تحوّل اهتمام النظام القائم بالمشروعات القومية من مجرد مشروعات ضمن خطة تنموية شاملة إلى سعي حثيث لتحقيق مجد ما أو إنجاز ما مهما كلّفه الأمر. مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة منتصف العام الحالي، يراهن النظام على تلك المشروعات للحفاظ على شرعيته التي بدأت تتآكل في ضوء سياقات اقتصادية متدهورة واجتماعية مفككة وأمنية مضطربة.

الأرض مقابل العملة، ليس من المهم إن تم هذا في إطار اتفاقٍ لترسيم أو استثمار أو «صفقة قرن»، ولا ضير في ذلك إن اختلفت جنسية المشتري، فلتكن ما تكون. في ضوء مبادئ «الفلهوة» والربح السريع تشكلت المبادئ الحاكمة للاقتصاد التوسعي خلال السنوات الماضية. وفي إطار التدهور الاقتصادي ذهب النظام بإصرار إلى تنفيذ عدد أكبر من المشروعات القومية المتزامنة غير الإنتاجية، لا تملك سوى الأرض المحدودة مهما بلغت مساحتها وريعها. فما هي مصادر وموارد تمويل مشروع العاصمة الإدارية الجديدة؟ وهل تضمن الدولة تدفق السيولة النقدية لتمويل المشروع حتى تتمته؟


الأرض مقابل العملة

بناء العاصمة الإدارية على مساحة تتجاوز الـ 170 ألف فدان يتطلب استثمارات تتجاوز الأرقام المعلن عنها رسميًا في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار المدخلات الأولية لعمليات البناء لاسيما بعد تعويم الجنيه المصري. لذا كان التمويل من البداية جوهر الخلاف بين وزارة الإسكان والشريك الإماراتي «محمد العبار» الذي سبق أن وقع مذكرة تفاهم لتنفيذ العاصمة الإدارية على هامش مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، نتج عن هذا الخلاف إلغاء الاتفاق ومن ثم البحث عن بدائل تمويلية للمشروع.

الشريك الإماراتي رغب في تمويل المشروع عن طريق البنوك المصرية وهو ما قوبل بالرفض من قبل الحكومة المصرية التي اشترطت بدورها أن يكون التمويل خارجي لتنفيذ المشروع. انسحاب الشريك الإماراتي دفع الحكومة إلى المضي في تبني استراتيجية تمويلية توسعية وطويلة الأجل. تركزت تلك الاستراتيجية على أركان أساسية عدة؛ هي التمكين القانوني والمؤسسي، وتوفير حوافز الاستثمار وسياسة دعائية تسويقية. أما الركن الأساسي التي دارت حوله بقية الأركان فهو تنظيم وتسويق بيع الأراضي بالعاصمة الذي يمثل ريعه المورد الأساسي لتمويل المشروع.

وخلال عامين من عمر المشروع تكشفت مصادر تمويله، تتمثل في ريع استثمارات القوات المسلحة وهيئة المجتمعات العمرانية وشركة العاصمة الإدارية الجديدة، بالإضافة إلى أموال الاستثمارات العقارية والتجارية المحلية والأجنبية.


القوات المسلحة: حينما يُدير من يملك

مثل الجيش الوريث الشرعي للشريك الإماراتي في أعقاب انسحابه في التخطيط وإدارة تنفيذ وتمويل مشروع العاصمة، ولقيامه بدوره كان لابد من تمكينه قانونيًا، ليس كمنفذ للمشروع ولكن كمالك للأرض المُقام عليها المشروع. ولأن المنطقة المحددة للعاصمة الجديدة هي منطقة ثكنات عسكرية وجب إخلاؤها لتنفيذ المشروع، أصدر السيسي في ديسمبر/كانون الأول 2015 قرارًا جمهوريًا تحت عنوان «تنظيم قواعد التصرف في الأراضي والعقارات التي تخليها القوات المسلحة»، ونص على أن

يتولى جهاز القوات المسلحة تجهيز مدن ومناطق عسكرية بديلة للمناطق التي يتم إخلاؤها، والقيام بجميع الخدمات والأنشطة التي من شأنها تنمية موارد جهاز القوات المسلحة، وله في سبيل ذلك تأسيس الشركات بكل صورها، سواء بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي.

