في حلقة أمس الأول، 16 يناير/كانون الثاني 2018، من برنامجه «كل يوم» ظهر علينا السيد عمرو أديب، وقد تفتق ذهنه عن فكرة عبقرية، فكرة ادعى صاحبها أنها قد تبدو ساذجة، وأود أن أؤكد له أنها بالفعل كذلك، وليعذرني السيد عمرو أديب فيما سيرد في هذا التقرير، إذ إننى سأحاول أن آتى على كلامه جملة، لنرسم الصورة كاملة أولاً، ولنوضح بعض الحقائق التي غابت عن الرجل، وهو بصدد حديثه ثانيًا.

استهل السيد عمرو أديب حديثه قائلًا إن الدين العام بلغ 80 مليار دولار، وهي أول سقطة للرجل، إذ إن المقصود هو الدين الخارجي فقط، وليس الدين العام ككل، إلا أن الرجل معذور فلم يُبيّن الخبر الذي نقل عنه إذا ما كان الرقم يمثل الدين العام ككل أم الدين الخارجي فقط، هذه هي السقطة الأولى، أما الثانية فهي أن الدين الخارجي سجل 79 وليس 80 مليار دولار بنهاية يونيو/حزيران 2017، وفقاً لآخر تقرير رسمي صادر عن وزارة المالية، وكذلك عن البنك المركزي، قد يرى البعض أن هذا تعنت لكنه ليس كذلك، فالفارق مليار دولار، أي حوالي 18 مليار جنيه مصري، وعندما يتعلق الأمر بالاقتصاد فعليك أن تتحرى الدقة جيدًا قبل أن تتفوه بأي رقم.

هذا على سبيل التقديم، ليس إلا، دعنا الآن ندخل في صميم الموضوع، ما هي قصة الدين الخارجي؟ وكيف سجل هذا الرقم الضخم؟


القصة من بدايتها

خرجت مصر من الحرب العالمية الثانية وديونها الخارجية صفر، بل إنها كانت دائنة صافية لبريطانيا بـ 430 مليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ ضخم في ذلك الزمان، استمر الحال على ذلك حتى عام 1958.

عبد الناصر شابٌ يافع يراوده حلم التصنيع والاعتماد على الذات، الصناعة تحتاج إلى استيراد الآلات والمعدات وغيرها من السلع الوسيطة، كما أنها تحتاج الكهرباء، وهو ما دفع ناصر إلى بناء السد العالي بقرض روسي، من هنا وضع عبد الناصر البذور الأولى للقروض الخارجية في تربة الاقتصاد المصري، لتأتي حرب 1967 وتزيد الطين بلة، زيادة الإنفاق العسكري في سنوات الحرب أدت، بالإضافة إلى أعباء خدمة الديون المدنية السابقة، إلى تورط مصر في مزيد من الاقتراض.

توفي عبد الناصر عام 1970 مُخلفًا وراءه دينًا خارجيًا (بخلاف الديون العسكرية التي قدرها البعض بـ 3 مليارات دولار) بلغ نحو 1.6 مليار دولار[1]، إلا أن الدين الخارجي خلال الحقبة الناصرية كان فريدًا من نوعه، ولا يمكن مقارنته بالديون التي تراكمت في أي فترة تالية، كونه كان موجهًا لأغراض إنتاجية مدرة للدخل وليست استهلاكية. ولكن قبل أن نستكمل، ما علاقة كل ذلك بحديث السيد عمرو أديب؟ الإجابة على هذا السؤال تتمثل فيما قاله الرجل:

هذه العبارة التي لم يلق صاحبها لها بالًا تحتم علينا أن نتتبع أوجه إنفاق هذه القروض؛ لنتبين جدواها، وما مدى حاجة مصر والمصريين لها؟ وهل كان للمصريين رأي أصلًا؟ بمعنى هل تم الاقتراض في أجواء ديمقراطية تمارس فيها السلطة التشريعية دورها المنوط بها بحرية، وبالتالي نستطيع أن نُحمّل المصريين تكلفة هذه القروض؟

على مدى تاريخهم الحديث كانت عمليات الاقتراض الخارجي دومًا تعبيرًا عن رؤية فردية للحاكم، سواء في عهد إسماعيل الذي انتهى به الاقتراض إلى التدخل الأجنبي في مصر، أو في عهد عبد الناصر والسادات مرورًا بمبارك ووصولًا إلى السيسي.

