شهد الاقتصاد المصري خلال الست سنوات الأخيرة (2012-2017) عددًا من التحولات على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

فبدايةً، شهد العام 2013 تحولاً على مستوى رأس النظام السياسي، حيث سقط حكم جماعة الإخوان المسلمين بعد حركة الجيش في 3 يوليو/تموز، وما تلى ذلك من تغير في توجهات الخارجية المصرية والعلاقات مع دول الجوار. بينما كانت السمة الأبرز لعام 2014 هي حالة من عدم الاستقرار السياسي، ناهيك عن التغيرات الكبيرة في الإطار التشريعي.

أما العام 2015 فقد برز خلاله تصاعد للأعمال الإرهابية في سيناء، وعلى رأسها إسقاط الطائرة الروسية في أكتوبر/تشرين الأول 2015. أما العام 2016 فقد شهد تدشين برنامج الإصلاح الاقتصادي للحكومة والموافقة على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار، وقد صحبه تغيرات في السياسة الضريبية والإنفاق العام والسياسة الجمركية والنقدية.

أتت تلك التحولات متواترة في مدى متوسط، لتُلقي بآثار قوية على الاقتصاد المصري. غير أن التساؤل الأبرز هو ما مدى تأثيرها على الإنتاج الحقيقي داخل الاقتصاد؟

وهو ما يمكننا تتبعه من خلال تحليل أداء مؤشرات الصادرات، والاستثمار، والصناعة، ومعدلات التنمية والفقر عبر السنوات الست الماضية.


الصادرات والتجارة الخارجية

اتسمت السنوات الماضية بمنحى متراجع للصادرات المصرية باستثناء العام الأخير، كما هو موضح بالجدول، فقد بلغ حجم الصادرات أكبر تقدير له في عام 2013 مسجلاً 26.988 مليار دولار، بينما سجل أدنى تقدير له في عام 2016 بـ 18.705 مليار دولار.

وفي حين شهد معدل نمو الصادرات من السلع والخدمات ارتفاعاً بنسبة 5.6% في العام 2013، شهد في المقابل انخفاضاً حاداً في العام 2014 بنسبة 11.9%، وانخفاضاً أكثر حدة بنسبة 15% في العام 2016.

وقد كان لتراجع الصادرات خلال السنوات من 2014 حتى 2016 أثر أكثر حدة على سوق النقد الأجنبي – فالصادرات هي أحد المصادر الرئيسية لتوفير الدولار والعملات الصعبة في مصر – مما أدى بدوره إلى عرقلة بيئة ممارسة الأعمال، وتوحش السوق السوداء للعملة، وتراجع قيمة العملة المحلية. ناهيك عن أثره في تراجع نسبة قطاع التجارة الخارجية إلى الناتج المحلي الإجمالي، والتي تراجعت من 31.1% عام 2012 إلى 22% عام 2016، وبالطبع أدى إلى ارتفاع مضطرد في عجز الحساب الجاري للاقتصاد المصري.

في المقابل شهد العام 2017 بداية العودة لمنحى الارتفاع في مؤشر الصادرات المصرية، وقد سجل معدل نمو 86%، وهي طفرة كبيرة، ترجع إلى نمو خدمات السياحة؛ وارتفاع الصادرات الاستخراجية؛ وارتفاع قيمة دعم الصادرات المقدمة من هيئة تحديث الصناعة؛ وانخفاض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار التي أدت إلى انخفاض تكلفة الصادرات المصرية بالنسبة للسوق العالمي مما أضاف ميزة إلى الصادرات المصرية تتمثل في انخفاض السعر.

ومن المُرجح أن تستمر الصادرات في اتجاه متصاعد ومعدل نمو إيجابي فى المدى المتوسط المقبل، وسيكون ذلك الاتجاه مرهوناً بعددد من العوامل وهي: بدء الإنتاج في حقول الغاز الطبيعي المكتشفة قبل عامين؛ واستمرار الدعم الحكومي للصادرات؛ وتنمية القطاعات الإنتاجية داخل الاقتصاد. ومن المتوقع أن تحتل المعادن ومنتجات الطاقة النصيب الأكبر من الصادرات، في مقابل تراجع حصة المنتجات الزراعية ومنتجات الصناعات التحويلية، بسبب تراجع نمو إنتاج القطاعات نفسها.
جدول - مؤشرات الصادرات المصرية (2012 - 2017)
جدول – مؤشرات الصادرات المصرية (2012 – 2017)

معدلات الاستثمار

أعلنت الحكومة عن أولويتها في تنمية الاستثمارات داخل الاقتصاد المصري، مما دفعها إلى سن تشريع للاستثمار، وإلى مفاوضات مستمرة مع رجال الأعمال. وبالفعل نجحت الحكومة في مضاعفة حجم الاستثمارات الكلية داخل الاقتصاد من 258.1 مليار جنيه في العام 2012 إلى 530 مليار جنيه في العام 2017.

