بعد فوز الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» في الانتخابات الرئاسية -التي جرت في 24 يونيو/حزيران الماضي- بدا وكأن هناك استقرارًا اقتصاديًّا يلوح في الأفق، وذلك في انتظار وضع سياسة اقتصادية ونقدية جديدة على المدى الطويل. ولكن سرعان ما تبددت تلك الآمال مع تواصل انهيار الليرة التركية أمام الدولار، في إشارة لعدم قدرة تركيا على تعزيز قيمة عملتها، وبدلًا من السماح للبنك المركزي التركي بالتدخل والقيام بكل ما في وسعه لمساعدة الليرة، يقول أردوغان باستمرار إنه يعارض رفع سعر الفائدة، ويُشير إلى أن أسعار الصرف ليست هي المشكلة.

وبينما كانت الأسواق تنتظر ما تخطط له تركيا لوقف تراجعات الليرة في أسواق المال العالمية، دفعت الأزمة السياسية القائمة مع الولايات المتحدة المستثمرين إلى الابتعاد عن الليرة، مما جعل العملة التركية تدخل في سلسلة انهيارات متتالية -وصلت نسبتها لنحو 40% خلال الفترة من سبتمبر/أيلول 2017 حتى أغسطس/آب الجاري- وذلك بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء فرض رسوم جمركية على البضائع التركية إذا لم يسقطوا التهم الموجهة إلى القس أندرو برونسون، المتهم بالتجسس على أسرار الدولة بقصد مساعدة الجيش في محاولة الانقلاب ضد الحكومة التركية.


1. ما الذي يحدث للعملة في تركيا؟

في الـ 24 ساعة الماضية،فقدت الليرة التركية حوالي 16٪ من قيمتها، مما وسّع الانخفاض الهائل في العملة الذي حدث خلال السنوات الماضية. وتسارع سقوط الليرة بشكل كبير في عام 2018، ولكن انهيار يوم الجمعة تجاوز إلى حد كبير أي انخفاض سابق، وسط متاعب اقتصادية وجيوسياسية شديدة استمرت في تعقيد الاقتصاد التركي، والتي ضغطت بشكل مباشر على قيمة العملة التركية أمام الدولار الأمريكي.

وفي المقابل سجل مؤشر الدولار الأمريكي أعلى مستوى له في عام، مع تهافت التجار على الدولار باعتباره العملة الأقوى عالميًّا، كذلك الضغط الهائل على الليرة التركية قد ضغط على اليورو، ما أدى بدوره إلى رفع الدولار.

سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي

2. لماذا تراجعت الليرة التركية إلى هذا المستوى؟

جاء انهيار الليرة إلى هذا المستوى كرد فعل مباشر على إعلان ترامب -فى تدوينة عبر صفحته الرسمية على تويتر- عن مضاعفة رسوم منتجات الصلب والألمنيوم المستوردة من تركيا، وذلك لجعل الليرة التركية تنزلق بصورة كبيرة جدًّا أمام الدولار الأمريكي القوي، وبذلك تصبح رسوم الألمنيوم الجديدة المفروضة على تركيا 20% ورسوم الصلب 50%.

وهناك سببان واضحان وراء رغبة الإدارة الأمريكية في مضاعفة تعريفاتها الضريبية ضد تركيا، أولهما سبب سياسي، حيث اتخذ ترامب قرارًا بفرض عقوبات على وزيري الداخلية والعدل في تركيا الأسبوع الماضي لدورهما في اعتقال القس الأمريكي أندرو برونسون وغيره من الأمريكيين.

وتتهم تركيا أندرو برونسون -الذي يدير كنيسة صغيرة في أزمير- بأن له صلة بحزب العمال الكردستاني المحظور وحركة غولن، التي تتهمها تركيا بأنها داعم رئيسي للانقلاب السابق.

والسبب الثاني اقتصادي، حيث إن انخفاض الليرة مقابل الدولار يحمل آثارًا إيجابية على الاقتصاد الأمريكي، فهي تجعل الصلب التركي والألمنيوم أقل تكلفة في السوق الأمريكية، مما يقلل من التأثير المتوقع للتعريفات الموقعة، ويتناسب هذا الدافع الاقتصادي مع قرار أمريكا الأخير بتعزيز التعريفات المخطط لها على الواردات الصينية في أعقاب انخفاض العملة الصينية.


3. هل تتجه تركيا لأزمة اقتصادية؟

في خطاب متلفز، يوم الجمعة، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المواطنين لتبادل العملات الأجنبية والذهب مقابل الليرة، معلنًا أن ما يحدث مع تركيا في الوقت الحالي يُعتر حربًا تجارية ضد تركيا، مُشيرًا إلى أن هذا الانخفاض في قيمة الليرة يعتبر جزءًا من حملة تقودها قوى أجنبية على تركيا.

وأصدرت وزارة الخارجية التركية بيانًا تقول فيه إن على الولايات المتحدة أن تعلم أن النتيجة الوحيدة التي ستجلبها مثل هذه العقوبات والضغوط هي الإضرار بالعلاقات التركية كحلفاء، مؤكدة أن التعريفات الإضافية كانت ضد قواعد منظمة التجارة العالمية.

