عندما فضّت «باريس» أزمة احتجاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في المملكة العربية السعودية، في 18 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لم يكن يتخيل أحد أن «حريري آخر» سيظهر بعد أسبوعين فقط، لكن هذه المرة من مصر، يعلن للعالم أنه «شبه محتجز» في دولة الإمارات العربية المتحدة.

ربما كان «حريري مصر» أكثر جرأة من «حريري لبنان» في فضح «سجّانه»، أو لعله استبق أمرًا ما كان يُعد له فأراد تجنب السيناريو اللبناني بتأمين نفسه. في كل الأحوال، نحن أمام أزمة جديدة، والأهم أنه تهديد حقيقي لم يشعر به رأس النظام المصري منذ حركة 3 يوليو 2013.


كتف شفيق للإمارات

على درب «حريري لبنان» الذي أعلن استقالته من خارج بلاده، 4 نوفمبر/تشرين الأول الماضي، سار الفريق أحمد شفيق، وصيف انتخابات 2012 الرئاسية، وأعلن، من الإمارات – التي يقيم فيها منذ خسارته الانتخابات – رغبته في الترشح لانتخابات 2018 الرئاسية.

القصة بدأت ظهر أول أمس الأربعاء، عندما كشف «شفيق» لوكالة رويترز، عن رغبته في خوض الانتخابات، مؤكدًا عودته لمصر خلال الأيام المقبلة.

بعد عدة ساعات، ظهر شفيق في تسجيل مصور، بثته فضائية «الجزيرة»، وأطلق قنبلته «كنت أنوي القيام بجولة بين أبناء الجاليات المصرية بالخارج، قبل العودة لوطني، إلا أنني فوجئت بمنعي من مغادرة الإمارات لأسباب لا أفهمها ولا أتفهمها»، وصعّد شفيق من وتيرة نقده لهذا الوضع، قائلًا: «أرفض التدخل في شئون بلدي بإعاقة مشاركتي في ممارسة دستورية ومهمة قانونية ومقدسة، وأتعهد لأبناء وطني بألا أتراجع عن واجبي متقبلًا في سبيل ذلك أي متاعب».

كتف «شفيق» لم يقتصر على إعلان احتجازه «الضمني»، حيث دعا أيضًا قادة الإمارات بالسماح له بالسفر ورفع أية عوائق أمام حرية حركته.


الكريم الذي أضحى لئيمًا!

بعد بيان «حريري مصري»، وجدت الإمارات نفسها متهمة باحتجاز مرشح رئاسة سابق ولاحق، فسارعت لنفي منعه من السفر، في بيان مرتبك ومُهين، على لسان أنور قرقاش، وزير الدولة للشئون الخارجية، لم يخف هول الصدمة التي تعرضت لها.

«قرقاش» اتهم شفيق بنكران «جِميل» الإمارات، قائلًا:

وتابع: «آثرت دولة الإمارات في تعاملها التمسك دومًا بقيم الضيافة والرعاية حبًا لمصر والمصريين الذين لهم في قلوبنا وتوجهنا كل التقدير والاحترام، وتؤكد دولة الإمارات بأنه لا يوجد عائق لمغادرة الفريق أحمد شفيق الدولة».

وفي إهانة واضحة، تقمص «قرقاش» شخصية المتنبي وقال عن شفيق: «إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا».

رغم نفي «قرقاش» لتصريحات شفيق، إلا أن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، في إطار تغطيتها لأزمة «حريري مصر»، أكدت اتهام شفيق للإمارات باحتجازه ومنعه من السفر، وقالت إنه تحت الإقامة الجبرية منذ أسبوع. كما نقلت عن دينا عدلي، محامية مرشح الرئاسة المحتمل، قولها إن مسؤولين إماراتيين طلبوا من موكلها إلغاء رحلة له في الخارج، معتبرين ترشحه للرئاسة «فكرة سيئة».


«لكمات» شفيق للسيسي

بعد «كتف» الإمارات، أعطى شفيق، السيسي، أربعاءً مختلفًا، ووجّه له، في تسجيل جديد بثته هذه المرة قناته على موقع «يوتيوب»، عدة «لكمات»، عندما أقدم على تعرية نظامه بالكامل أمام الشعب المصري.

شفيق أكد، في التسجيل المصور، أن مصر حاليًا تعاني من أزمات شملت جميع مناحي الحياة، أدت إلى انهيار وتردي مستوى جميع الخدمات المقدمة للمواطنين، بخلاف التنامي المخيف في حجم الديون، والذي ستعاني من أثره الأجيال القادمة.