كما ارتفعت نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي من 1.4% عام 2012 إلى 7.9% عام 2017. وبالرغم من هذا الارتفاع المضطرد إلا أن نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر ما زالت في مستوى أقل من متطلبات التنمية.

وعلى الرغم من أهمية «حجم الاستثمار» كمؤشر رئيسي لتقييم أداء الاقتصاد، إلا أن هناك ثمة عوامل أخرى تحكم مدى كفاءة أو فاعلية هذا المشر كأداة من أدوات النمو:

  • أولاً: التوجيه القطاعي للاستثمارات

وهنا يثور التساؤل: هل توجه أموال الاستثمارات إلى قطاعات اقتصادية فاعلة أم تمتصها قطاعات ليست بالكفاءة المطلوبة؟

وباستعراض بيانات «المؤسسة العربية لضمان الاستثمار» عن الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، وبيانات وزارة التخطيط عن الاستثمارات الكلية في مصر. نجد أن النسب الأكبر للاستثمارات تتجه إلى قطاع البناء والتشييد “العقارات”، ثم إلى الصناعات الاستخراجية “الفحم والنفط والغاز الطبيعي”، ويستحوذ القطاعان معاً على حوالي نصف الاستثمار الأجنبي المباشر، بينما تتضاءل نسب الاستثمار في القطاعات الأكثر حيوية كالصناعات التحويلية والزراعة والخدمات وخدمات الأعمال.

  • ثانياً: مقدار الفجوة الادخارية

الفجوة الادخارية هي الفرق بين معدل الاستثمار والادخار المحلي، واتساعها يعني تناقص قدرة المدخرات المحلية على تغطية التكاليف الاستثمارية، مما يدفع الحكومة إلى الاقتراض الخارجي لتعويض الفجوة. وعلى سبيل المثال حين نقول إن فجوة الادخار تُقدر بـ 7.3%، فذلك يعني أن نسبة 7.3% من الاستثمارات عجزت المدخرات المحلية في تمويلها.

وعلى الرغم من نمو معدل الاستثمار – مؤخراً – إلا أن معدل الادخار المحلي يتراجع، وذلك بسبب تراجع الدخول الحقيقية للأفراد وارتفاع التضخم، وهو ما أفضى إلى اتساع الفجوة الإدخارية داخل الاقتصاد المصري بشكل حاد، فقد ارتفعت من 7.3% عام 2012 إلى 12.2% عام 2017.

جدول - مؤشرات الاستثمارات المصرية (2012 - 2017)
جدول – مؤشرات الاستثمارات المصرية (2012 – 2017)

تطور قطاع الصناعات التحويلية

عادة ما يقع الاختيار على قطاع الصناعات التحويلية ليكون قائداً للنمو الاقتصادي، أو من أكبر مصادره، ذلك لأنه يوسع من الأصول الإنتاجية للاقتصاد، ويرفع من مستويات الإنتاجية والتشغيل، حيث يتميز بأنه قطاع يعتمد في نموه على الزيادة في الأصول الحقيقية وليس الزيادة في الأموال أو تغير أسعار النقود. ويليه في الاهتمام قطاع الزراعة، وقطاع الاستخراج.

ويلاحظ تراجع حاد لإنتاجية قطاع الصناعات التحويلية في الفترة من 2014 إلى 2016، ثم عودته إلى النمو بارتفاع بسيط خلال العام 2017. وذلك على مستوى مؤشر معدل نمو القطاع، ومؤشر مساهمة القطاع في النمو الاقتصادي. وهو ما ألقى بظلاله على تراجع الصادرات خلال الفترة المذكورة.

وإجمالاً فإن معدل نمو قطاع النصاعات التحويلية لا يتلاءم مع أهميته كمحرك للنمو الاقتصادي، في المقابل يستحوذ قطاع «التشييد والبناء» و«الصناعات الاستخراجية» و«الاتصالات» على الحصة الأكبر في قيادة النمو الاقتصادي، وهو ما يصاعد من المخاطر أمام النمو الاقتصادي خلال المدى القصير والمتوسط، خاصة وأن القطاع العقاري قد يصبح فقاعة داخل الاقتصاد، لأنه مقوم بأكبر من قيمته الحقيقية ويستحوذ على الاستثمارات، ويعجز عن خلق وظائف عمل أكثر تستوعب معدلات البطالة المرتفعة.