وعلى الرغم من نبل هدف عبد الناصر فإن الوسائل كانت قاصرة، بمعنى أنه اعتمد على القروض الخارجية لتمويل صناعة موجهة بشكل أساسي للسوق المحلي وليس التصدير (الاكتفاء الذاتي والإحلال محل الواردات)، مكمن الخلل هنا هو تمويل مدخلات الصناعة بالدولار وبيع المنتج للسوق المحلى بالجنيه، وبالتالي عجزت الصناعة عن تمويل نفسها بنفسها، وأصبحت عبئًا على ميزان المدفوعات، وأدت إلى مزيد من الاستدانة.


انفتاح «سداح مداح»

بين تمويل الحرب وتمويل الصناعة الناشئة غرس عبد الناصر بذرة الاستدانة، ثم أتى السادات ليوفر للبذرة مناخًا يساعدها على النمو بشكل متسارع، وأقصد هنا الانفتاح الاقتصادي الذي وصفه الكاتب الصحفي الراحل أحمد بهاء الدين بالسداح مداح.

وسط أضواء النصر المبهرة وأقواسه العالية لم يكن متصورًا أن يتحرك موكب السادات خالي الوفاض وسط شعب وجيش صمد وقاتل بشراسة لاسترداد أرضه المحتلة منذ ست سنوات كاملة، فقام السادات بتحرير التجارة الخارجية بشكل مفاجئ، وساد نوع من الاستيراد الاستهلاكي، أي ذلك الذي يخدم أغراضًا استهلاكية بالأساس وليست إنتاجية، وما ساعد على تأزم الموقف في السنوات الأولى من عهد السادات هو ارتفاع أسعار واردات مصر من القمح بمعدل أسرع من زيادة أسعار صادراتها من القطن.

ففي الوقت الذي تضاعف فيه سعر القمح أربع مرات بين عامي 1970 و1975 لم ترتفع أسعار القطن إلا بنحو ضعفين فقط خلال الفترة نفسها، معنى ذلك أن طن القطن كان يجلب لمصر عام 1975 أقل من نصف كمية القمح التي كان يجلبها عام 1970. استعان السادات على تمويل هذه الفجوة بالاقتراض الخارجي.

وإذا أضفنا إلى ذلك أعباء التعمير وترميم البنية التحتية المدمرة في أعقاب حرب 1973، نجد أن الدين الخارجي المدني (بخلاف الدين العسكري) قفز من 1.6 مليار دولار عام 1970 إلى 14.3 مليار دولار عام 1981.[2]

تفاقم أعباء الدين الخارجي خلال فترة السادات مرده سياسة الانفتاح التي أدت إلى زيادة الواردات بلا ضابط ولا رابط، وبشكل يفوق موارد مصر من العملات الأجنبية، كذلك تمويل الإنفاق العسكري ومشروعات البنية التحتية بقروض خارجية قصيرة الأجل (مدتها عام واحد)، وبأسعار فائدة مرتفعة للغاية تصل إلى 19% في بعض الأحيان، وهي ليست من نوع المشروعات الذي يُمول بالاقتراض الخارجي.[3]


مبارك وعصر الخصومات الجبارة

حرص مبارك على استكمال ما بدأه سلفه من مشروعات البنية التحتية وإعادة تشغيل ما تعطل من مشروعات خلال السنوات السابقة، واستمر الاقتراض الخارجي بنفس المعدل المرتفع ليسجل حوالي 50 مليار دولار عام 1991.[4]

