ننظم جندنا نظمًا .. عجيبًا يُعجز الفهمَ
بأسد ترعب الخصم .. فمن يقوى يناضلنا
رجال مالهم عددٌ .. كمال نظامها العُدد
لنا في المُدنِ تحصينٌ .. وتنظيم وتحسينٌ
وتأييد وتنكيدٌ .. منيعات معاقلنا
رفاعة الطهطاوي

أنشد «رفاعة الطهطاوي» تلك الكلمات، لتكون أول نشيد للجيش في عهد محمد علي، هذا الأخير الذي قرر تجنيد المصريين في الجيش بشكل إجباري. انتزعتهم آلة السلطة من أرضهم ورعيهم وترحهم وفرحهم وغيهم، وقذفت بهم في أتون الحرب وخدمة المشاريع الخاصة للباشا.

منذ فبراير/ شباط 1822 وحتى يومنا هذا، تستمر آلة السلطة في تجنيد الناس، حتى في غياب الحرب والمشاريع التوسعية الكولونيالية التي كانت في عهد محمد علي. غابت شرعية التوسع والانتصار، وحلت محلها شرعيات أخرى للسلطة. وعلى صعيد دولة يوليو، يقدم الجيش نفسه كأحق الفئات لاحتكار السلطة، ويبني شرعيته على بربرية المجتمع المصري، بأنه هو الذي هذبها بوجوده.

يرى الجيش نفسه كعقد اجتماعي، من خلال مؤسسته التي يرتبط بها المجتمع ككل، ويتساوى في الولاء لها الجميع، كلهم مواطنو الدولة وخادمو الوطن من خلاله، لكن الواقع يشير إلى أن ثمة مواطنين أكثر من البقية!

«صناعة الرجال في الجيش» كما يقول الذكور المصريون، في ترسيخ لفكرة الذكورة، التي تتوافق والسلطة في المجتمع، وعمليات القهر التي تمارس سواء على المرأة أو الطفل، أو كل ما هو غير عسكري، باعتبار العسكرية وجهًا للذكورة، والذكورة صورة السلطة المتوزعة في المجتمع، على مبدأ التحكم والمراقبة والسيطرة على الآخر، وممارسة العنف عليه.

انطلاقًا من هذا، يحاول المقال الإجابة على سؤالين رئيسيين: لمَ ارتفعت أعداد وكميات المجندين إجباريًا بعد 2013؟ والسؤال الآخر: هل هذه العملية ستفرز تحورًا في الوطنية المصرية باعتبار الجيش أهم مؤسساتها أم لا؟

أول نشيد للجيش المصري

وطنية أم استعمارية؟

فرضت اتفاقية كامب ديفيد من بعد اغتيال السادات بعض التحولات على وضع الجيش، ففي عهد حسني مبارك جرت عمليات تقليل أعداد المجندين إجباريًا، من خلال ما يُعرف بيوم «الإرجة»، الذي كان يُستبعد فيه الآلاف بشكل سنوي من التجنيد. جاءت إجراءات مبارك تلك في سياق التوازنات، التي كان يجريها لصالح الأجهزة الأمنية المدنية كالشرطة. استبعاد الجيش من العملية السياسية اقتضى عزل قياداته بامتيازات اقتصادية خاصة، وخفض أسباب علاقته بالمجتمع والناس عبر التحكم في عدد المجندين سنويًا، ناهيك عن سماحه النسبي بوجود أعمال سينمائية تنتقد آليات المؤسسة ووضعها. لكن وعلى الرغم من هذا، احتاج النظام تواجد الجيش في المشهد بشكل نسبي لاسيما بعد انتفاضة الأمن المركزي 1986.

اقرأ أيضًا: العساكر في السينما المصرية: فيلموجرافيا الإنسان والبندقية

إذا رجعنا بالتاريخ قرنًا مضى قبل تولي مبارك الحكم، سنجد اللورد كرومر يأمر الضباط الإنجليز بمساعدة قوة من البوليس، لإجراء مسح وتفتيش لأحد «العزب» المملوكة لأحد الأثرياء في بني سويف، وذلك للكشف عن الشباب الصالحين للتجنيد ولم يتم تسجيلهم بسبب تغطية شيخ القرية عليهم. اكتُشف في هذه الحملة أكثر من 400 شخص متهربين من التجنيد[1]، ليُساقوا بعدها لأداء الخدمة الوطنية، فهل ترغب السلطة الاستعمارية حقًا في أن يخدم المصريون وطنهم؟

من خلال موقف دولة مبارك تجاه الجيش وموقف اللورد كرومر، يمكن التأكد مما ذهب إليه خالد فهمي في كتابه «كل رجالة الباشا»، ذهب إلى أن بناء مؤسسة الجيش هو أداة من أدوات إنتاج السلطة في مصر، كما أنه مساحة لاستهلاكها عبر تفاعل المجندين وبناء تصوراتهم عن الدولة والمؤسسة، كذلك فإنه ساهم في وجود القومية المصرية المتخيلة.

