هل شاهدت «American Psycho»؟ لا يحظى هذا الفيلم بالشهرة نفسها التي حظيت بها أعمال النجم الهوليودي كريستيان بيل بعده (ربما لا تهتم، لكنني أحب أن أقول لك إنه ممثلي المفضل). يحكي الفيلم الذي أخرجته الكندية المتمردة ماري هارون الحياة اليومية لباتريك بايتمان؛ شاب أمريكي تقليدي من الطبقة الوسطى العليا التي تجسد الثقافة الأمريكية.

يؤمن بايتمان كما يخبرنا في بداية الفيلم بـ«الاعتناء بنفسه». هنالك ولع واضح منذ البداية بالجسد، قوته وجماله، وبالمجمل حيويته، تبرزه كاميرا هارون بقدر أداء بيل الذي ينظر إلى المرآة معجبًا بشعره الذي يعتني به. كلنا يفعل ذلك، لكن باتريك يفعله بينما هو يضاجع امرأة. باتريك بايتمان شهواني حد السادية، يخشى الضعف، بل يكرهه، وهو مستعد لأن يقتل في سبيل حماية تفوقه. كل ذلك بينما يحدث أصدقاءه على طاولة العشاء (لا أحد منهم لا يخون رفيقه مع رفيقته) عن أهمية العودة إلى القيم الأخلاقية والحد من النزعة المادية عند الشباب.

تذكّرنا حالة بايتمان بتلك الحالة التي يطلق تيري إيجلتون، الناقد اليساري المعروف، عليها «متلازمة كاليفورنيا»؛ ذلك الوسواس الذي تعانيه الطبقة الأمريكية الوسطى تجاه الجسد، ويتجلى في اهتماماتها الحديثة: الحمية الغذائية، الحيز النقي من الدخان في المؤسسات والأسواق، الصحة، المظهر العضلي للرجال والجسد المرسوم عبر نحولة مبالغ فيها في مناطق وسيليكون منتفخ في مناطق أخرى، الفحولة الجنسية.

بالجملة، فإننا أمام نسخة جديدة من مذهب اللذة Hedonism، أي القول بأن السعادة هي مرادف للذة البدن. ما يميز تلك النسخة هي أنها بينما تدفع نحو الغرق الشهواني في أنواع المتع الجسدية كما النسخ التقليدية للهيدونيزم، تولّد جدليًا عناية مفرطة بالجسد (تذكّر أن بايتمان أخبرنا بأنه «يؤمن بها») وحساسية مفرطة تجاه ما يمكن أن يؤذيه أو يخفي جماله أو قوته. يمسي الجسد وثنًا في ثقافة تشكّل اللذة شعيرتها اليومية.

يبدو أن الرئيس المصري ارتأى هو أيضًا أن الجسد، وزنه وأبعاده، له دلالة سياسية واجتماعية مهمة بالنسبة لسياساته ومشروعه الاقتصادي. هل لذلك صلة بـ«متلازمة كاليفورينا» (التي لا أعتقد بالتأكيد أن السيد الرئيس مصاب بها)؟


إنها «الجدارة» يا غبي!

في عام 1958، كتب مايكل يونج، عالم الاجتماع البريطاني، كتابه الكلاسيكي: «صعود الميريتوقراطية». تعني «الميريتوقراطية» حرفيًا الحكم القائم على الجدارة؛ لكن يونج كان يصف بها النظام التعليمي في بريطانيا آنذاك، حيث كانت هنالك ثلاثة أنواع من المدارس الثانوية، يلتحق الطالب بأيها بحسب أدائه في امتحان سابق. بحسب يونج، فإن الميريتوقراطية تهدد الديمقراطية، فهي تجعل الذكاء والجهد والإنجاز معيارًا للحقوق التي ينبغي أن يحصل عليها المواطن، بما يهدد قيمة المساواة.

تقع الميريتوقراطية في تقاطع تقليديْن اثنيْن في الحداثة الغربية. هناك أولًا الفلسفة الفردانية التي هيمنت على الوسط الثقافي الأمريكي في القرن التاسع عشر التي ترى ضرورة الاعتماد على النفس، وعدم مسئولية أي فرد عن فرد آخر طالما أن هذا الآخر يستطيع الاعتماد على نفسه. في مقال له بالعنوان نفسه («الاعتماد على النفس»)، كتب رالف والدو إمرسون:

أما التقليد الثاني، فهو التقليد الاشتراكي الذي طرحه سان سيمون في فرنسا حيث حاول أن يوحّد بين الصناعيين والمصرفيين والعمال، ضد النبلاء وغيرهم من أصحاب العقارات الذين لا يسهمون في الاقتصاد الوطني. فهؤلاء الذين لا يعملون هم طفيليون، أما الصناعيون والمصرفيون فليسوا كذلك، إذ إنهم يسهمون في إدارة أعمالهم وتنميتها.

