عرف الفكر المسيحي -عبر تاريخه الطويل- ظهور مفهوم «سيادة الله – Sovereignty of God»، والذي اشتمل على العديد من النقاط السياسية والفكرية المهمة.

على الرغم من عدم ظهور هذا المفهوم -بشكل حرفي- في الثقافة الإسلامية التقليدية، إلا أن شطره الأول تقاطع مع العديد من القضايا الفكرية على الصعيد الكلامي- الفلسفي، ومنها على سبيل المثال، كلٍّ من: الجبر والاختيار، والصلاح والأصلح، ومعضلة الشر، وخلق أفعال العباد، والسببية. أما شطره الثاني فقد ظهر على الصعيد السياسي، من خلال النظرية السياسية التي عرفت واشتهرت تحت اسم الحاكمية.

جدل السلطة والحاكمية

 مفهوم الحاكمية، والذي يعني أن الله عز وجل هو الحاكم والملك الذي يجب أن يسير البشر جميعًا وفق شريعته وأحكامه، لم يرد بشكل صريح في القرآن والسنة النبوية، وفي ذلك قال المستشار حسن الهضيبي المرشد العام الثاني لجماعة الإخوان المسلمين فى كتابه «دعاة لا قضاة»: «ونحن على يقين أن لفظة الحاكمية لم ترد بأي آية من الذكر الحكيم، ونحن في بحثنا في الصحيح من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام لم نجد منها حديثًا قد تضمن تلك اللفظة فضلاً عن إضافتها إلى اسم المولى عز وجل».

رغم ذلك يمكن التأكيد على أن دلالات المصطلح قد ظهرت بشكل ضمني في سياق الكثير من الآيات القرآنية، ومنها على سبيل المثال ما ورد في الآية رقم 26 من سورة آل عمران «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». والآية رقم 105 من سورة النساء «إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا». والآية رقم 33 من سورة محمد «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ». والآية رقم 36 من سورة الأحزاب «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا». والآية رقم 40 من سورة يوسف «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ». والآية رقم 51 من سورة النور «إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».

 سيادة الله وحاكميته المطلقة، ظهرت أيضًا في العديد من أسماء الله الحسنى، ومنها على سبيل المثال: الملك، والمهيمن، والعزيز، والمتكبر، والقهار، والقابض، والباسط، والخافض، والرافع، والمعز، والمذل، والعظيم، والعلي، والمجيد، والمتعال، ومالك الملك.

كل ذلك دفع العديد من الباحثين للقول بسيادة الله المطلقة على المجتمع المسلم، ومن هؤلاء الباحث المصري الدكتور صبحي عبده سعيد، والذي ذكر في كتابه «شرعية السلطة والنظام في حكم الإسلام» بأنه «لا محل ولا مجال في ظل الإسلام ونظام الحكم فيه، أن تثار مسألة السيادة لمن تكون في المجتمع؛ لأن هذه السيادة تنعقد لله وحده ولا يجترئ إنسان أن ينازعه هذا الاختصاص».

تأكيد القول بسيادة الله على المجال العام، ظهر في شتى أشكال السلطة السياسية التي عرفها المسلمون عبر تاريخهم، إذ عملت السلطة الحاكمة على تقديم نفسها بوصفها امتدادًا للسلطة الإلهية بشكلٍ أو بآخر.

يظهر ذلك في سلطة الخلافة عند أهل السنة والجماعة، والتي عبّر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور عن قوة اتصالها بسيادة الله في قوله المعروف «السلطان ظل الله في الأرض» كما ظهر الأمر نفسه في النسق الشيعي الإمامي، والذي لطالما اعتبر أن الأئمة من أهل البيت هم الحبل الواصل بين السماء والأرض.

أيضاً نلاحظ أن السلطة في النسق الإسلامي -سواء كانت سلطة روحية أو زمنية- قد استمدت وجودها بالأساس من سلطة الله عز وجل نفسه، الأمر الذي ظهر في التفسيرات المتعددة للآية رقم 59 من سورة النساء «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ …» والتي فسرها أغلبية المفسرين على أن المقصود بأولي الأمر هنا هم (العلماء والأمراء)، وأن مصدر سلطتهم هو نفس مصدر سلطة الله والرسول.

من هنا لم يكن من الغريب أن تتقبل المجتمعات الإسلامية عبر القرون، وجود الإمام باعتباره خليفة للنبي في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وذلك بحسب ما يذكر أبو الحسن الماوردي المتوفى 450ه في كتابه «الأحكام السلطانية». ففي الوقت الذي أجمع فيه علماء المسلمين على وجوب قيام الإمامة، واستدلوا على ذلك بالأدلة الشرعية، فإننا نجد أن نفرًا قليلاً من هؤلاء العلماء، ولا سيما مِمَّن حملوا راية المعارضة السياسية، رفضوا القول بذلك، وقالوا إن الإمامة واجبة بالعقل لا بالشرع، بل وذهب بعضهم لعدم الحاجة إلى قيام الإمام/ الخليفة في بعض الأحيان، ومنهم الخارجي أبو بكر الأصم، الذي نُسب إليه القول المشهور «لو تكافّ الناس عن التظالم، لاستغنوْا عن الإمام».