بالاعتماد على إسهامات ميشيل فوكو، فإن إنتاج خطاب السلطة يأتي عبر تعريض جزء كبير من الشعب باختلاف مكوناته الإثنية والعرقية لخطاب منضبط وصارم بشكل موحد، عمليات تدجين للمجتمع، يلتقي فيها البدوي والفلاح مع أبناء الحضر، ويتعرضون لنفس خطاب السلطة، ومن قبلها يتم أسر أجسادهم والتحكم فيها من خلال المظهر واللياقة وحتى تلقيهم لطعام واحد وممارسات محكمة، تجعل أجسادهم وعقولهم منضبطة بعناية، تتوافق والسلطة في البلاد[2].

وانطلاقًا من طرح بندكت أندرسون[3] حول الجماعات المتخيلة، فإن خطاب الجيش وآليته جمع مصر من شرقها إلى غربها في مؤسسة واحدة، ونمى التخيل والشعور بوجود جماعة قومية مصرية، وذلك من خلال تفضيل خطاب واحد ولهجة واحدة، بُنيت في مواجهة قادة الجيش الأتراك والأجانب في بدايته.

ويجيب كرومر عن سببٍ آخر دفعه للاهتمام بالتجنيد الإجباري[4]، وهو عمليات الضبط الإداري وتماسك الجهاز الوظيفي لصالح السلطة الحاكمة، وقتها «الاحتلال الإنجليزي»، وذلك من خلال الإشراف والمتابعه على تسجيل وحصر المناسبين للتجنيد. هنا تصبح المؤسسة أقرب إلى جهاز لعمليات الضبط والحوكمة للجهاز البيروقراطي وإخضاعه، حتى أنه عرّض شيخ العزبة للمحاكمة العسكرية.

الشيء الجوهري بالفعل هو أن نجمع في مجموعات هذا الشعب، الموجود في كل مكان وليس في أي مكان، الشيء الجوهري هو أن نجعل منهم شيئًا يمكن أن نُحكِم قبضتنا عليه. وحين نملكهم في أيدينا، سيكون باستطاعتنا عندئذ أن نصنع العديد من الأشياء المستحيلة تمامًا بالنسبة لنا اليوم، والتي ربما سمحت لنا بأن نأسر عقولهم بعد أن أسرنا أجسامهم.
ضابط عسكري فرنسي – عن أحداث انتفاضة في الجزائر 1845.

سعت بريطانيا للسيطرة على جهاز إنتاج خطاب السلطة، جهاز أسر أجساد الشعب المصري كما يشير ميتشل، التي تستطيع من خلاله التحكم في عقول الناس وإخضاعها، وفي أجسادهم والتصرف فيها، سلطة استعمارية بامتياز.

أما موقف مبارك فجاء في سياق إنهاء المد القومي المتخيل الذي يفرضه وجود الجيش، والاكتفاء بخطاب السلطة الذي ينتجه، من دون بعده القومي كأداة بناء ذهن واحد جمعي، كان أحد تجلياته عداء إسرائيل، والنظر لمصر كأمة قومية سرمدية تمتد في التاريخ والزمن. وجود ذلك التخيل في أذهان المصريين سيعيق أي عملية سلام مع إسرائيل، كانت خطوات مبارك ثابتة نحو تدجين الشعب المصري لصالح التطبيع مع إسرائيل.

المصرية المُتخيلة

التجنيد الإجباري أداة لإنتاج السلطة الحديثة، التي تحتل الأجساد والعقول عبر عمليات التسجيل والحصر عند الولادة، وفي مراحل الدراسة والتربية، ثم في حالة إعادة الإنتاج الأخير لفترة زمنية من القهر. يُبث خطاب السلطة عبر قناة التجنيد الإجباري.