نلاحظ أن الميريتوقراطية في جذرها التاريخي كانت تمثل بالفعل صيغة ثورية ضد مجتمع إقطاعي خامل كما كانت فرنسا في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ لكنها تحولت لاحقًا، إلى أداة يستخدمها مفكّرو اليمين النيوليبرالي في أمريكا وغيرها لتبرير اتساع الفجوة في الدخول: «هنالك فجوة كبيرة في الدخول تتنامى كل يوم، نعم، ولكن ذلك بسبب جدارة البعض وعدم استحقاق آخرين». من يعمل أكثر، يستحق أكثر، والموهبة تستحق المكافأة، ولا عزاء للكسالى والأغبياء. إذا كنت فقيرًا فإن ذلك يعود إلى افتقارك للموهبة أو كسلك الذي حال بينك وبين الوصول إلى الغنى. الفرص قائمة، لكن «الطبقة العاملة لا تعمل» كما قالت مارجريت تاتشر، أو «الشباب يفضل أن يجلس على المقهى» كما يقول تلامذتها في بلداننا.


النحافة: فضيلة أم ميزة طبقية؟

لا تكلّمني، كما فعل رجل طيب اليوم، عن واجبي تجاه تحسين أوضاع الفقراء. هل هم فقرائي؟ لقد قلت لك، أيها المتصدّق الأحمق، إنني أمقت كل دولار، دايم، سنت أعطيه إلى هؤلاء الذين لا ينتمون إليّ ولا أنتمي إليهم.

قبل أيام، أعلن رئيس الجمهورية المصري انزعاجه من أوزان المصريين. الوزن في خطاب الرئيس أكثر من مسألة صحية، إنه علامة؛ علامة على مدى الجهد، على مدى القدرة على التحكم في الذات، على الكسل أو النشاط، على الطموح أو الشهوانية. بالمجمل هو مسألة أخلاقية.

يلاحظ الكاتب الأمريكي جاسون تيبّي أن الرياضة والحمية الغذائية أمسوْا مسألة أخلاقية عند الطبقة الوسطى العليا الحديثة. لقد كانت تلك الطبقة في القرن التاسع عشر تؤكد تفوقها على الفقراء من جهة، وعلى طبقة النبلاء الرجعية من جهة أخرى، عبر ما عُرِف بقيم العصر الفيكتوري: تفاني المرأة في دورها الأمومي كزوجة في أسرة متماسكة، والعفة الجنسية في انتظار الزواج.

كانت تلك الطبقة تؤكد تفوقها على الفقراء الذين لا يعفون عن البغاء، وعلى النبلاء المنحلّين. يمكن لمن يريد أن يرى نسخة مصرية من ذلك الكود الأخلاقي للطبقة الوسطى الصاعدة، أن يشاهد أفلام يوسف وهبي خلال الثلاثينات والأربعينات (مثلا: «ابن الحداد»).

اليوم يحمل الحفاظ على الوزن والقوة البدنية والصحة الدلالة الأخلاقية نفسها عند تلك الطبقة التي غزتها «متلازمة كاليفورنيا» ولم تعد تعبأ لا بالعفة الجنسية ولا بالحياة الأسرية. إنها دلالة على قدرتها على التحكم في نفسها والحياة السليمة؛ تلك القدرة التي يفتقدها الفقراء، ويعانون بسبب ذلك من حياتهم الرديئة.

مشكلة ذلك الخطاب الميريتوقراطي أنه يخفي اللامساواة التي تسكن المنظومة الاجتماعية بأسرها. في تلك المنظومة، يمكن للثري أن يحافظ على الامتيازات التي جعلته ثريًا، إنه يملك فرصًا تعليمية أفضل، رعاية صحية أكفأ، وقت فراغ أوسع. تعيد تلك المنظومة إنتاج ثراء الثري، وسلطة صاحب السلطة، وقهر الضعفاء.

لا يلتفت مثلًا من يصم الفقراء بسبب سمنتهم إلى أن نوعية الأغذية المتاحة بالنسبة إليهم قد يسهم في سمنتهم بسبب غناه بالمخزون السعري مقابل فقره بالقيمة الغذائية (بالبروتين مثلا). هل يملك الشاب الذي يطلب منه العمل يوميًا لما يصل إلى اثنتي عشرة ساعة، وأحيانًا أكثر، رفاهية دفع اشتراك الجيم شهريًا، وإذا كان يملك قيمة الاشتراك، فهل يملك رفاهية الوقت؟

إن كل ذلك بالطبع لا يعني أن الحفاظ على الجسد ليس غاية مهمة، ولا أن من يمارسون الرياضة ويحافظون على شكل أجسادهم ولياقتها لا يستحقون الثناء على جهدهم وما أنفقوه في ذلك من وقت ومال، ولكنه يعني بالتأكيد أن ما يحصل عليه البعض بسبب امتيازه الطبقي كما يوضح تيبّي، لا يجوز أن يتحول إلى فضيلة يعيّر بها من لا يملكون الرفاهية نفسها.

علينا أن نتذكر أخيرًا أن الطبقة الوسطى الأمريكية العليا حققت ما تراه جدارة فعلًا: إنها تمارس الرياضة وتتمتع بمظهر لائق وجسد قوي؛ لذلك فإن هناك ما تملك أن تعير به الآخرين. ما الذي تملكه الطبقة الحاكمة في مصر من كل ذلك لتعيّرنا به؟!