مصائب قوم عند قوم فوائد، هكذا يمكن توصيف غزو العراق للكويت عام 1991، رعونة صدام حسين صبت في صالح مصر، اتخذت مصر موقفًا مساندًا للكويت، كما أنها شرعت في تنفيذ برنامج للإصلاح الاقتصادي، وهو ما مكنها من الحصول على خصومات ضخمة من الدائنين، فتم إلغاء حوالي 50% من الدين الخارجي خلال تلك الفترة، لينخفض إلى 28 مليار دولار عام 1998.[5]

عيش حرية عدالة اجتماعية، بهذه الهتافات انتهي عصر مبارك، تاركًا الدين الخارجي في حدود 34 مليار جنيه في يونيو 2010.[6]


الدين الخارجي منذ الثورة حتى الآن

ما إحنا كمان جوه الدولة، والفلوس دي في النهاية اتصرفت علينا أو هتتصرف علينا.

ارتفع الدين الخارجي بنسبة 132% منذ يونيو/حزيران 2010 ليسجل 79 مليار دولار في يونيو/حزيران 2017 على نحو ما ذكرنا أعلاه. طريقة توظيف الدين الخارجي لم تختلف بشكل كبير خلال تلك الفترة عن الفترات السابقة.

المشهد منذ الثورة يبدو معتمًا، إيرادات السياحة في تراجع بسبب الهجمات الإرهابية المتكررة التي تضرب مصر من حين لآخر، وإيرادات قناة السويس لم تنج هي الأخرى في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي الذي يعني تراجع حركة التجارة، ومن ثَمَّ انخفاض عدد السفن المارة بالقناة، كما استمر عجز ميزان المدفوعات والموازنة العامة، بالإضافة إلى تدهور قيمة الجنيه، كل هذه المتغيرات أدت إلى تسارع معدلات الاقتراض الخارجي مرة أخرى.

ولكن مرة أخرى، كان الاقتراض قرارًا فرديًا في معظم الأحيان، وانعدمت أي رقابة برلمانية على كيفية توظيف هذه القروض، إذ تم توجيه جزء منها لدعم الاحتياطي النقدي للبلاد، والجزء الآخر ينفق على الأجور والمرتبات واستثمارات البنية التحتية وغيرها (تمويل عجز الموازنة)، ولم يتم توجيه هذه القروض إلى مشروعات إنتاجية توفر عائدات دولارية يمكن من خلالها سداد هذه القروض في المستقبل من ناحية وتوفير فرص عمل منتجة ودائمة من ناحية أخرى.

وفي ظل احتضان السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية وعدم وجود حوار مجتمعي شفاف حول شروط الاقتراض الخارجي وكيفية توظيف هذه القروض ليكون المواطن في القلب من عملية التنمية، لا يجوز بأي حال من الأحوال أن نطالب المواطن بسداد نصيبه منها.

وكان حريًا بالسيد عمرو أديب أن يطالب الحكومة بمزيد من الشفافية، لنعرف مدى الحاجة الحقيقية لهذه القروض؟ كان حريًا به أن يطالب الدولة بالكف عن الاستدانة ومحاولة إيجاد بدائل أخرى لتمويل عجز الموازنة.

كان جديرًا به أن يُذكّر الحكومة أن مصر ليست بلدًا فقيرًا، وأن عليها تعظيم الاستفادة من ثرواتنا السياحية والطبيعية ومواردنا البشرية لتوفير موارد بديلة للاقتراض الخارجي وكسر تلك الحلقة الخبيثة التي ندور بداخلها، نقترض أولًا ثم نقترض ثانيًا وثالثًا وعاشرًا لسداد تلك القروض. كان عليه أن يطالب بمحاسبة المسئولين عن هذه الأزمة التي لن يدفع ثمنها الجيل الحالي فحسب، وإنما الأجيال المستقبلية أيضًا.

على كل حال كان الرجل منصفًا فلم يطالب المصريين على عمومهم بسداد نصيبهم من الدين الخارجي، ولكنه طالب القادرين منهم فقط، على أن تقوم مصلحة الضرائب بتحميل نصيبهم من الدين على الضرائب المستحقة عليهم كل عام، متابعًا بأن هذا الوطن يحتاج إلى كل مليم وكل قرش، وهو على حق في كل ذلك، لكن مجددًا يبدو أن معد البرنامج لم يخبره أن النظام الضريبي يعاني خللًا حقيقيًا يجب علاجه أولًا لتوفير إيرادات ضريبية تساهم في تخفيض عجز الموازنة، وبالتالي الاقتراض الخارجي.