لم ينته الأمر عند هذا القرار، ولكن أصدر السيسي في فبراير/شباط القرار رقم 57 لسنة 2016 باعتبار أراضي العاصمة الإدارية الجديدة وتجمع الشيخ محمد بن زايد العمراني من مناطق المجتمعات العمرانية. كما نص القرار على تأسيس شركة مساهمة مصرية تجمع في عضويتها كلًا من هيئة المجتمعات العمرانية وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، وهي تتولى عملية تخطيط وإنشاء وتنمية العاصمة الإدارية الجديدة وتجمع الشيخ محمد بن زايد.

وأهم ما جاء في القرار هو جعل قيمة الأراضي المشار إليها بالقرار من حصة جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة في رأسمالها، الأمر الذي يعني أن عوائد البيع أو الاستثمارات بالعاصمة الإدارية ستعود إلى خزانة القوات المسلحة وليس إلى الخزانة العامة للدولة. يتسق ما جاء به القرار الرئاسي مع ما سبقه من قرارات رئاسية سابقة، مثل القرارات الجمهورية رقم 531 لسنة 1981 ورقم 223 لسنة 1982، وأخيرًا القرار رقم 233 لسنة 1990، الممهدة لتحويل النشاط الاقتصادي للجيش إلى اقتصاد مدني ريعي بالأراضي الصحراوية.

تتنوع الوظائف والأدوار التي تقوم بها أجهزة القوات المسلحة وعلى رأسها الهيئة الهندسية وهيئة الشئون المالية من حيث التملك والتخطيط والإشراف على التنفيذ. ولغياب الأدوات الرقابية والمحاسبة على ميزانية القوات المسلحة وأنشطتها الاقتصادية والتجارية يصعب تحديد حجم القيمة الاستثمارية للقوات المسلحة بالمشروع، لكنها تعمل على تعظيم عوائدها من المشروع عبر إعادة تدوير أرباحها الاستثمارية بوسائل متعددة.

امتلاك الأرض وفقًا للقرار رقم 57 لحق به استحواذ القوات المسلحة على 51% من شركة العاصمة التي أنشئت بغرض تنظيم وإدارة عملية بيع الأراضي. في الوقت نفسه تعتمد القوات المسلحة في تنفيذ المشروع على عشرات الشركات المتخصصة من ذوي العلاقات الشبكية مع أجهزتها، بالإضافة إلى العديد من الشركات العقارية المحلية والأجنبية العاملة في مصر، مما يضمن توفير أكبر قدر ممكن من التمويل المبدئي لتنفيذ المشروع في ظل عمليات الدفع اللاحق أو عبر المستخلصات الجارية.


معضلة الباب السادس من الموازنة

بالإضافة إلى التمويل الضخم الذي تضخه القوات المسلحة بالعاصمة، تتقاسم وزارة الإسكان عبر هيئة المجتمعات العمرانية حصة التمويل ومن ثم العوائد. فمع اللحظات الأولى في تنفيذ المشروع عملت الحكومة على توفير 5 مليارات جنيه من موازنة الهيئة في العام الأول لترفيق حوالي ثلاثة آلاف فدان في الأسبقية الأولى من المشروع، وهو ما صدر بشأنه أمر إسناد من مجلس الوزراء لعدد من شركات المقاولات المصرية.

وفي أعقاب الجدل الدائر حول ماهية مصادر تمويل المشروع في عام المشروع الأول، سارعت الحكومة إلى تفنيد الادعاءات بأن تمويل المشروع سيكون من الباب السادس للموازنة والمخصص لمشروعات المياه والصرف والخدمات الصحية والتعليمية، ويخضع لموازنة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

بالرغم من أن الهيئة تتبع وزارة الإسكان وفقًا للقانون رقم (59) لسنة 1979 المُنشأ لها كهيئة اقتصادية عامة، إلا أن عوائد الهيئة لا تدخل إلى الخزانة العامة ولا تخضع للرقابة، وإنما توضع في صناديق وحسابات خاصة يديرها وزير الإسكان مباشرةً. وتتشكل موازنة الهيئة من ثلاثة موارد أساسية هي ما تخصصه الدولة لها عبر الباب السادس من الموازنة العامة، والموارد الذاتية عبر عوائد الاستثمارات ومبيعات الأصول وعلى رأسها الأراضي الممنوحة لها، وأخيرًا التبرعات والمنح.