وفي إشارة واضحة لرغبته في الإطاحة بالسيسي، قال إن مصر تحتاج إلى تجديد دماء، ومستخدمًا «خلفيته العسكرية» أعلن رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة.

وطرح شفيق على المصريين «برنامجًا مبدئيًا»، لم تُخل كلماته من فضح مواطن الخلل في النظام الحالي، وهذه أبرز ملامحه:

  • لا نجاح لمصر إلا بنظام حكم مدني ديمقراطي مستقر قابل للنقد والمراجعة.
  • الديمقراطية الحقة ليست منحة من أحد، كما أنها لا تُطبق تدريجيًا، فإما ديمقراطية أو لا ديمقراطية.
  • مصر ليست دولة فقيرة، بل لديها كل المقومات التي لو أُحسن استغلالها، لكانت اليوم في شأن آخر بين الدول.
  • عدل مطلق، مواطن آمن، تطوير شامل لكل إمكاناتنا المتهالكة.

وفي نهاية بيانه، وعد شفيق الشعب بمصر «قوية منتجة مسالمة صديقة للجميع، لا تكون عبئًا على المجتمع العالمي».

ما هي إلا لحظات، وانطلق قطار الهجوم على شفيق، نفس الأشخاص الذين نكّلوا بالفريق الآخر «سامي عنان» عندما أعلن خوضه الانتخابات السابقة أمام السيسي، قبل أن ينسحب من السباق.

تركت «حاشية» السيسي بيان شفيق ورغبته في الترشح، وأسبابها، وتعريته لمثالب النظام، وسلطوا الضوء على إذاعة «الجزيرة»، التي يعاديها النظام المصري، للتسجيل، الأمر الذي دعا حزب «الحركة الوطنية المصرية»، الذي يترأسه شفيق، لنفي علاقة شفيق بالجزيرة، وأصدر بيانًا جاء فيه: «الفريق شفيق لم يتعامل إطلاقًا مع قناة الجزيرة، ولم يرسل إليها أية فيديوهات، وما نُشر عليها فيديو مسرب يُقصد منه الإثارة والتحريض ضده عقب إعلانه الترشح لرئاسته الجمهورية».

وأضاف بيان الحزب: «الفريق عندما قرر إعلان ترشحه لرئاسة الجمهورية، نشر قرار ترشحه بالصوت والصورة في حسابه الخاص على تويتر وبعدها تناولته كافة وسائل الإعلام».


صدام «الفريق» و«المشير»: أبرز المحطات

لم يبدأ طريق الصدام بين «الفريق» و«المشير» من ليلة إعلان ترشحه لانتخابات 2018، محطات عديدة سبقت قنبلة شفيق في تلك الليلة، أبرزها:

تسريب 2014

يمكننا القول إن هذا الصدام بدأ من قبل إجراء الانتخابات السابقة، والتي أقيمت في مايو 2014، فبرغم إعلانه الدعم للسيسي في هذه الانتخابات، إلا أن تسجيلًا صوتيًا، تم تسريبه في منتصف مارس 2014، كشف استياء شفيق من دعم المجلس العسكري لترشح السيسي للرئاسة، ووصف ذلك بـ «المصيبة»، كما وصف السيسي بأنه «جاهل» و«خبرته قليلة».

لم يكتف شفيق بذلك فقط، بل قال أيضًا: «سيوضبون له كل الصناديق»، في إشارة صريحة إلى تشكيكه في نزاهة العملية الانتخابية، واصفًا إياها بـ «الهزلية».

من كل ذلك، توصل شفيق، بحسب التسجيل المسرب، إلى أنه لن يترشح أمام السيسي في تلك الانتخابات؛ لأن الدولة كلها «سوف تعمل لحسابه».

بعد ساعات من تداول التسجيل المسرب، شهدت استنكارًا واسعًا من الإعلام المؤيد للسيسي، أصدر شفيق بيانًا أقر، على عكس المتوقع، بصحة التسريب، وكرر فيه انتقاده لدعم المجلس الأعلى للقوات المسلحة لترشح السيسي، لكنه أكد أن حديثه أُخرج من سياقه وتم تشويهه، وأنه لا يعلم من قام بتسجيل ذلك الحديث من الأساس.

