يكاد مفهوم الجريمة يترادف في الأذهان مع «إراقة الدماء». ربما تكون الجريمة مجرد سرقة إلا أن معظم الجرائم تحتوي على مستوى ما من العراك الدامي سواء عن عمد أو بسبب مفاجأة لم يقم الجاني بحسابها. في حالة الاعتداء المباشر على ضحية، يوفر الدم المسال إمكانية للتعرف على بعض التفاصيل التي تخص الجاني بل وربما هويته أيضًا إذا كان قد نشأ عن مقاومة الضحية وإحداثها لبعض الخدوش أو حتى الجروح العميقة في جسد المعتدي. لدم الضحية ذاتها أيضًا أهمية حاسمة في تحديد هويتها وإعادة بناء سيناريو الجريمة في مسرحها من حيث موقع وتحركات الجاني وكيفية قيامه بالاعتداء. باختصار، يمكن للسائل الأحمر أن يكون حيويًا خارج الجسم كما كان داخله.


دماء أم كاتشب!!

http://gty.im/105457000

ربما تكون قد وقعت ضحية مزحة قام فيها أحد أصدقائك بادعاء أنه مصاب وينزف بينما كان يخدعك باستخدام بعض الكاتشب مدعيًا أنها دماء. في الواقع، قد تتشابه الدماء مع مواد أخرى كثيرة لها نفس اللون الأحمر، فرذاذ الدماء قد يتشابه مع رذاذ دهان أحمر أو بقعة صدأ.

أيضًا قد تتواجد بعض البقع الميكروسكوبية من الدماء لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، تلك البقع التي قد تكون انتقلت من الضحية أو الجاني إلى سطح أو قطعة ملابس بطريق الخطأ، أو تبقت بعد محاولة الجاني تنظيف أو مسح آثار جريمته. لذا، كان من الطبيعي الاهتمام باختبارات كيميائية تهدف للتأكد أولاً من هوية البقعة الحمراء واصطياد بقايا الرذاذ الدموي في مسرح الجريمة.

تبدأ عملية معالجة العينة باختبارات «افتراضية Presumptive» تتمركز مهمتها في الإشارة إلى وجود أو عدم وجود مادة ما (هناك اختبارات افتراضية للسائل المنوي واللعاب وغيرها من السوائل الجسدية بل والكائنات المجهرية كالبكتيريا أيضا). بناء على نتائج الاختبار الافتراضي، يتم وضع بروتوكول أو ترتيب الاختبارات التأكيدية confirmatory التالية.

تعتمد الاختبارات الافتراضية للدماء على تفاعلات الأكسدة والاختزال – تفاعل انتقال الإلكترونات من مادة لديها إلكترونات تميل لفقدانها (أكسدة) إلى مادة تميل لاكتساب الإلكترونات (اختزال)- مما يتسبب في تغير لوني واضح Color change يتم ترجمته جنائيًا. فمثلاً، يمكن استخدام منتج هيماستيكس Hemastix لأداء الاختبار الافتراضي الأول بسهولة.

لا يتم تطبيق الاختبارات الافتراضية على السطح المشكوك في حمله لاّثار الدماء، بل يتم فرك أو نقل العينة إلى ورقة مناسبة لأداء الاختبار. لذلك أتى هيماستيكس بشكل عملي على شكل شريط من البلاستيك يحمل عند إحدى نهايتيه قطعة من ورق الترشيح (ذي قدرة عالية على امتصاص المواد absorbent) تمت معالجته بماء الأكسجين H2O2 وبمادة لها القدرة على تغيير لونها عند تحولها من صورة مختزلة لصور مؤكسدة.