ويظهر التزام تركيا الهائل في الديون تجاه البلدان الأخرى في النسبة الكبيرة للغاية من ديونها المُقومة بالعملات الأجنبية. ومع استمرار ضعف الليرة، يصبح هذا الدين الخارجي صعبًا ومكلفًا على نحو متزايد بالنسبة للحكومة، مما يفاقم من المشهد الاقتصادي.

وبالتالي هناك أزمة ديون تلوح في الأفق، تنطوي على طلب تركيا للمساعدة أو خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي، والتي سيكون لها تداعيات اقتصادية محلية وأوروبية وعالمية كبيرة. فعجز الحساب الجاري التركي الكبير قد يدفع البلاد إلى الوقوع في أزمة ديون حادة، وعلى الرغم من الانكشاف العالمي الضعيف على القروض التركية الذي يبلغ حوالي 265 مليار دولار، أقل من 1٪ من الإجمالي العالمي، فأزمة الديون التركية قد تؤدي إلى عواقب غير معلومة الأثر في جميع أنحاء المنطقة المضطربة بالفعل.


4. كيف تأثرت أمريكا هي الأخرى بالقرارات الأخيرة؟

على الرغم من الانكشاف البسيط للشركات الأمريكية على الأزمة التركية، كان انخفاض الليرة علامة واضحة على الاضطرابات التي يمكن أن تلحق بالولايات المتحدة، حيث هبط مؤشر داو جونز الصناعي -المتداول بسوق الأسهم الأمريكية- بنسبة 0.77٪ فاقدًا 194 نقطة، بنهاية تعاملات الجمعة، وكان المؤشر على وشك أن يسجل ثالث انخفاض يومي منذ بداية يوليو/تموز الماضي.

هذا وخسر مؤشر ستاندرد آند بورز بنسبة 0.77٪، أما مؤشر ناسداك المركب، فقد انخفض بنسبة 0.67٪ ليبدد كثيرًا من المكاسب التي تحققت على مدى الجلسات السابقة.


5. هل أثرت الأزمة على أسواق أوروبا؟

أرسلت الليرة التركية المتراجعة موجات صادمة لأسواق الأسهم العالمية، مما تسبب في مخاوف بشأن الصحة المالية للمقرضين مع التعرض الكثيف لاقتصاد تركيا التي تكافح اقتصاديًّا. وعلى الرغم من ضعف تأثير أزمة الديون التركية المحتملة على الأسواق الأوروبية والمؤسسات المالية العالمية، والتي يمكن أن يكون لها تأثير متضارب على الأسواق العالمية الأخرى، فإن انخفاض قيمة الليرة أمر مهم بالنسبة للاقتصاد الأوروبي لأنه يساعد على تعميق خسارة اليورو -الذي أصبح ضعيفًا بالفعل- أمام الدولار الأمريكي الذي ارتفع بشكل حاد في معظم تعاملات العام الجاري 2018.

كذلك يرتبط عدد من البنوك الإسبانية والفرنسية والإيطالية بتركيا في شكل قروض أجنبية، وإذا لم يقم المقترضون الأتراك بتغطية تلك القروض، فسيؤدي ذلك إلى حدوث حالات من التخلف عن السداد. وإذا تكبدت البنوك الأوروبية عمليات شطب بسبب أزمة العملة التركية، فمن المرجح أن تكون معنويات الاستثمار ضعيفة بالبلدان الأوروبية.


6. كيف أثر انهيار الليرة على أسواق الذهب والنفط؟

تدوينة ترامب 10 أغسطس 2018

في بداية الأمر ارتفعت أسعار الذهب في الأسواق العالمية مع تعزز الطلب على المعدن كملاذ آمن للاستثمار، في ظل التراجعات الحادة في قيمة كل من الليرة التركية واليورو الأوروبي.

لكن مع الارتفاع القوي في العملة الأمريكية تراجعت الأسعار مُجددًا ليظل الذهب يتداول عند مستوى 1211 دولارًا للأوقية، في ظل العلاقة العكسية القوية بين الذهب والدولار الأمريكي، وبذلك يستكمل سلسلة خسارة ليسجل تراجعًا بنحو 11% بنهاية تعاملات الجمعة، من أعلى مستوى في أبريل/نيسان الماضي، وذلك عندما خرج عدد كبير من مستثمري الذهب مع بدء التكهن بانخفاض الأسعار، في ظل اضطرابات أسواق المال الراهنة.

وعادة ما تتراجع أسعار النفط العالمية إثر ارتفاع الدولار الأمريكي، نظرًا لكون النفط سلعة مقومة بالدولار، وبالتالي كلما ارتفع الدولار انخفضت قيمة النفط، والعكس صحيح.

وقد ارتفع سعر النفط الخام الأمريكي بنسبة 1.3% إلى 67.75 دولار للبرميل، وارتفعت أسعار نفط برنت -القياس الأوروبي- 1.1٪ إلى 72.83 دولار للبرميل. يأتي ذلك الارتفاع بعد سلسلة الخسائر الأسبوعية للنفط والمرتبطة بشكل واضح بالتصعيد بين الولايات المتحدة والصين، مما يثير استمرار المخاوف بشأن تعريفة التجارة العالمية التي ستؤثر بدورها على تجارة النفط.