عبد الكريم الشهرستاني شرح في كتابه «نهاية الإقدام في علم الكلام»، وجهة نظر الخوارج في تلك المسألة فقال:

«إن الإمامة غير واجبة في الشرع… بل هي مبنية على معاملات الناس، فإن تعادلوا وتعاونوا وتناصروا على البر والتقوى، واشتغل كل واحد من المكلفين بواجبه وتكليفه استغنوا عن الإمام ومتابعته، فإن كل واحد من المجتهدين مثل صاحبه في الدين والإسلام والعلم والاجتهاد، والناس كأسنان المُشط، والناس كإبل مئة لا تجد فيها راحلة، فمن أين يلزم وجوب الطاعة لمن هو مثله؟»

في الحقيقة يمكن فهم التأثير الكبير الذي لعبته وجهة النظر السنية التي بررت وجوب الإمامة بالشرع لا بالعقل، في تعطيل حركة تطور نظريات الاجتماع السياسي الإسلامي إذا ما تمت مقارنتها بمثيلاتها الغربية، ولا سيما تلك التي قامت على أساس فكرة العقد الاجتماعي، فبينما سارت النظرية الإسلامية في اتجاه القول بشرعية الحاكم الذي يمثل القوة الإلهية على الأرض، كانت النظريات الغربية تعطي هامشًا أكبر من الاعتبارية لإرادة الأفراد وحريتهم، الأمر الذي حُصدت ثماره فيما بعد مع اعتماد الأنظمة الديمقراطية الحديثة بديلاً عن الاعتقاد بالحق الإلهي للملوك.

 المماهاة بين سيادة الله من جهة وما انبثق عنها من صلاحيات للخليفة/ الأمير/ الإمام في الثقافة الإسلامية من جهة أخرى، تسبب في دعم وترسيخ حضور العقيدة الجبرية –التي روج لها الأمويون ومن بعدهم العباسيون- والتي أسهمت في تأكيد القول بأن الله هو الذي يُعطي السلطة لمن أراد، وبالتبعية فإن الحاكم يحكم بإرادة الله وبموافقته الكاملة. وفي هذا السياق ظهرت العديد من الأحاديث النبوية التي تؤكد على وجوب طاعة الحاكم، عادلاً كان أم مستبدًا، ومنها على سبيل المثال، ما أورده مسلم بن الحجاج في صحيحه «أسمع وأطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك…».

مِمَّا تجدر ملاحظته في هذا المقام، أن فكرة الجبرية لم تنتشر بين أحزاب المعارضة (الشيعة والخوارج)، كما أن مفهوم العدل الإلهي شهد اختلافًا واسعًا بين الفريقين -السلطة والمعارضة- مما يشي بحجم تأثير مفهومي الحاكمية والسيادة الإلهية وتفاعلهما المؤثر مع المفاهيم الكبرى في الثقافة الإسلامية.

الأثر الثاني المهم الذي نتج عن المماهاة بين سيادة الله وصلاحيات الحاكم، تهميش فاعلية وتأثير المعارضة السياسية، فرغم كل الروايات والنصوص القاطعة الدلالة والتي تضافرت على القول بأحقية أفراد المجتمع في التعبير عن آرائهم وضرورة الرجوع للشورى قبيل الإقدام على القرارات السياسية المهمة، فإننا سنجد أن مساءلة الحاكم ومحاسبته  ستأخذ –مع الوقت- شكلاً مختلفًا في الثقافة السنية التقليدية، والتي تشكلت حول دوائر السلطة، إذ ستصبح مساءلة الحاكم مرهونة بموافقة الحاكم نفسه، وفي ذلك يقول ابن عبد البر المتوفى 463ه في كتابه «الاستذكار»: «فلم يختلف العلماء في وجوبها –مناصحة الحاكم- إذا كان السلطان يسمعها ويقبلها».

وبينما ذهب البعض من العلماء إلى وجوب الشورى، استنادًا إلى قوله تعالى في الآية رقم 159 من سورة آل عمران «وشاورهم في الأمر»، والآية رقم 38 من سورة الشورى «وأمرهم شورى بينهم»، فقد استقر الرأي الغالب بين العلماء المسلمين، على أن أمر الشورى الوارد في الآيتين كان للندب وليس الوجوب، بما يعني أن «الشورى معلمة وليست ملزمة».

انبثاق المُحكّمة الأوائل في صفين

إذا ما حاولنا العمل على تأريخ الفترة التي ظهرت فيها فرقة الخوارج/ المُحكّمة الأوائل، فسنجدها متزامنة مع اندلاع الثورة ضد الخليفة الثالث عثمان بن عفان في سنة 35ه، وهي الثورة التي أسفرت عن مقتل الخليفة ومبايعة علي بن أبي طالب بالخلافة من بعده.

الثوار –الذين كان السواد الأعظم منهم من طبقة القراء المعروفين بالتدين والزهد والتقوى- أيدوا الخليفة الرابع في كل القرارات التي اتّخذها عقب استخلافه، وحاربوا معه في موقعة الجمل في عام 36ه، حيث وجدوا في تلك الحرب فرصة مناسبة للتعبير عن عصبيتهم وقوتهم من ناحية وإعلان تفوقهم على الحزب الأرستقراطي القرشي الذي كان يمثله كلٌّ من: الزبير بن العوام وطلحة بن عُبيد الله ومروان بن الحكم زعماء الجبهة المقابلة لهم من ناحية أخرى.

بعد النصر في معركة الجمل، استمرَّ القراء على موقفهم في موقعة صفين والتي حاربوا فيها معاوية بن أبي سفيان وجيوش الشام، في بدايات عام 37ه، حيث اعتقد هؤلاء أن عدوهم في صفين، إنما يمثل البقية الباقية من الطبقة الأرستقراطية الحاكمة، وإن تحقيق النصر في تلك الموقعة، إنما يضع الدولة الإسلامية على الطريق الصحيح، المتمثل في الاحتكام لقيم الإسلام الكبرى المنحصرة في المساواة والعدالة بغضِّ النظر عن التحزب للقبيلة أو العشيرة أو الشخوص.