تشير بيانات وزارة المالية إلى أن الضريبة على الأرباح الرأسمالية وكذلك الضريبة العقارية كانت متدنية للغاية لدرجة أنهما لم يتجاوزا 0.05% من إجمالي الضرائب المحصلة عام 2015-2016، كما أن متحصلات الضرائب من الهيئة العامة للبترول والبنك المركزي وقناة السويس (وهي هيئات عامة مملوكة للشعب) مجتمعين شكّلت حوالي 64% من إجمالي الضرائب المفروضة على أرباح شركات الأموال في العام نفسه.

كان حريًا بالسيد عمرو أديب أن يطالب القادرين وأصحاب الشركات من المصريين بسداد نصيبهم العادل من الإيرادات الضريبية أولًا قبل أن يطالبهم بسداد نصيبهم من الدين الخارجي.

وفيما يلي بعض ملامح الدين العام الخارجي منذ الثورة حتى الآن:

1. تطور الدين الخارجي (ارتفع الدين العام الخارجي بنسبة 42% في يونيو/حزيران 2017 مقارنة بيونيو/حزيران 2016)

2. متوسط نصيب الفرد من الدين الخارجي بالدولار

الدين العام الخارجي (2010 – 2017)

3. ممن نقترض؟ (زاد الاعتماد على القروض من الحلفاء السياسيين خاصة السعودية والإمارات والكويت ولا أحد يعلم شروط هذه القروض، وفي حال تغير التحالفات والمصالح السياسية ستكون هذه القروض ورقة ضغط على الاقتصاد المصري، في 2010 كانت القروض موزعة على نحو أكثر توازنًا)

مصادر الدين الخارجي المصري – يونيو 2010
مصادر الدين الخارجي المصري – مارس 2017

4. من هو المقترض الأكبر؟ (ارتفع نصيب البنك المركزي من القروض الخارجية على نحو ملحوظ في 2017 مقارنة بـ 2010 نظرًا لحاجة البنك المركزي لدعم احتياطاته النقدية، ويدعم ذلك القول بأن جزءًا كبيرًا من الاحتياطي النقدي مكون من قروض، وليس من مصادر مستدامة كالسياحة والتصدير وإيرادات قناة السويس وغيرها).

من المقترض الأكبر في مصر؟
5. هيكل الدين العام الخارجي (ارتفاع نصيب الديون قصيرة ومتوسطة الأجل من 10% في مارس 2010 إلى 41% من إجمالي القروض في يونيو 2010 وفي قروض صعبة غالبًا ما تكون مصحوبة بأسعار فائدة عالية وشروط سداد قاسية، تذكرنا هذه النسب باعتماد السادات على القروض قصيرة الأجل في السبعينيات).
هيكل الدين العام الخارجي – يونيو 2010
هيكل الدين العام الخارجي – مارس 2017
المراجع
  1. جلال أمين، معضلة الاقتصاد المصري، مصر العربية للنشر والتوزيع، 1994، صـ 15
  2. جلال أمين، مرجع سابق. ملحوظة، اختلف الرقم الذي ذكره أمين عن ذلك الذي ذكره فاروق، إذ قدر فاروق الدين الخارجي (بخلاف الدين العسكري) بـ 25 مليار دولار عام 1981، راجع في ذلك كتاب عبد الخالق فاروق، الاقتصاد المصري من عهد التخطيط إلى عصر الامتيازات والخصخصة صـ 95.
  3. عبد الخالق فاروق، الاقتصاد المصري من عهد التخطيط إلى عصر الامتيازات والخصخصة، مركز المحروسة، 2004، صـ 38.
  4. المرجع نفسه، صـ 95.
  5. المرجع نفسه، صـ 96.
  6. تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري، البنك المركزي المصري، 2019/2010، صـ 9.