يبدأ المشهد بسيدة يبدو عليها أعراض مرض ما، تجلس في المطار بانتظار رحلة العودة التي ستقلها من هونغ كونغ إلى الولايات المتحدة الأمريكية. تصل بلادها، ويستغرق الأمر بضعة أيام فقط حتى تسقط متوفاة على أرضية مطبخها. تأخذنا الأحداث لنكتشف أن هناك جائحة فيروسية تجتاح العالم، تنبئ بوقوع كارثة إنسانية يشهدها الكوكب. 

تتوالى الأحداث، وتبدأ منظمة الصحة العالمية ومركز السيطرة على الأمراض في دراسة أسباب انتشار الفيروس، واتخاذ الإجراءات الطبية اللازمة للتعامل مع الأمر، وهل هناك إمكانية لعلاجه أم لا؟

هذه المشاهد السابقة من فيلم «Contagion». ربما تتشابه قصته كثيرًا مع ما يحدث الآن في الصين وحالة الترقب والخوف التي بدأت تنتشر في دول العالم، مع ورود أنباء عن انتشار فيروس كورونا من الصين، والذي بدأ في الانتشار في أواخر شهر ديسمبر/ كانون الأول 2019. 

فقد أعلنت الصين في بادئ الأمر عن انتشار الفيروس في مدينة «ووهان» الصينية، ووفاة 9 أشخاص وإصابة نحو 440 شخصًا، ثم تواردت الأنباء عن انتشار الفيروس خارج المدينة، لتعلن الصين حالة الطوارئ القصوى في نحو 25 مقاطعة صينية، وتأكيد إصابة نحو 1324، ووفاة أكثر من 40 شخصًا، وعزل نحو 50 مليون شخص.

بدأ الفيروس في الانتشار خارج الصين أيضًا، لتبدأ أول حالات الإصابة في دول جوار الصين، مثل: تايلاند، فيتنام، النيبال، كوريا الجنوبية، ماليزيا، اليابان، وأغلقت كوريا الشمالية حدودها أمام المسافرين. ثم بدأ انتشار الفيروس على نطاق عالمي في دول الولايات المتحدة الأمريكية، والتي سجلت أول الحالات على أراضيها قادمة من الصين، وبريطانيا، وأستراليا، وفرنسا التي أكدت إصابة 3 حالات حتى الآن.

ما هو الفيروس؟

الفيروس هو طفيل صغير لا يمكنه التكاثر إلا في خلايا الكائن الحي، ويمكنه أيضًا توجيه آلية الخلايا لإنتاج المزيد من الفيروسات. معظم الفيروسات لديها مواد جينية إما الحمض النووي الريبي، وإما الحمض النووي (DNA). يتكون جسيم الفيروسات المعدية التي تُسمى «virion» من الحمض النووي وغلاف خارجي من البروتين. 

فيروسات كورونا

فيروسات كورونا بشكلٍ عام هي حيوانية المنشأ، حيث تبدأ في الحيوانات أولًا، ثم تنتقل إلى البشر. وهي نوع من الفيروسات مستديرة الشكل تحيط بها هالة من البروتينات الشائكة، والتي يمكن إعطاؤها صفة الفيروسات التاجية. تسمى فيروسات كورونا نسبة إلى شكلها هذا، والذي يشبه إلى حدٍّ كبير شكل «الهالة» حول الشمس المسماة «Corona».

هناك 4 أنواع معروفة من الفيروس تصيب البشر هي (229E, NL63, OC43, HKU1) وهي المسئولة عن نسبة 10 – 30% من حالات الإصابة بنزلات البرد الخفيفة في الجزء العلوي من الجهاز التنفسي، وتستمر فترات قصيرة من الزمن. والأعراض المميزة لها هي: 

1. سيلان الأنف.
2. صداع.
3. سعال.
4. التهاب الحلق.
5. حمى (ارتفاع درجة الحرارة).
6. شعور عام بالتوعك.
وفي حالات الإصابة بفيروسات كورونا الخطيرة، يتطور الأمر ليصل إلى التهاب رئوي حاد يؤدي إلى الوفاة.