ورغم اقتراب جيش العراق من الانتصار في تلك المعركة، إلا أن طلب جيش الشام بالاحتكام لكتاب الله ورفعهم للمصاحف على أسنة الرماح، قد جعل الكثير من قادة جيش علي يطالب باللجوء للتحكيم، إذ رفضوا استكمال المعركة رغم أوامره التي طالبتهم بمتابعة القتال، وذلك بحسب ما يذكر الكثير من المؤرخين، ومنهم على سبيل المثال، ابن جرير الطبري المتوفى 311ه في كتابه «تاريخ الرسل والملوك».

أمام الضغوط المتزايدة على الخليفة الرابع، لم يجد بدًّا من توقيف الحرب، وإعلان رضوخه لأمر التحكيم رغم عدم رضاه وعدم موافقته، وهنا حدث الانفصام والانشقاق الأول في جيش العراق، ففي الوقت الذي وافق فيه معظم الجيش على التحكيم وسعوا له سعيًا، كانت هناك فئة متمايزة تشذ عن الصف العراقي، وكان معظم أفراد تلك الفئة من طبقة القراء ومن بني تميم على وجه الخصوص، وذلك بحسب ما يذكر المستشرق الألماني يوليوس فلهاوزن في كتابه «أحزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الإسلام».

ووسط تلك الأجواء المضطربة، جهر أحد القراء -عروة بن أدية الحنظلي- بجملة «لا حكم إلا لله» وتبعه في ذلك عدد كبير من أقرانه، وسرعان ما ترك هؤلاء المعسكر العراقي وانفصلوا عن جيش الخليفة الرابع. هذا الانقسام الذي وقع بين جند العراق في موقع صفين، يُعدّ أول ظهور تاريخي واضح لمفهوم الحاكمية في التاريخ الإسلامي، والذي رفض أنصاره حكم البشر وطالبوا بتحكيم الله عز وجل نفسه.

هذا القسم الرافض للتحكيم، سيعرف فيما بعد بِاسم «المُحكّمة الأوائل»، وسيترك بعدها معسكر الخليفة الرابع، ليذهبوا ويعسكروا في منطقة حروراء، حيث سيقومون باختيار أحدهم –عبد الله بن وهب الراسبي- ليصبح أميرًا لهم، وسينقادون معه فيما بعد لقتال أهل العراق في موقعة النهروان سنة 38ه.

على الرغم من السمعة السيئة التي اشتهر بها المُحكّمة الأوائل في التاريخ الإسلامي، فإنه تجدر الإشارة إلى أن مفهومهم فيما يخص قضية الحاكمية كان سببًا لظهور واحد من أوائل الأنظمة السياسية القائمة على الشورى في التاريخ الإسلامي، وهو النهج الذي سيظل متبعًا في المذاهب المنبثقة من رحم أفكار المُحكمة، ومنها كل من الإباضية والصفرية والنجدات والأزارقة.

ابن تيمية والغزو المغولي لبلاد الشام

ارتبط اسم شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني كثيرًا بالحاكمية. الأمر الذي يمكن فهمه بالرجوع للفترة التاريخية الحرجة التي عاش فيها ابن تيمية، وهي النصف الثاني من القرن السابع والربع الأول من القرن الثامن الهجري.

وُلِد ابن تيمية في عام 661هـ/ 1263م، في مدينة ماردين الموجودة داخل حيّز منطقة حران الواقعة في الجزيرة الفراتية، جنوب تركيا الحالية، وقد تزامنت ولادته مع الاجتياح المغولي الكاسح لمنطقة الشرق الأدنى، وسقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية على يد قوات القائد المغولي هولاكو في 656هـ/ 1258م، وما تبع ذلك من وقوع أحداث قلقة متلاحقة، عانَى فيها أهل الشام والعراق من قسوة وشراسة المحتل، إذ فرَّ العديدُ منهم إلى المدن الشامية الأبعد عن أيدي التتار. ابن تيمية وجد نفسه في سِنِي عُمره الأولى، هاربًا مع أسرته إلى مدينة دمشق، وفيها تلقى علومه ومعارفه الدينية الأولى على يد أبيه وباقي أفراد أسرته، والتي كانت معروفة بمكانتها العلمية المتميزة.

يمكن القول إن الفترة التي عاش فيها ابن تيمية قد تزامنت مع عددٍ من التحديات الداخلية والخارجية القوية، الشديدة الوطأة، ومن أعظم تلك التحديات:

  • الغزو المغولي والصليبي.
  • الفتن الداخلية في الدول الإسلامية.
  • التعصب المذهبي وهيمنة التقليد الفقهي.
  • الصراع الطائفي.
  • حدوث صحوة دينية باطنية.

في وسط تلك العوامل الخمسة، كانت دولة المماليك التي فرضت سيطرتها على مصر وبلاد الشام، تمثل الكثير عند شيخ الإسلام، إذ اعتبرها الحصن الأخير للمذهب السني، وذلك بعدما تولى سلاطينها الدفاع عن بيضة الإسلام بجهادهم ضد المغول تارة والصليبيين تارة أخرى.

من هنا يمكن فهم أن مسألة الدفاع عن بلاد المسلمين، كانت هي السبب الرئيس في تصحيح حكم المماليك عند ابن تيمية، معتمدًا في ذلك على أدبيات التراث السني الذي يقرر شرعية إمارة التغلب والاستيلاء، وذلك على الرغم من افتقاد المماليك لصفات الحرية والنسب المشروطين لصحة الولاية العامة والإمامة.

الفقيه ابن تيمية، عمل على مكافحة أشكال البدع والكفر في عصره بشتى السبل الممكنة، ومنها، جهاده القتالي إبان مشاركته في الحملات المملوكية ضد شيعة كسروان خلال الفترة 699-700هـ/ 1299-1300م، وجهاده الدعوي، الذي تمثل في دعواته المتكررة للسلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون لرد الغزو المغولي على بلاد الشام، ولدعوته لأهل دمشق لقتال غازان خان وقواته، أما الشكل الثالث من أشكال جهاد شيخ الإسلام، فكان جهاده لإزالة صور البدع والمنكرات، وهو الشكل الذي «غلب على مسيرته وتسبب في إثارة خصومه المذهبيين».

