، وإذا ما أخذنا في الحسبان أوضاع الحريات المتدهورة التي تعيشها مصر حاليًا، ربما نتفهم دوافع هجوم الجمهور وحكمه المسبق على «سري للغاية».

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.