تأتي الهيئة كأكبر الهيئات الاقتصادية العامة التي تتقاسم الأراضي المملوكة للدولة مع القوات المسلحة. ويبلغ عدد المدن الجديدة الواقعة في نطاق اختصاصات الهيئة ثلاثًا وثلاثين مدينة جديدة من بينها العاصمة الإدارية. وبالرغم من عدم توفر خريطة مشاريع استثمارية للهيئة بالعاصمة، إلا أنها تستحوذ على 49% من شركة العاصمة.

تأكيد الحكومة على محدودية تمويل المشروع من الموازنة العامة لم يعد له غطاء أكبر من ذلك، خاصةً في حين أن توظيف المال العام في تمويل المشروع لم يقتصر طريقه على هيئة المجتمعات العمرانية. فقد عمدت الحكومة عبر شركة العاصمة إلى الإسناد المباشر لشركة المقاولون العرب العامة بتنفيذ عددٍ من المشروعات بقيمة استثمارية بلغت 10 مليارات جنيه.


أيادي العاصمة: في جيوب الاستثمار المحلي

أعقب القرار رقم 57 لسنة 2016 تأسيس شركة العاصمة الإدارية كشركة مساهمة مصرية لتخطيط وإنشاء العاصمة، برأس مال مدفوع وقت تأسيسها بلغ ستة مليارات جنيه. ضمت الشركة في مجلس إدارتها ممثلي جهتين هما هيئة المجتمعات العمرانية بواقع ثلاثة أعضاء؛ وجهاز القوات المسلحة بواقع أربعة أعضاء، بالإضافة إلى ستة من ذوي الخبرات. تستحوذ القوات المسلحة على 51% من الشركة بينما تمتلك هيئة المجتمعات العمرانية 49%.

تأسيس الشركة جوهره إذن تنظيم وإدارة عملية بيع واستثمار الأصول في العاصمة وعبر كيان مستقل يتشارك فيه كلٌ من هيئة المجتمعات العمرانية والقوات المسلحة بعيدًا عن صخب الرأي العام. وتتم عملية البيع عبر التخصيص المباشر «الأظرف المغلقة» أو المزايدات، تنتهي بإصدار القرار الوزاري بالإسناد للمطورين.

عوائد الاستثمار وبيع الأراضي تمثل المورد الأبرز في زيادة مخصصات الشركة المالية، لذا تقوم الشركة بمهمة تسعير الأراضي المطروحة للاستثمار والتي تتراوح ما بين 3500 – 4500 جنيه للمتر. ومع مرور أقل من عامين على تأسيس الشركة أعلن رئيس مجلس إدارتها «أحمد زكي عابدين» عن أن رأس مال الشركة المدفوع يبلغ 20 مليار جنيه، بينما رأس المال المرخص به يصل إلى 204 مليارات. نجحت الشركة خلال الطرح الأول في تسويق ما يقارب 1694 فدانًا لإقامة مشروعات سكنية وعدد من الجامعات والمدارس الخاصة. بينما توزعت خريطة الطرح الثاني على مساحة تقدر بين 2000 – 2500 فدان لإقامة مشروعات سكنية وتعليمية وتجارية.

وفقًا لكراسة الشروط يتم دفع مقدم يتراوح ما بين 15% إلى 20% حسب مساحة الأرض، فيما تتراوح فترة سداد قيمة الأرض المتبقية ما بين أربع إلى سبع سنوات حسب المساحة مضافًا إليها عائد استثمار يعادل الفائدة المعلن عنها، بالإضافة إلى نسبة 3% في حال التأخير عن سداد الأقساط مع إتاحة فسخ التعاقد لمن يتخلف عن سداد قسطين متتاليين.


التفتيش في خزنة الخواجه

التمويل المحلي وإن نجح في تحقيق إحدى مراحل المشروع إلا أنه محدود وغير كافٍ لاستكمال المراحل اللاحقة، كما أن التوسع في تنويعه يعرض الاقتصاد لحالة من الركود والكساد. ومن ثم فلا مناص من توفير مصادر بديلة، وهو ما تعمل الحكومة على نسجه عبر توظيف أدواتها القانونية والتفاوضية والدعائية لجذب الاستثمار الأجنبي المنسحب من المشروع مع بدايات مراحل تنفيذه.