النقطة الأخيرة تحديدًا وضحها المؤرخ ابن أيبك الصفدي في كتابه «أعيان العصر وأعوان النصر»، بقوله «وضيع –يقصد ابن تيمية- الزمان في رده على النصارى والرافضة، ومن عاند الدين أو ناقضه، ولو تصدى لشرح البخاري أو تفسير القرآن العظيم، لقلد أعناق أهل العلوم بدر كلامه النظيم»، وهو الأمر الذي علق عليه الباحث المصري المعاصر الدكتور هاني نسيرة في كتابه «متاهة الحاكمية»، مفسرًا تركيز ابن تيمية على ذلك النوع من الجهاد، بأنه يأتي «كاستجابة لتحديات عصره، وانتشار التأويل الباطني والكلامي».

أحد الأمور المستحدثة التي لجأ إليها العالم الحراني لتقسيم العالم إلى فريقين –مسلم موحد وكافر مبتدع- أنه قسّم التوحيد لثلاثة أنواع، وهي: توحيد الربوبية «ويُقصد به الإيمان بأن الله هو الخالق وأنه الرب صاحب النعم كلها»، ولا يترتب عليه إسلام حيث يشترك فيه المؤمنون والمشركون. وتوحيد الألوهية، وكان المقصود منه عند ابن تيمية «تمام لا إله إلا الله، بمعنى توحيد العبادة والطاعة والخضوع لله تعالى دون خلقه…». وأما النوع الثالث، فهو توحيد الذات والصفات، حيث يرى شيخ الإسلام «أنه لا يمكن أن توجد ذات خالية من الصفات، كما أن الذات الموصوفة لا تنفك عن الصفات».

مذهب ابن تيمية في تلك النقطة، ضرورة إثبات الصفات التي أثبتها الله لنفسه، والبُعد عن التعطيل والتشبيه والتمثيل والتكييف، والبُعد عن تأويل حقيقة الصفات.

أفكار وفتاوى ابن تيمية ستصير في العصر الحديث حجة ومرجعية للعديد من التيارات الإسلامية الراديكالية التي تدعو للحاكمية، ومن أهم النماذج على ذلك رسالة «الفريضة الغائبة» لمحمد عبد السلام فرج، والتي اعتمد مؤلفها على فتوى قتال التتار لابن تيمية، ومبادئ الولاء والبراء، والقاعدة التي تنصُّ على أن مواجهة العدو القريب أولى وأهم من مواجهة العدو البعيد.

محمد عبدالسلام فرج خلال محاكمته في قضية اغتيال السادات

عبد السلام فرج عمل على استدعاء ابن تيمية في كتاباته، في آراءٍ مُتناثرة تتعلق بالتتار وحكم موالاتهم، وعمل بعد ذلك على إسقاطها على الحالة المصرية بعد اتفاقية كامب ديفيد في 1978م، ويلاحظ الدكتور هاني نسيرة في «متاهة الحاكمية»، أن فرج في رسالته قد أهمل الفارق بين «الفتوى التي هي تاريخية التوجه لحادث ما في زمن ما، والحكم التأسيسي الذي يمتد لغير هذا الزمن».

من الجدير بالذكر هنا، أن نذكر أن أفكار ابن تيمية التي ناهضت المغول ودعت لقتالهم، كانت متأثرة بتوجهاته المذهبية، فالمغول الذين اعتنقوا الإسلام في تلك الفترة التاريخية، كانوا قد تمذهبوا بالمذهب الشيعي الإمامي، ومن ثم كان من الطبيعي أن ينهض العالم السني الرافض لكل البدع، والداعي لاعتناق الدين القويم، لمواجهتهم وتفسيقهم، مستعينًا في ذلك بالقول الداعي لتفسيقهم لكونهم يعتمدون في تشريعاتهم على قوانين «الياسق»، وهي قوانين قبلية وضعها جنكيز خان للمغول، وظلوا يعملون بمقتضاها حتى بعد اعتناقهم الإسلام.

حاكمية المودودي في شبه القارة الهندية

من المعروف أن رجل الدين الهندي المسلم أبو الأعلى المودودي المتوفى 1979م، أحد أهم المفكرين المسلمين الذين نظّروا للحاكمية في العصر الحديث.

أبو الأعلى المودودي
/

المودودي صنّف العديد من الكتابات التي دعا فيها لفكر الحاكمية، وكان من بين ما كتبه فيها «السلطة العليا المطلقة ليست إلا لله»، و«حُكم الله ورسوله في عين القرآن، وهو القانون الأعلى الذي لا يملك المؤمنون إزاءه سوى اختيار سبيل الطاعة والانصياع، فلا يحق لمسلم أن يصدر من نفسه حكمًا في أمر صدر من الله ورسوله فيه حكم، والانحراف عن حكم الله ورسوله نقيض الإيمان وضده»، و«يختلف الإسلام عن الجاهلية، لأنه قائم على الحاكمية لله فيما الثاني قائم على الحاكمية للإنسان».

أما في كتابه المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم، وهو أحد أهم كتب المودودي التي تظهر فيها دعوته للحاكمية «الإله» و«الربّ» و«الدين» و«العبادة» هي أساس المصطلح القرآني وقوامه، والقطب الذي تدور حوله دعوة القرآن، فجميع ما يدعو إليه القرآن الكريم هو أنّ الله سبحانه وتعالى هو الإله الواحد الأحد والرب الفرد الصمد، لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه، ولا يشاركه في ألوهيته ولا في ربوبيته أحد، فيجب على الإنسان أن يرضى به إلهًا وأن يتّخذه دون سواه ربًّا، ويكفر بألوهية غيره ويجحد ربوبية من سواه، وأن يعبده وحده ولا يعبد أحدًا غيره، ويخلص دينه لله تعالى ويرفض كل دين غير دينه سبحانه».