مؤشرات قطاع الصناعات التحويلية
مؤشرات قطاع الصناعات التحويلية

معدلات التنمية والفقر

تطور معدل نمو قطاع الصناعة التحويلية (2012-2017)
تطور معدل نمو قطاع الصناعة التحويلية (2012-2017)

إذا كان معدل النمو الاقتصادي يقيس الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد، فإن معدلات التنمية تقيس مدى كفاءة توزيع ثمار النمو الاقتصادي، وهو المؤشر الأكثر أهمية ليس فقط لقوة الاقتصاد بل وللسلام الاجتماعي أيضاً.

مؤشرات التنمية البشرية
مؤشرات التنمية البشرية

وبمقارنة معدل التنمية البشرية HDI الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، فلن نجد اختلافاً قوياً بين عامي 2012و2015، حيث ارتفع من 0.662 عام 2012 إلى 0.691 عام 2015. ويقيس هذا المؤشر التقدم المحرز في ثلاثة أبعاد أساسية للتنمية البشرية: حياة طويلة وصحية؛ والوصول إلى المعرفة؛ ومستوى معيشة لائق. وتتراوح قيمة المؤشر بين الصفر والواحد الصحيح، وكلما مالت القيمة إلى الاقتراب من الواحد الصحيح أشار ذلك إلى مستوى أعلى من التنمية، وطبقاً لـ UNDP تقع مصر في فئة البلدان المتوسطة تنموياً.

وننوه إلى أن أحدث البيانات حول معدلات التنمية الصادرة عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة تقف عند العام 2015.

غير أن مؤشر التنمية يتأثر بحجم اللامساواة، وهو ما قاد البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة إلى تطوير مؤشر جديد وهو «مؤشر التنمية المعدل IHDI»، والذي يقيس معدل التنمية الحقيقي استناداً إلى حجم اللامساواة (وهو معدل ثلاثي الأبعاد أيضاً يقيس اللامساواة في التعليم والنوع والدخل)، ويمثل الفرق بين مؤشر التنمية البشرية ومؤشر التنمية البشرية المعدل «حجم الخسارة في التنمية» التي تعود إلى «اللامساواة».

وبمقارنة العامين 2012 و2015، نجد أن مؤشر التنمية المعدل كان أكبر في العام 2012 وبلغ 0.503، بينما وصل في العام 2015 إلى 0.491، وارتفعت نسبة «الخسارة في التنمية» الناتجة عن «اللامساواة» من 24.1% عام 2012 إلى 29% عام 2015. غير أن اللافت للنظر هو ارتفاع نسبة اللامساواة في الدخل بشكل حاد للغاية من 14.2% عام 2012، إلى 36.3% عام 2015.

وطبقاً لبيانات البنك الدولي فإن نسبة الفقر في مصر استناداً إلى خط الفقر العالمي (3.2 دولار في اليوم) هي 16.1% عام 2017، بينما تكون 27.8% استناداً إلى معدل الفقر الوطني في مصر، أي أن حوالي ثلث السكان في مصر يقبعون تحت خط الفقر عند مقارنتهم مع باقي السكان داخل مصر.

إن أداء معدلات التنمية يقود إلى التساؤل الأكبر حول المستفيد من إجراءات الإصلاح الاقتصادي: فإلى منْ يذهب الارتفاع في الإنتاجية؟ ومن يحصد ثمار النمو الاقتصادي؟

إن أحدث بيانات متوفرة عن التنمية في مصر تعود إلى العام 2015، ولن يمكن تقييم مدى كفاءة البرنامج الإصلاحي للحكومة في تحقيق التنمية إلا بعد صدور تقارير أكثر تحديثاً عن التنمية من جانب البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، والتي من المنتظر أن تصدر في العام 2019.

وإجمالاً، يمكن القول إن معدلات النمو الاقتصادي تكون مضللة عند مقارنتها بمؤشرات التنمية المُعدلة، وأن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي قد لا يكون عالي الجدوى إذا كانت القطاعات القائدة له غير فاعلة إنتاجياً ولا تعود بالنفع على أكبر عدد من المواطنين. وأخيراً، فإنه لا جدوى من ارتفاع معدلات الإنتاجية في ظل ارتفاع أكثر حدة في معدلات اللامساواة.