لا أذكر ماذا كان موضوع حديثنا بالضبط عندما قال: «كان مبارك يخبئ السلاح النووي المصري في مصانع الشيكولاتة»؛ غير أن عبارته تلك لم تفارق مخيلتي. ظننتها مجرد مزحة خرجت منه دونما ترتيب. لكنه أخبرني بأن تلك الطرفة كانت شهيرة في مصر قبل الثورة.

لم يستطع المصريون أن يصدقوا أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، دول إسلامية كذلك ليست أغنى منا تمتلك، العراق الذي كثيرًا ما اتهم بذلك، اكتشف الجميع أنه لم يكن لديه، لكنهم اكتشفوا أن التهمة كانت لتكون طوق نجاة له من غزو أمريكي همجي. ليكن الحل إذن أن نغادر هذا العالم المزعج إلى عالمنا الوهمي: لدينا أسلحة نووية. الطريف أن عالمنا الوهمي كان عالمًا شبيهًا تمامًا بضلالات السكيزوفرينيا، فلا يحاول أن يبدو عقلانيًا أو متسقًا، يبدو كطرفة مثيرة للضحك مهما حاولت أن تكون جدية؛ إننا نخبئها في مصانع الشيكولاتة.

لا تختلف «نظرية النووي في مصانع الشيكولاتة» عن كثير من النظريات التي يتداولها مثقفون يفترضون أنهم أبعد قليلاً أو كثيرًا عن تلك الأوهام الشعبية، من قبيل نظرية صراعات الأجهزة، ونظرية الغضب المكتوم داخل الجيش، ونظرية الدعم الخفي الذي تقدمه مصر للمقاومة الفلسطينية من وراء ظهر إسرائيل. في الواقع، لا فارق جوهري بين النظريتين سوى في قدرة الأخيرين على إحكام سردياتهم أكثر بحيث تكون أقل إثارة للضحك. إنهم يخسرون حتى ميزة الطرافة.

من المفترض أن تلك السكيزوفرينيا الجماعية تنشأ عن عجز عن الاعتراف بالواقع والتعاطي معه. تبدأ بإنكاره ولا تنتهي بإسقاط نظريات خيالية على وقائعه المتشظية؛ خاصة عندما تكون الحقيقة هي أنه ما من أفق لأي شيء سوى الأسوأ. يكون الحل آنذاك هو الهروب إلى عالم وهمي من السرديات المخترعة خصيصًا للبحث عن جدوى أو أمل.

ما يدعو إلى الأسى في ذلك أن الحقيقة التي تود إقناع الذات أو الآخرين بها لا تدعو إلا إلى اليأس. ما معنى أن تقول أن النظام بأسره مندفع على قلب رجل واحد نحو المحرقة؟ كيف يمكن أن تقنع شخصًا بأن المنظومة التي يحيا فيها بأسرها تعمل ضده؟ وأي جدوى يمكن أن تكون وراء تلك القناعة؟

في فيلم «البيضة والحجر»، وفي مشهد ختامي، يدلي الدجال البطل بالحكمة: «الناس مش جاهلة، الناس خايفة». يبدو الناس اليوم لا جاهلين ولا خائفين، أو ليست تلك أزمتهم فحسب، ولكن ككادحين يسعون إلى الأمل، ولا يعثرون عليه إلا في ومضات تشبع رغبتهم في الانتشاء اللحظي قبل أن تنطفئ سريعًا. ربما تأتي الومضة في انتخابات هزلية، أو معركة إعلامية تجري بين رجال النظام أنفسهم. البديل الوحيد لتلك الومضات، الواقع الذي نريد أن نخبر الآخرين أو أن نقنعهم به هو الوعد بالمذبحة. هل يستحق ذلك جهد الإقناع؟ هل هو صائب أصلاً؟

إن السكيزوفرينيا الجماعية ليست خيار هرب فحسب، وإنما هي أيضًا قدرنا. أن تختار مثلاً بين الشماتة في جثث مجنّدين يقاتلون عدوًا خائنًا في نظرهم، وبين أن تسهم في أورجازم وطني يحتفل بسحق شباب بائسين اغتيلت إنسانيتهم على يد هذا النظام نفسه الذي يحاربهم.

إنها حالة فصام تراجيدية يصفها غالي شكري عندما يحكي: «ومنذ فشل ثورات وأنظمة التحرر الوطني العربية في تحقيق أهدافها من تحرر سياسي و اقتصادي/ اجتماعي وثقافي، تعيش جماهير هذه الثورات المجهضة والفاشلة في حياتها بطولة تراجيدية خارقة جسدتها كلمات بسيطة لإنسان بسيط غداة الهزيمة: إنني أحس بشيء غريب يكوي أعماقي أصارحك به، هو أن تأييد هذا النظام يشعرني بأنني خائن، كما أن معارضة هذا النظام تملؤني بنفس الشعور بالخيانة. فهل أنتحر؟ تلك هي البطولة التراجيدية حقًا، نصفك مع ونصفك ضد، وقلبك وجسدك المشطور ينزف بلا توقف على صليب الضياع».

ينوس المثقف في لحظته التراجيدية تلك إلى عالمه الفصامي الخاص، جماليات المتمرد، كما يسميها فيصل دراج. قد يسمي المثقف ذلك الهرب مقاومة كما يفعل دولوز وجوتاري، لكنه ليس سوى نوع آخر من الفصام. الإقامة في الجماليات، الفنون، أن نقاوم ما يحدث في سيناء بأغاني الشيخ إمام. إنها ليست مقاومة في الحقيقة، بقدر ما هي اعتراف بالتراجيديا غير القابلة للحل.

عندما يكون الخيار هو بين الحرب الأهلية وبين الاستبداد، بين العمالة وبين خوض حرب مع العالم بأسره، بين من يقتلك باسم فلسطين ومن يقتلك لأنك ترفض بيع فلسطين، هل من خيار سوى الفصام؟

هذه هي المراوحة التي تحكمنا اليوم، وجماليات المتمرد لا تزيدنا إلا فصامية، لكنها خير على كل حال من اللامبالاة. إنه خيار علي عزت بيجوفيتش: «بين الحزن واللامبالاة، سأختار الحزن».