إذا ما حاولنا العمل على فهم تلك الاقتباسات في سياقها التاريخي، سنجد أنها مُبرّرة إلى حدٍّ بعيد، إذ إنها جميعًا قد صدرت عن المودودي قبل تقسيم القارة الهندية، وكان المسلمون في تلك الفترة يمثلون أقلية عددية قياسًا بالأعداد الإجمالية للهندوس، ومن ثم كان من الصعب أن يستفيد المسلمون من الديمقراطية الشعبية التي دعت إليها الأحزاب الهندية القومية.

المودودي الذي رفض انصهار الأقلية المسلمة في الأغلبية الهندية، رفض فكرة القومية الهندية، مستجيبًا للحراك الداعي لإحياء فكرة الخلافة الإسلامية، وفي تلك الأجواء، كتب المودودي فى الإسلام والمدنية الحديثة «إني أقول للمسلمين بصراحة إن الديمقراطية القومية العلمانية تعارض ما تعتنقون من دين وعقيدة… ولا انسجام بينهما في أمر مهما كان تافهًا، لأنهما على طرفي نقيض».

أفكار المودودي اختلفت بشكل كبير بعد تقسيم القارة الهندية، وتأسيس دولة باكستان الإسلامية سنة 1947م، ورحيله إليها، إذ نجده ينادي بالديمقراطية ويعدها السبيل الأمثل للوصول للسلطة، إذ يقول في كتابه واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم، راسمًا الطريق الأمثل للتغيير، يقول:

«أما كيف يتأتى هذا التغيير؟ فليس له من سبيل في نظام جمهوري إلا السعي في الانتخابات، وذلك أن نربي الرأي العام في البلاد ونغير مقياس الناس في انتخابهم لممثليهم، ونصلح طريق الانتخاب ونطهرها من اللصوصية والغش والتزوير، ثم نسلم مقاليد الحكم والسلطة إلى رجال صالحين يحبون ويقدرون أن ينهضوا بنظام البلاد على أسس الإسلام الخالص، ومن حسن حظنا أن قرار مبادئ الدستور قد أزاح من طريقنا جميع العقبات الدستورية التي كانت تحول إلى الآن بيننا وبين اختيار هذا الطريق…».

من هنا يُمكن فهم الأسباب التي دعت المودودي لتغيير أفكاره فيما يخص الحاكمية والمشاركة في الحراك الديمقراطي، فإذا كان قد شدد على رفضه النظام الانتخابي الديمقراطي في الهند قبل التقسيم لتأكده من عدم قدرة الكتلة المسلمة من تحدي الأغلبية الهندية، فإن رأيه قد تغير بالكلية عقب إقامة الدولة الباكستانية التي رفعت راية الشريعة الإسلامية.

الجاهلية وأستاذية العالم عند سيد قطب

سيّد قطب، هو مفكّر وكاتب وأديب ومنظّر إسلامي مصري معروف، كان عضوًا في مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين ورئيس سابق لقسم نشر الدعوة في الجماعة، ورئيس تحرير جريدة الإخوان المسلمين.

خاض قطب مع جماعة الإخوان الكثير من أوجه نشاطهم السياسي الذي تمَّ استكماله مع قيام ثورة الضبّاط الأحرار منذ عام1952م إلى عام 1966م، عندما تمَّت محاكمته بتهمة التآمر على نظام الحكم وصدور الحكم بإعدامه.

المفكر الإسلامي سيد قطب

مرَّ سيّد قطب بمراحل عديدة في حياته، فبدأ حياته أديبًا وعُرف بتأثره الشديد بالمفكّر الكبير عبّاس محمود العقاد، ثمَّ تغيَّرت بوصلته الفكريَّة بتوجُّهه الإسلامي، عندما انضمَّ إلى جماعة الإخوان المسلمين، فشارك في المجال السياسي حتى صار رائد الفكر الحركي الإسلامي أو ما يُعرف بالقطبيَّة، وهذه المرحلة هي التي يعرفه الناس بها حتّى اليوم.

في كتابه الشهير «معالم في الطريق»، وضَّح قطب أفكاره حول مفهوم الحاكمية، الذي اقتبسه مما كتبه المودودي في كتابه المصطلحات الأربعة. في بداية الكتاب يشنّ سيّد قطب هجومًا حادًّا على كلٍّ من الاشتراكيَّة والرأسماليَّة، حيث يؤكّد إفلاسهما وعدم قدرتهما على تقديم القيم التي تحتاجها المجتمعات البشريَّة المعاصرة. إذ يقول:

«إنَّ قيادة الرجل الغربي للبشريَّة قد أوشكت على الزوال… لا لأنَّ الحضارة الغربيَّة قد أفلست ماديًّا أو ضعفت من ناحية القوَّة الاقتصاديَّة والعسكريَّة…، ولكن لأنَّ النظام الغربي قد انتهى دوره، لأنَّه لم يعد يملك رصيدًا من القيم يسمح له بالقيادة».

ومقابل هذا الإفلاس يبشّر قطب بأنَّ الإسلام هو الوحيد المؤهَّل لامتلاك قيادة البشريَّة في المستقبل، ويعلّل ذلك بامتلاكه كلٍّ من القيم والمناهج المناسبة. ولأجل هذا كان عليه أن يؤكّد أنَّ الإسلام لا يتنكَّر للإبداع المادي الذي كان محور الأيديولوجيّة الغربيّة، وسبْب تقدّم الغرب تقنيًّا. ولكنَّ الإبداع الماديّ في نظره يبقى مجرّد وظيفة فرعيّة، من بين وظائف الإنسان وفق المنهج الإسلامي، فأمّا وظيفة الإنسان الرئيسة فهي أنّه «خليفة لله في الأرض».