انسحاب الشريك الإماراتي بعد أشهر معدودة من الإعلان عنه لأسباب خلافية معلنة حول آليات التمويل، لحق به أيضًا انسحاب المستثمر الصيني، الذي وجد فيه النظام أملًا لتنفيذ الحي الحكومي ولنفس أسباب رحيل الأول. أعقب ذلك حالة من الإصرار لدى النظام في لهجة وطنية بضرورة استمرار المشروع بتمويل وتخطيط وتنفيذ محلي، لكنها كانت بالأساس لأجل إعادة تحسين الشروط التفاوضية مع المستثمر الأجنبي.

الحكومة عملت عبر خيارات متعددة على عودة الاستثمار الأجنبي؛ أول تلك الخيارات كان تنقيح وإصدار قانون الاستثمار، وهو ما جاء متوازيًا مع محاولة تحقيق أي إنجاز تسويقي ودعائي في فترة زمنية قصيرة عبر افتتاح مشروع «الماسة كابيتال» في أكتوبر/تشرين الثاني الماضي بقيمة استثمارية بلغت 6 مليارات جنيه، بالإضافة إلى المضي قدمًا في ترفيق الطرق والكباري والأنفاق، وأخيرًا التفاوض مع عدد من الشركات والجامعات العالمية لضخ استثماراتها بالعاصمة.

تنويع الشركاء الأجانب وليس الاعتماد على شريك بعينه بالإضافة إلى تأمين وضمان تدفق موارد نقدية أجنبية يُعتبر الهدف الأبرز للسياسة الدعائية للحكومة المصرية في تسويق المشروع خارجيًا. ثمار تلك السياسة المتواضعة أتت تزامنًا مع افتتاح الماسة بتوقيع عقد مع الشركة الصينية «CECEC» لتنفيذ 20 برجًا بمنطقة المال والأعمال، كما وافقت شركة العاصمة على الطلب المقدم من الشركة الصينية «CLSD» للحصول على 14 ألف فدان لتنفيذ مدينة متكاملة بقيمة استثمارية تبلغ 2.5 مليار دولار وهو قرض حكومي من الصين يسدد على 25 عامًا.

الاستثمار الإماراتي أيضًا لم يكن ببعيد، فقد أعيد «العبار» إلى الواجهة مرة أخرى، عبر تقدم شركته «إعمار مصر» الإماراتية بطلب إلى شركة العاصمة للحصول على 1500 فدان لتنفيذ مشروع متكامل.


هل تضمن الدولة استمرار تدفق المليارات للمشروع؟

رغم الأزمات الطاحنة وارتفاع معدلات التضخم والبطالة والفقر، وتزايد عجز الموازنة وارتفاع حجم المديونيات، يصر النظام على تنفيذ مشروعات لا إنتاجية لا تملك سوى الأرض. وبالرغم من السياسة التمويلية التوسعية التي ينتهجها النظام في تمويل المشروعات القومية، فإنها غير قادرة على إنجاز المشروع بجميع مراحله، لذلك قد يعمد النظام على استخدام بدائل مستقبلية تتيح له القدرة على تنفيذه.

تعد السوق المالية «البنوك والبورصة» إحدى أبرز البدائل المطروحة لضمان وتأمين تدفق السيولة النقدية لتمويل المشروع. وتلعب تلك المؤسسات دورًا غير مباشر في دعم تلك المشروعات عبر تطوير وتمويل الشركات العقارية العاملة في السوق المصري. التوسع في هذا الدور عبر الانخراط في استثمار مباشر أو غير مباشر قد يترتب عليه أزمات اقتصادية على غرار الأزمة المالية العالمية بالولايات المتحدة 2008، خاصة في ظل خضوع الاستثمار العقاري لشروط العرض والطلب.

الإخفاق في تحقيق الأرباح الخيالية المنتظرة لمشروع قناة السويس يمثل العائق الأكبر أمام تبني الدولة لمنهج الطرح العام وشهادات الاستثمار كوعاء تمويلي للمشروعات القومية. أدت سياسات الدولة الاقتصادية وعلى رأسها تحرير سعر صرف العملة إلى تناقص القدرات الإدخارية للأفراد وهو ما يدفع إلى تضاؤل العوائد من تلك البدائل.

قد تنتهي الحكومة في النهاية فيما بعد تأسيس المرحلة الأولى إلى ترك تنمية العاصمة لتطويرها ذاتيًا على غرار استراتيجيات المدن الجديدة، حيث يصعب إقامة عاصمة متكاملة بمصادر تمويل قصيرة الأجل.