في حالة الهيماستيكس يتم استخدام TMB أو رباعي ميثيل البنزيدين كمادة لونية، بينما في اختبار افتراضي آخر مثل اختبار كاسل ماير (الذي يسير بنفس الكيفية) يتم استخدام الفينولفيثالين (الدليل الشائع في عمليات المعايرة) أو مادة ليوكو مالاكايت الأخضر. السبب في تغيير ألوان هذه المواد يكمن في الاّتي:

  • أولاً: لجزيء الهيموجلوبين (المتواجد في خلايا الدم الحمراء) قدرة على النشاط كإنزيم Peroxidase أي مادة مختزلة لبيروكسيد الهيدروجين (ماء الأكسجين) ومؤكسدة للجزيء اللوني.
  • ثانيًا: يتحول بيروكسيد الهيدروجين إلى ماء بعد اختزاله ويتحول الجزيء اللوني من لونه في الحالة المختزلة إلى لونه في الحالة المتأكسدة (أصفر إلى أخضر في حالة رباعي ميثيل البنزيدين، عديم اللون إلى وردي في حالة الفينولفيثالين وعديم اللون أيضًا إلى أزرق مخضر في حالة الليوكو مالاكايت الأخضر).
  • ثالثًا: في حالة مشاهدة هذا التغير اللوني، يمكن بشيء من الثقة الاستناد إلى وجود مادة الهيم Haem في العينة أي أن الهيموجلوبين موجود مما يعني وجود دماء في العينة. إلا أن هذا الاستناد قد تشوبه بعض المشاكل في حالة وقوع الجريمة في مكان مزروع، بسبب امتلاك بعض النباتات لإنزيمات Peroxidase أيضا خاصة بها مؤدية لنتيجة إيجابية مغلوطة في الاختبارات الافتراضية.

قبل الانتهاء من الاختبارات الافتراضية، يأتي اختبار اللومينول كطريقة للتعرف على عينات الدماء الأدق والتي تعرضت لمحاولة مستميتة من الجاني لمسحها واخفاء أثرها. كما تظهر أهمية إضافية لاستخدامه لإيجاد عينات من الدماء مر عليها زمن طويل قد يصل لشهور.

يتم خلط مركب اللومينول مع بيروكسيد الهيدروجين في محلول قلوي (يتم تحضيره بإذابة ملح هيدروكسيدي مثلاً في الماء) وعمل محلول سهل الرش والتوزيع على الأسطح التي يتم فحصها. تعمل ذرة الحديد في قلب جزيء الهيموجلوبين كعامل حفاز لتفاعل أكسدة اللومينول بواسطة عامل مؤكسد يلعب دوره بيروكسيد الهيدروجين. عند حدوث تفاعل الأكسدة المذكور، يتحول المركب إلى صورة عالية الطاقة سرعان ما تفقد طاقتها الزائدة على هيئة فوتونات ضوئية تظهر لنا كبريق أزرق اللون. لا يدوم هذا البريق طويلاً وبالتالي يجب تصويره بسرعة قبل أن يخفت وتعود العينة للصمت المظلم. يطلق على هذا النشاط اسم البريق الكيميائي Chemiluminscence.

للأسف، يمكن التحايل على اختبار اللومينول (ومثيله اختبار بلوستار bluestar) بأن يقوم الجاني بغسيل بقعة الدماء بواسطة مبيض bleach، لأن المبيضات ستؤدي لنتيجة إيجابية زائفة في اختبار اللومينول. كذلك يمكن لتفاعل اللومينول أن يعطي نتيجة إيجابية مغلوطة مع سواء جسدية أخرى مثل البول، لذا يجب الحذر عند استخدامه. قد يكون الاختبار أبسط وأكثر قدرة على التقاط إشارات الدماء الخافتة إلا أن خداعه سهل إذا توفر للجاني الوقت الكافي للاهتمام بموقع الجريمة قبل المغادرة.