ولمَّا كانت كلّ عقيدة أو أيديولوجيَّة تحتاج إلى وسط معيَّن، لتستطيع من خلاله أن تعبّر عن نفسها وتؤكّد وجودها وتفوّقها، فإنَّه من الضروري -بحسب قطب- أن يتمَّ إعادة إحياء المجتمع المسلم والأمَّة المسلمة من جديد، حتّى يتمَّ تقديم نموذج إسلاميّ يصلح لأستاذيَّة العالم يثبت حقيقة تفوُّق الأيديولوجيَّة الإسلاميَّة على غيرها من الأيديولوجيَّات والأفكار الأخرى السائدة.

مبادئ الحاكمية تظهر بشكل واضح فيما ذكره قطب من أنَّ النموذج الإسلاميَّ القويم الذي ينادي بتحقيقه لا ينحصر في قوم يدَّعون أنَّهم مسلمون، ولا في أرض جرى تعريفها بأنَّها أرض مسلمة، إنَّما هو نموذج يتمثل في اجتماع بشريّ، قوامه الإسلام في كلّ مناحي حياتهم الرّوحيَّة والماديَّة. إنَّه «جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوُّراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلّها من المنهج الإسلامي».

 من هنا، فإن قطب يُعيد تقديم وعرض مفهوم الجاهليَّة القرآنيّ، ليحوّله من وضعيَّة تاريخيَّة إلى حالة حضاريَّة متكرّرة كلّما استقلَّ البشر عن حكم اللّه ومنهاجه في تسيير حياتهم. وفي هذا السياق، يأتي حديثه في هذا الكتاب عن «مصطلح الجاهليَّة»، الذي يُعدُّ أحد أهمّ المصطلحات التي عرفها خطابه الفكري في هذا الكتاب وغيره من الكتب والمؤلفات، فما مدلول هذا المصطلح في نظره؟

كتاب «معالم في الطريق» – سيد قطب

يتبيَّن هذا المدلول من خلال الشروحات والأقوال التالية التي تقرن هذا المصطلح بمصطلح آخر له الأهميَّة نفسها في الخطاب القطبيّ هو «مصطلح الحاكميَّة». يقول قطب: إنَّ الجاهليَّة وضع للعالم أجمع من ناحية «الأصل الذي تنبثق منه مقوّمات الحياة وأنظمتها»، إنَّه وضع يقوم على المعاداة الصريحة لحاكميَّة الله، وذلك عن طريق إسناد صفة الحاكميَّة للبشر من دون الله.

فالجاهليَّة إذن -بحسب قطب- كلّ وضع إنسانيّ لا تكون فيه الحاكميَّة للّه، بصرف النظر عن المظاهر الخارجيَّة لهذا الخروج عن حاكميَّة اللّه. ولذا فوضع الجاهليَّة الآن ليس صورة مطابقة لوضع الجاهليَّة السابق للرسالة في مظاهره الخارجيَّة، فإذا كانت الجاهليَّة الأولى في العصور السابقة قد أعطت للبشر شكلاً من أشكال الألوهيَّة والربوبيَّة البدائيَّة الساذجة، فإنَّ جاهليَّة اليوم قد أخذت صورًا أكثر تركيبًا وتعقيدًا، بما منحته للبشر من حقٍّ في «وضع التصوُّرات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة، وفيما لم يأذن به الله».

بهذا التفسير، يتحمَّل مفهوم الجاهليَّة بدلالة جديدة تخرجه من مجرَّد الدلالة السلبيَّة على وضع عدم الاحتكام لشرع اللّه، إلى دلالة إضافيَّة أخطر وأعمق، إذ يصبح المفهوم ذا مدلول إيجابيّ يمثّله كلُّ احتكام لشرعٍ غير الشرع الإلهيّ، هو شرع العقل والفكر الإنسانيّ المستقلّ بنفسه، ممَّا يسمّيه قطب تصوُّرات ماديَّة للحياة. من هذا المنظور لا إفلات من وضع الجاهليَّة في نظر قطب إلّا بالاحتكام إلى الإسلام في كلِّ مناحي الحياة، فالإسلام وحده دون جميع الأيديولوجيَّات الأخرى هو المُحرِّر من الجاهليَّة، بما أنَّه يبشّر بعبادة الله وحده، والتلقي من الله وحده، والخضوع لله وحده. وهو بذلك مُتفرِّد بتحرير جميع البشر من الاستعباد والخضوع لبعضهم بعضًا.

ولعلَّ شرح سيّد قطب لنشأة المجتمع المسلم وخصائصه سائر في هذا الاتجاه أيضًا، أي اتّجاه التأكيد على ضرورة هيمنة حكم الشريعة سياسيًا. ففي هذا السياق يرى سيّد قطب أنَّ هدف الدّعوة الدينيَّة على مدار التاريخ كان منحصراً في «تعريف الناس بإلههم الواحد، وربّهم الحق، وتعبيدهم لربّهم وحده ونبذ ربوبيَّة الخلق». فجميع الناس محكومون بقوانين فطريَّة لا يمكن الحياد عنها أو استبدالها، فيما يخصُّ النشأة والنموّ والصحَّة والمرض والحياة والموت، هذه قوانين فطريَّة نظريَّة وضعها اللّه فيهم، ولكن عليهم أن يعملوا على تنفيذ الشقّ الآخر من القوانين الإلهيَّة التي تختصُّ بـ(الجانب الإراديّ) في حياتهم، وذلك عن طريق تحكيم شريعة الله في جميع الأمور، فعن طريق ذلك سوف يحدث تنسيق وانضباط ما بين الجانبين (الفطريّ والإراديّ)، وهو ما سوف يؤدّي بالتبعيَّة لسعادة البشريَّة وخيرها.