كورونا نوفل «2019-nCoV»

فيروس كورونا الحالي هو سلالة جديدة من فيروسات كورونا، يسمى «كورونا نوفل» (2019-nCoV). تقول السلطات الصينية إنه قد يكون بدأ في أسواق اللحوم، خاصة المأكولات البحرية والأسماك، وأكدت أنه يمكنه الانتقال من الحيوانات إلى البشر؛ لتتخذ الصين أول الإجراءات للتصدي له بإغلاق تلك الأسواق في مدينة ووهان. كما أكدت السلطات الصينية أن الفيروس يمكنه الانتقال من شخصٍ لآخر عبر الجهاز التنفسي.

فيروسات كورونا لها أنواع متعددة، وكما ذكرنا فإن الأنواع المعروفة منها غير الخطرة؛ هي فيروسات تتسبب بمعظم حالات نزلات البرد المعتادة، لكن هناك أنواعًا خطرة من فيروسات كورونا مثل سارس (الذي أُبلغ عن أول إصابة به عام 2002 في جنوب الصين)، و«متلازمة الشرق الأوسط التنفسية المرتبطة بكورونا» المعروفة بـ (MERS)، والذي بدأ في مدينة جدة في السعودية عام 2012، حيث ينتقل من الإبل المصابة للبشر من خلال لمسها أو استهلاك لحومها وحليبها. تكمن خطورة النوع الجديد من فيروس كورونا – نوفل – في أنه يتشابه مع هذين الفيروسين؛ فهو سريع الانتشار والتحول، ويصيب الرئة مسببًا التهابًا رئويًّا حادًّا ينتهي بالوفاة.

منشأ الفيروس

وفقًا لدراسة جديدة نُشرت في دورية «علم الفيروسات الطبية»، فإن الفيروس الجديد قد يكون ناشئًا عن تآلف بين فيروس كورونا في الخفافيش ونوع غير معروف من فيروس كورونا. وتشير النتائج التي توصل إليها الباحثون في الدراسة؛ إلى أن الأفاعي هي أكثر مستودعات الحيوانات البرية احتمالًا.

يقول الباحثون في الدراسة إن الفيروسات لها القدرة على الانتقال من الحيوانات إلى البشر. وفي حالة كورونا الجديد فإن التغيير في أحد البروتينات الفيروسية للفيروس، تسمح له بالتعرف على المستقبلات في خلايا مضيفة معينة وربطها. هذه القدرة هي خطوة حاسمة لدخول الخلايا. ويضيف الباحثون أن التغيير في هذا البروتين المعين ربما ساعد الفيروس على الانتقال للبشر من الحيوانات. 

انتقال الفيروس بين البشر

 

وفقًا لمركز السيطرة على الأمراض، فإن أعراض الفيروس تشبه أعراض نزلات البرد (السعال والعطاس والحمى … إلخ)، لذا ينتقل الفيروس بين البشر عن طريق الهواء محمولًا في رذاذ العطس والسعال؛ خاصة في الأماكن المزدحمة والمغلقة، لمس الشخص المصاب أو المصافحة، لمس الأسطح التي يستقر عليها الفيروس من الناس المصابين؛ مثل مقابض الأبواب، والمكاتب، وغيرها من هذه الأسطح التي يلمسها الناس طوال اليوم.

الدورة الزمنية للفيروس: من الإصابة لظهور الأعراض

فترة الإصابة بالفيروس وصولًا إلى الأعراض الخطرة؛ تبدأ بالأعراض العادية لنزلات البرد (السعال، العطس، والشعور بالتعب والإرهاق)، ثم التطور إلى شكلٍ حاد من هذه الأعراض التي تطلب دخول المستشفى، والإصابة بالتهاب رئوي حاد ينتهي بالوفاة. يعتقد مسئولو الصحة أن فترة حضانة الفيروس تستغرق حوالي 14 يومًا، مما يعني أن الأمر قد يستغرق أسبوعين تقريبًا حتى تظهر أعراض الفيروس على شخص مصاب به، كما أن الأشخاص الذين لم يظهر عليهم أعراض المرض بعد، قد يكونون أصحاء.

أما عن العلاج، فوفقًا لدراسة نُشرت في دورية «ذا لانسيت»، فلا يوجد علاج مضاد للفيروسات لعدوى الفيروسات التاجية أثبت فعاليته مع الفيروس الجديد حتى الآن.