هجوم الجسيمات المضادة

لنفترض أن البقع الدموية التي أشارت الاختبارات الافتراضية لوجودها كانت في مكان قد تتواجد فيه دماء من مصدر «حيواني». ربما يكون حيوانًا أليفًا يعود للضحية قد لاقى نفس مصيرها على يد الجاني أو ربما تكون الجريمة قد حدثت في مطبخ أو قرب مكان لمعالجة اللحوم وتربيتها وذبحها. كيف للمرء أن يتأكد من كون الدماء هي دماء بشرية؟

يأتي اكتشاف تفاعل الأجسام المضادة Antibodies والمستضدات Antigens للقيام بهذا الدور. يحمل كل نوع من الكائنات (الحيوانات بما فيها البشر) مجموعة من المستضدات. إذا تواجدت مستضدات غريبة في دم كائن ما، سرعان ما تقوم الأجسام المضادة بالتعرف عليها ومهاجمتها بالاتحاد معها، وهو النشاط الذي يمثل أساس عمل الجهاز المناعي والمسئول عن فشل بعض حالات زرع الأعضاء (قيام الأجسام المضادة بمهاجمة العضو المزروع الذي لا تتلاءم مستضداته معها).

من هنا يسهل استنتاج أنه لكي نحدد ما إذا كان الدم يعود لإنسان أم حيوان، علينا استخدام أجسام مضادة معدة في المعمل إما لكي تتفاعل (تهاجم) مع الدم الحيواني إن وجد (أي أنها تحاكي نشاط الدم البشري) أو لكي تتفاعل مع الدم البشري (أي تحاكي الدم الحيواني). يتم الاستدلال على حدوث التفاعل من عدمه بواسطة مراقبة «تكتل» الدم في إشارة لالتصاق الجسم المضاد بالمستضد مما يعني اختلاف مصدريهما.

بالاعتماد على نفس فكرة تفاعل المستضد والجسم المضاد، يمكن الاستدلال على فصيلة الدماء في العينة إذا ثبت أنها بشرية. توجد العديد من أنظمة توزيع أنواع الدم كنظام بروتينات الدم أو عامل ريسوس، إلا أن أشهرها نظام ABO الذي وضعه الأحيائي النمساوي لاندشتاينر في مطلع القرن العشرين.

يعتمد توزيع الدم في النظام المذكور على تواجد أو غياب مستضدات أطلق عليها A وB على سطح كرية الدم الحمراء. مثلا إذا تم استخدام جسم مضاد للمستضد A وظهر تكتل في العينة الدموية، فإن هذا يعني أن الفصيلة الدموية تحتوي على المستضد A أي أنها إما A أو AB، وبالتالي يلزم استخدام جسم مضاد للمستضد B للتحديد إلى أي الفصيلتين تنتمي العينة. تطبق نفس الطريقة لاكتشاف وجود المستضد B من عدمه وتصبح الفصائل هي:

  • فصيلة A المحتوية على مستضد A فقط
  • فصيلة B المحتوية على مستضد B فقط
  • فصيلة AB المحتوية على كلا النوعين
  • فصيلة O غير المحتوية على أي من النوعين

الحكم بالمظهر

قد يكون الحكم بواسطة المظاهر أمرًا غير مرغوب فيه بين البشر إلا أنه أثبت كونه محوريًا في التحليل الجنائي. تطرقنا حتى الآن لطرق معالجة للدماء ذاتها، لكن الكثير من المعلومات يمكن استقاؤها من «شكل» و«كمية» بقع الدماء ومكان تواجدها أيضًا.

عند النظر لبقعة الدماء، فإن شكلها قد يعطي دلالة على مصيرها منذ أن خرجت من جسد الضحية (وأحيانًا الجاني). فمثلاً إذا كانت البقعة مستديرة يخرج من محيطها خطوط قصيرة تشبه الأشعة من قرص الشمس، فإن نقطة الدم تلك قد سقطت في اتجاه عمودي من أعلى موقعها مباشرة من مسافة كبيرة نسبيًا قد تصل إلى عدة طوابق.

مقدمة في العلم الجنائي

إذا كانت البقعة الدموية تحمل منطقة عريضة نوعًا ما يتضاءل عرضها شيئًا فشيئًا مكونًا ذيلاً رفيعاً، فإن الدماء قد تم «نثرها» في اتجاه هذا الذيل. كذلك إذا ظهر في البقعة الدموية مسافة مستقيمة نسبيًا فإن هذا يعني أن الدم قد تم نثره أو سقوطه على سطح مائل، مما تسبب في سيلان أو انزلاق البقعة ببطء حتى موضع توقفها.