مفهوم الحاكمية عند قطب سيحيله لتكفير أغلبية المسلمين، عندما يقول إن المسلمين في العالم المعاصر هم مسلمون من الناحيَّة النظريَّة فحسب، وشهادة لا إله إلّا الله نظريَّة فيهم، ولا يمكن تأكيدها إلّا بواسطة الامتثال التام والطاعة المطلقة لأوامر الله ونواهيه والاحتكام لشريعته واقعيًا وعمليًا، وما دون ذلك ليس أكثر من «هويَّة نظريَّة مجردَّة».

بعدها تناول قطب موقف الإسلام من الآخر المخالف له في الدين والعقيدة، فأكّد على «أنَّه لم يكن من قصد الإسلام قط أن يُكره الناس على اعتناق عقيدته… ولكنَّ الإسلام ليس مجرَّد عقيدة، إنَّ الإسلام، كما قلنا، إعلان عام لتحرير الإنسان من العبوديَّة للعباد، فهو يهدف ابتداء إلى إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكميَّة البشر للبشر وعبوديَّة الإنسان للإنسان، ثمَّ يطلق الأفراد بعد ذلك أحرارًا -بالفعل- في اختيار العقيدة التي يريدونها بمحض اختيارهم».

وعلى هذا الأساس فإنَّ قاعدة أن يكون الدّين كلّه للّه تفرض على المسلمين جميعًا في نظر قطب أن يجاهدوا شرقًا وغربًا لتحقيق الحاكميَّة المطلقة، وبهذا يكون مدلول الدّين أوسع وأشمل من مدلول العقيدة. ففي وسع الآخر أن يعتنق عقائد مسيحيَّة أو يهوديَّة، ولكن لا يُسمح له أن يرتضي أن يُحكم وفق دين/ أيديولوجيَّة غير تلك المنبثقة عن الدّين الإلهي القويم.

مما تجدر ملاحظته حول تطور مفهوم الحاكمية عند سيد قطب، أن تناول المفكر المصري لهذا المفهوم قد وقع في سياق صراع شرس بين الأيديولوجيا الدينية الممثلة في جماعة الإخوان المسلمين من جهة، والأوليجاركية العسكرية التي تمكنت من الانقلاب على الملكية وتولي الحكم في مصر من جهة أخرى. في خضم هذا الصراع، أخذ قطب بأفكار المودودي وطورها، وربطها بمفاهيم الاستعلاء وأستاذية العالم والجاهلية، وعمل على ربط تلك الشبكة المفاهيمية المعقدة بمجريات الصراع السياسي الدائر على الأرض.

آية الله الخميني وولاية الفقيه

آية الله روح الله الخميني الموسوي، هو رجل دين ومفكر وسياسي شيعي ولد في 1902م، وتدرج في المناصب الدينية حتى وصل إلى منصب آية الله الكبرى، بما يرسّمه واحدًا من أهم المرجعيات الدينية الشيعية. في ستينيات القرن العشرين، قاد الخميني الاحتجاجات ضد سياسات الشاه محمد رضا بهلوي، مما عرضه للنفي خارج إيران، ومن منفاه الأخير في باريس دعا جموع الشعب الإيراني للثورة على النظام الشاهنشاهي، الأمر الذي تحقق بالفعل في 1979م، ليعود الخميني مرة أخرى إلى طهران، ويشغل منصب القائد الأعلى للثورة الإسلامية –وهو المنصب الأهم في إيران بعد الثورة- إلى أن يتوفى في 1989م.

الإمام الخميني يخطب في ندوة دينية بعد وصوله إلى طهران، وبجواره علي خامنئي المرشد الحالي للثورة الإيرانية

الخميني قدّم نظرته الخاصة لمفهوم الحاكمية في كتابه «الحكومة الإسلامية»، والذي تألّف من مجموعة من الدروس الفقهية التي ألقاها الخميني على طلبته في النجف الأشرف، تحت عنوان ولاية الفقيه، في أواخر سنة 1389ه/ 1969م، وذلك إبان فترة نفيه إلى العراق، إثر مشاركته في عدد من الفعاليات الاحتجاجية ضد ممارسات السلطة الشاهنشاهية في إيران.

في هذا الكتاب عمل الخميني على الانطلاق من مبدأ حاكمية الله، ليصل إلى اثبات نظريته الداعية لولاية الفقيه.

يقول الخميني في كتابه «ولاية الفقيه فكرة علمية واضحة، قد لا تحتاج إلى برهان… ولكن وضع المجتمع الإسلامي، ووضع مجامعنا العلمية على وجه الخصوص، يضع هذا الموضوع بعيدًا عن الأذهان، حتى لقد عاد اليوم بحاجة إلى البرهان».

بعدها يبدأ الخميني في وضع تصور عام للشريعة الإسلامية المحددة والمقيدة بالقوانين الإلهية، فيقول «ففي الوقت الذي كان يسيطر فيه الظلام على بلاد الغرب… آنذاك وضع الله قوانين صدع بها النبي الأعظم محمد (ص) ليولد في ظلها الإنسان. لكل شيء آداب وقوانين. ومن قبل تكون الإنسان، وإلى حين نزوله في حفرته، وضعت له قوانين تحكمه. ورسمت العلاقات الاجتماعية، ونظمت الحكومة، إلى جانب ما رسم من وظائف العبادات… وهكذا يكون الإسلام قد عالج كل موضوع في الحياة، وأعطى فيه حكمه…».