الإصابة في الشرق الأوسط

وفقًا لوكالة رويترز نقلًا عن وزارة الصحة السعودية، فقد نفت السعودية الأنباء التي تواردت عن تسجيل إصابة بفيروس كورونا نوفل في أحد المقيمين، لكن وزير الخارجية الهندي أكد إصابة ممرضة هندية بالفيروس تعمل في مستشفى في السعودية، وتتلقى العلاج في مستشفى منطقة عسير. كما يتابع مركز القيادة والتحكم التابع لوزارة الصحة السعودية تطورات الوضع في الصين، استعدادًا لمواجهة أي تطورات. كما نشر موقع «ذا إنسايدر» خريطة للبلدان التي تأكدت فيها الإصابة كالتالي:

خريطة توضح الحالات المؤكدة لإصابة فيروس كورونا باللون الأحمر
Ruobing Su / businessinsider

كما بدأت مصر بإجراءات أولية بحثًا عن إصابات محتملة بالفيروس، من خلال فحص المسافرين في المطارات والموانئ، خاصة القادمين من الصين، وتجهيز قاعة الحجر الصحي بالمطار.

وفي تطور لاحق، أعلنت السلطات الصينية وفاة الطبيب «ليانغ وو دونغ» في مستشفى مدينة ووهان الصينية والبالغ 62 عامًا، نتيجة إصابته بالفيروس، كما توفي طبيب آخر «جيانغ جيجون» بعمر 51 عامًا نتيجة إصابته بنوبة قلبية. كما أعلن الرئيس الصيني «شي جين بينغ» أن الوضع في البلاد أصبح خطيرًا. 

خريطة زمنية لانتشار الفيروس مستقبلًا

وفقًا لتقرير نشره موقع «وايرد للعلوم»، فإن كل البيانات والتقارير الصادرة من الصين حتى الآن تنبئ بأن الوضع قد بدأ «يخرج عن السيطرة»؛ وفقًا للتقرير. ولتقييم ذلك قام مجموعة من العلماء، بقيادة «جوناثان ريد» في جامعة لانكستر البريطانية، برسم خريطة زمنية لانتشار الفيروس بين البشر، اعتبارًا من يوم 1 يناير/ كانون الثاني 2020، وهو التاريخ الذي قامت فيه السلطات الصينية بإغلاق أسواق اللحوم في مدينة ووهان.

تتنبأ النماذج بوضع كارثي منتظر بداية من شهر فبراير/ شباط المقبل، حيث يمكن أن يصل عدد المصابين بالفيروس في عدة مدن صينية بما فيها مدينة ووهان، إلى نحو 190 ألف شخص.

في النهاية، ما زال العالم يتابع مستجدات هذه الجائحة الفيروسية التي بدأت في الصين، واتخذت السلطات الصينية إجراءات سريعة للتعامل مع الأمر، حيث بدأت بإنشاء مستشفى خاص في مدينة ووهان الصينية لمعالجة المصابين بالفيروس، على مساحة 25 كم مربع، حيث تخطط للانتهاء من تجهيز المستشفى بين 6 – 10 أيام فقط.

تحديث 30 يناير/ كانون الثاني 2020

أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية عالمية بسبب فيروس كورونا. وأعلن ذلك رئيس المنظمة «تيدروس أدهانوم غيبريسوس» في مؤتمر صحفي عقب الاجتماع العاجل اليوم الخميس، حيث شرح رئيس المنظمة أن إعلان حالة الطوارئ بسبب أن فيروس كورونا بدأ ينتشر بشكلٍ كبير خارج الصين. كما أعرب عن قلقه من وصول الفيروس إلى الدول النامية، أو الدول التي تفتقر إلى الإجراءات اللازمة لمكافحة الفيروسات والأوبئة.

وأكد رئيس المنظمة في تغريدة عبر تويتر بالقول:

يجب أن نعمل الآن لمساعدة البلدان على الاستعداد لهذا، هذا هو الوقت المناسب للحقائق، وليس الخوف. هذا هو وقت العلم، وليس الشائعات. هذا هو وقت التضامن وليس الوصمة (أي إقصاء الدول التي ينتشر فيها المرض، أو إقصاء الأشخاص).