مقدمة في العلم الجنائي
مقدمة في العلم الجنائي

تشير بقع الدماء السميكة والمبعثرة إلى حدوث طعنات أو ضربات متتالية في مكان قريب من موقع الدماء التي يشير ميل لطخاتها إلى اتجاه ضربات المعتدي، مما يشير بدوره إلى مكان وقوفه بالنسبة للضحية. أما سمك «ذيل» بقع الدماء فإنه مفيد بشدة في التعرف على سلاح الجريمة المحتمل حيث كلما ازدادت حدة السلاح كان الذيل أكثر رفعًا، أما حجم البقعة وقطرها فإنه يتناسب عكسيًا مع سرعة نثر الدماء.

ليس شكل الدماء فقط هو ما يمكن أن يعطينا معلومات حول ما حدث وقت الجريمة وبعدها. تشير الفراغات أيضًا بين بقع الدم إلى إمكانية وجود أجسام صلبة بين المعتدي عليه وبين السطح الحامل للدماء. إذا قام الجاني بالتقاط هذه الأجسام بعد انتشار الدماء وحملها معه فإنها ستصبح أدلة إدانة واضحة. كما أن تحريكها ثم تركها قد يؤدي لطبع بصماته في الدماء.

وللمزيد من التنظيم، تم تقسيم بقع الدماء إلى ثلاثة أنواع أساسية هي:

  • أولاً: البقع النشطة التي انتقلت إلى سطح ما بواسطة قوة مختلفة عن قوة الجاذبية، قد تكون بسبب سلاح أو صدمة قوية أدت بالدماء لتتطاير إلى السطح المذكور أو بسبب خفقان القلب بعد قطع شريان، مما يؤدي لاندفاع الدم خارجًا. ينقسم هذا النوع إلى تدفقات غزيرة Gushes أو تدفقات رفيعة spurts. عادة ما يكون شكل البقعة عبارة عن خطوط متتالية متفرعة من خط عرضي يسمى spine مميز.
  • ثانيًا: البقع السلبية، وهي البقع التي تكونت بسبب الجاذبية الأرضية. وتنقسم تلك إلى برك الدم pool التي تتكون حول الضحية عند تركها ونقاط الدم Drops التي تتقاطر إذا كان موقع النزيف معلقًا على ارتفاع ما.
  • وأخيرًا يأتي النوع الثالث وهو البقع الانتقالية التي تتكون بسبب الحركة. أشهر أنواع هذه البقع هي آثار الأحذية الذي نقعت في الدماء ثم تحرك صاحبها فنقل صورًا مطبوعة من حذائه كلما خطا خطوة.
مقدمة في العلم الجنائي

نأتي هنا لختام حديثنا عن الكتلة المعلوماتية المدموغة في الدماء من تكوينها إلى شكلها وزواياها بل ومدى استدارتها (الذي يمكن حساب الارتفاع منه). أضف على ذلك ثورية تقنية استخدام الحمض النووي الموجود في الدماء مما يعطينا القدرة على اعطائنا هوية الضحية أو الجناة إذا تواجدت قاعدة بيانات كافية. في نهاية الأمر، تتضافر كل هذه المعلومات الجزئية لخلق سيناريو عام يسهل على المحكمة الاستناد إلى حكم علمي سليم في أثناء نطقها بحكمها القانوني. في نقاشنا القادم نبتعد نسبيًا عن جسد الضحية ونلقي نظرة على سلاح الجاني. سلاحه الناري على وجه التحديد.

المراجع
  1. Richard Saferstein-Criminalistics: An Introduction to Forensic Science
  2. Mark Okuda, Frank H Stephenson-A hands-on introduction to forensic science
  3. Andrew R.W. Jackson, Julie M. Jackson-Forensic Science