ويستطرد الخميني، فيقول إن الخليفة من بعد الرسول كان هو مُنفِّذ الأحكام الشرعية، ويحتج هنا بالعقائد الشيعية الإمامية الاثناعشرية التي تثبت الاختيار الإلهي لمنصب الإمامة، فيقول إنه لما كان اختيار الخليفة بأمر من الله «فاستمرار الحكومة وأجهزتها وتشكيلاتها، كل ذلك بأمر من الله أيضًا».

وتأسيسًا على القاعدة المتعارف عليها بين جميع المسلمين، والتي تذهب إلى أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، فإنه يلزم بالتبعية تطبيق أحكامه وتنفيذها إلى الأبد، ومن هنا فلا يتصور أن يتم تعطيل الحدود، أو ترك القصاص، أو توقف جباية الأموال، ولا سبيل إلى تحقيق كل هذا إلا بقيام حكومة إسلامية.

وبعد أن أثبت الخميني لزوم العمل على إقامة الحكومة الإسلامية، فإنه يبدأ في تعريفها وتوضيح أهم سماتها، ويحدد تلك السمات في ثلاث نقاط:

  • أنها غير مطلقة السلطة، فهي تعتمد بالأساس على نظام الشورى.
  • أنها حكومة دستورية، فهي مُقيدة بمجموعة من الشروط الواردة في القرآن والسنة.
  • تنحصر سلطة التشريع فيها بالله عز وجل وحده دونًا عن البشر.

ومن هنا، فإن الحكومة الإسلامية التي يطالب الخميني بتأسيسها هي «حكومة القانون الإلهي». أما فيما يخصُّ الحاكم والمُشرِّع في تلك الحكومة، فيظهر مفهوم الحاكمية كأوضح ما يكون في مقالة الخميني «فالحاكم هو الله وحده، وهو الشرع وحده لا سواه، وحكم الله نافذ في جميع الناس، وفي الدولة نفسها…».

ولكن كيف نوفق بين تصور الخميني عن الحكومة الإلهية من جهة، والسبيل إلى تحقيقها وتأسيسها في الزمن الحاضر من جهة أخرى؟

بحسب المعروف في المذهب الشيعي الإمامي الإثناعشري -والذي يُمثّل الخلفية الفكرية والعقائدية لخطاب الخميني- فإن الأئمة هم الحبل الواصل بين السماء والأرض، وهم المختارون من قبل العناية الإلهية لتنفيذ إرادة الله وخطته في الدنيا، ولكن الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري دخل في طور الغيبة سنة 329ه، وساد بين الشيعة الإمامية القول بتخطئة المشاركة في السياسة وأمور السلطة والحكم، انتظارًا منهم لظهوره، والذي سيتزامن -بحسب العقائد الإمامية- بانتصار الخير والحق على قوى الظلام، وبتأسيس الدولة العادلة على الأرض.

الكثير من الأحاديث والروايات المنسوبة للأئمة، حرّمت إقامة دولة شيعية قبيل ظهور المهدي المنتظر. الأمر الذي وقف كحجر عثرة أمام تطوير كيان سياسي شيعي إمامي.

يقول الخميني في كتابه موضحًا الإشكال المتصل بتلك المسألة، ورابطًا إياه بمجموعة من الأسئلة المتصلة بطبيعة الحياة والدين:

«اليوم –في عهد الغيبة- لا يوجد نص على شخص معين يدير شؤون الدولة، فما هو الرأي؟ هل نترك أحكام الإسلام مُعطلة؟ أم نرغب بأنفسنا عن الإسلام؟ أم نقول إن الإسلام جاء ليحكم الناس قرنين من الزمان فحسب ليهملهم بعد ذلك؟ أو نقول إن الإسلام قد أهمل أمور تنظيم الدولة ونحن نعلم أن عدم وجود الحكومة يعني ضياع ثغور المسلمين وانتهاكها، ويعني تخاذلنا عن حقنا وعن أرضنا. هل يسمح بذلك في ديننا؟ أليست الحكومة ضرورة من ضروريات الحياة؟»

يردُّ الخميني على كل ما سبق، بأنه من اللازم اختيار شخص ما لينوب عن الإمام الغائب في مهامه، وذلك حتى لا تتعطل مصالح المسلمين، وحتى لا يتمكن أعداؤهم من التغلب عليهم. ورغم عدم وجود أي نص شرعي يحدد شخصية هذا النائب، فإن الخميني يذهب أن السمتين الرئيستين الواجب توافرهما في الحاكم –العلم بالقانون والعدالة- متوافرتان الآن في معظم فقهاء الشيعة في هذا العصر «فإذا أجمعوا أمرهم –يقصد فقهاء الشيعة- كان في ميسورهم إيجاد وتكوين حكومة عادلة منقطعة النظير».

ويُحدِّد الخميني صلاحيات هذا النائب، الذي سيحكم في زمن غيبة المهدي، فيذكر موضحًا في واحد من أهم المقاطع في الكتاب كله «وإذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي (ص) منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا، ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول (ص) وأمير المؤمنين (ع) على ما يمتاز به الرسول والإمام من فضائل ومناقب خاصة…».

 معنى كل ما سبق، أن الخميني الذي انطلق في بحثه من الاعتراف المطلق بفكرة الحاكمية، قد خلص في النهاية لضرورة تولي أحد الفقهاء لمنصب الإمامة المؤقتة، لحين ظهور المهدي.

هذا المقترح سيتحقق فعلاً في عام 1979م، عقب انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وإطاحتها بحكم الشاه البهلوي. إذ سيتولى الخميني مقاليد الأمور في إيران، وسيصبح نائبًا للإمام المنتظر، وهكذا ستحل نظرية ولاية الفقيه إشكالاً كبيرًا في العقل السياسي الشيعي، وتكون آخر التجليات الكُبرى لـ«الحاكمية» في الفكر الإسلامي ككُل.