سد النهضة و«ريجيني»

في 12 إبريل 2016، أصدر شفيق بيانًا وصف فيه معالجة النظام لملف سد النهضة بـ «الكارثة»، كما تطرق إلى ما أسماه «الانهيار الفجائي» في علاقة مصر بالشعب الإيطالي، متسائلًا عن السبب: «هل نقص الخبرة وضعف الإرادة، أم الاختيار غير المناسب لمن يناط بهم معالجة الأزمات؟ هل هو التلكؤ والبطء في اتخاذ القرار المناسب في التوقيت المناسب، أم الانفراد المرفوض باتخاذ القرارات المصيرية؟»

وفي مقارنة ذات مغزى، أشار شفيق إلى قضية «طابا» مؤكدًا أن النصر الذي أحرزته مصر في هذه القضية يعود بالأساس إلى «حسن تقدير» المسؤولين للمعركة، و«حكمتهم» و«إنكارهم للذات».

مداخلة «تيران وصنافير»

في 13 يونيو الماضي، وفي ظل أزمة اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، وانتقال تبعية جزيرتي «تيران وصنافير» للسعودية، فاجأ شفيق المصريين بمداخلة هاتفية مع وائل الإبراشي في برنامج «العاشرة مساء»، سجل فيها انتقاداته اللاذعة لموقف السلطة المصرية في هذه القضية، وأحرج السيسي عندما طالب بإجراء استفتاء شعبي على تلك الاتفاقية، مؤكدًا سيادة مصر على الجزيرتين.

وفي استدعاء تاريخي له مغزاه، كشف شفيق عن مشاركته ضمن سرب الطيارين الذين أغلقوا مضيق تيران في مايو/آيار 1967 بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر، للتصدي للتحركات العسكرية الإسرائيلية.

كما انتقد شفيق، علي عبد العال، رئيس مجلس النواب، بعدما رفض إعطاء الكلمة لبعض النواب الرافضين للاتفاقية، قائلًا: «إيه الحكاية؟ هل النظام بالمزاج؟ كلنا مصريين ولنا نفس الحقوق والاحترام».

معركة تعديل الدستور

وفي 22 أغسطس الماضي، أبدى شفيق اعتراضه على مساعي بعض مؤيدي السيسي لتعديل الدستور من أجل تمديد فترة حكم الرئيس وعدم إقامة الانتخابات الرئاسية في 2018، ووصف شفيق تلك المساعي بـ «التصرفات الصبيانية غير المسؤولة وغير الواعية للآثار السلبية المترتبة على تعديل الدستور».

خيانة «الواحات»

تأسف دولة الإمارات أن يرد الفريق أحمد شفيق الجميل بالنكران، فقد لجأ إلى الإمارات هاربًا من مصر إثر إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2012، وقدمنا له كل التسهيلات وواجبات الضيافة الكريمة، رغم تحفظنا الشديد على بعض مواقفه.

في 21 أكتوبر الماضي، علق شفيق على حادث الواحات، الذي راح ضحيته عدد من رجال الشرطة المصريين. ووجه نقدًا لاذعًا للقيادة السياسية ملمحًا لخيانة من الداخل، قائلًا:

ما هذا الذي يحدث لأبنائنا؟ هم على أعلى مستويات الكفاءة والتدريب، هل ظلمتهم الخيانة، أو ضعف التخطيط لهم، أو كل الأسباب مجتمعة؟

وطالب شفيق النظام بعدم الرد على الحادث قبل استيعاب درس الواحات، قائلًا: «أرجوكم.. أدركوا أن ما حدث لم يكن مجرد اغتيال كمين منعزل، ولا هو مهاجمة بنك في مدينة حدودية»، مضيفًا: «أبدًا، ما دار كان عملية عسكرية كاملة الأركان، أُديرت ظُلمًا ضد أكثر أبنائنا كفاءة ومقدرة وإخلاصًا».

في النهاية، وبرغم أن المحامي والحقوقي خالد علي، سبق الفريق أحمد شفيق في إعلانه الترشح للانتخابات المقرر إجراؤها في العام المقبل، إلا أن الرجل الذي حصد نصف أصوات المصريين، الذين أدلوا بأصواتهم في انتخابات 2012، أمام مرشح جماعة الإخوان المسلمين، الرجل الذي لا يزال يحظى بشعبية لا بأس بها بين قطاعات مختلفة من الشعب المصري، ربما يكون أول تهديد حقيقي لعرش السيسي.

وها هو على وشك العودة إلى مصر، كما وعد في تسجيله المصور، خاصة بعدما نال البراءة في قضايا الفساد التي حاصرته طيلة السنوات السابقة، ورفعت محكمة جنايات شمال القاهرة، نوفمبر/تشرين الثاني 2016، اسمه من قوائم الترقب والوصول.