انتزع جيش محمد علي الناس من مكوناتهم الأولية، القبيلة والعشيرة والبداوة والفلاحة، ودفع بهم لتلقي خطاب واحد موجه بعناية، بعد السيطرة على هؤلاء الأفراد. لم يفنِ ذلك بلا شك الانتماء الإثني والعرقي، لأن مؤسسة الجيش نفسها أعادت إنتاجه في صورته الطبقية.

نظرًا إلى تسرب عدد كبير من أبناء البدو، لطبيعتهم المتمردة على السلطة، ترسخ في أذهان المصريين خيانة البدو وعدم قوميتهم وتمردهم، كما بُنيت تصورات عديدة عن كل القطر المصري، فابن المدينة لين، ومن ينتمي للصعيد عنده قدرة على التحمل لأنه يستجيب للسلطة، والفلاح لضعفه وتحايله .. إلخ.

ظهر أول تخيل للقومية المصرية إبان ثورة عرابي، وُجدت بسبب الوصاية الخارجية من بريطانيا، وبعد السماح ترقى المصري لرتب أعلى في الجيش، فظهرت جليةً مقاومة السلطة المتمثلة في الأجنبي والتركي، الذي كان سيدًا على المصري، إلا أن هذه القومية التي تُخيلت وجعلت من ثورة عرابي حدثًا نادرًا ومؤثرًا، تكسرت أمام الاحتلال البريطاني وأدوات سيطرته كما تقدم.

استمرت الوطنية المصرية في الولادة بعد ثورة عرابي، وأحدثت استمرارية لتشكل الوطنية بالرغم من فشل الثورة سياسيًا، ومن ثم استمرت في تجذير التخيل الوطني ورسم ملامحه، ما سيظهر فيما بعد عبر جيل مصطفى كامل والحزب الوطني، ثم في ثورة 1919، الولادة الرسمية لها.

اقرأ أيضًا: قصة التجنيد الإجباري في مصر

هذه المرة تجلت عبر تحالف البرجوازية والأفندية، وأُعيد من خلالها رؤية تاريخ مصر القومي على أنه حتمي موجود، وأن لحظات الوعي تلك اكتشفته، في حين أنها كانت متخيلة بالفعل، من خلال الجيش والقضاء كمؤسسات وطنية، وصولًا إلى الرأسمالية الطباعية[5] عبر المجلات والصحف التي ازدهرت في ذلك الوقت.

أعاد التجنيد والترقي في الجيش تخيل الوطنية مرة أخرى، هذه المرة بعد فشل البرجوازية والعمل السياسي من خلال حزب الوفد في التحرر من الاستعمار، والإبقاء على الأزمة الاجتماعية الطبقية. تجلى ذلك في هزيمة الجيوش العربية في فلسطين 1948، حيث كانت الهزيمة صدمة حقيقية للوطنية وللسيادة المصرية.

ماتت وطنية البرجوازية، وتصدر الجيش المشهد، تلك المؤسسة التي تحتوي الوطن والمجتمع حملت توجهات المرحلة السياسية، وعبّرت عن نفسها في حركة الضباط الأحرار.

انطلقت دولة يوليو من شمولية الجيش للمجتمع، واحتوائها لجميع الفئات، للوطن الذي يحتويه بكل تبايناته، فخرجت السينما بأفلام على شاكلة «إسماعيل ياسين في الجيش»، كان التجنيد الإجباري هو قناة كل ذلك.

تجذر عداء المصريين لإسرائيل عبر السلطة التي مارست ذلك العداء، كونها من المجتمع الذي نبت فيه العداء لإسرائيل، وتبنت القومية العربية، التي كانت تعبر عن توجه أممي مجتمعي منذ ثورة 1919 وانهيار الدولة العثمانية.

الجيش المصري، خدمات اجتماعية، مشروعات الخدمة الوطنية، الرفاه
 

مجتمعية الجيش وتجييش المجتمع

التصق الجيش بالدولة، وكان ذلك معبرًا عن ثورة المهمشين المصريين من قبل السلطة واستعبادهم عبر التجنيد الإجباري لخدمة مشروعات الباشا وحاشيته، كما البوليريتاريا التي استبدت بالحكم لمّا تمكنت.

وبعد تحجيم مبارك للجيش ودوره، عاد مرة أخرى وبقوة بعد ثورة 2011، وتصدر المشهد السياسي والإداري على جميع الأصعدة. اللافت أنه بدأ يحل محل التكنوقراط الذين كانوا صنيعة دولة يوليو نفسها، وتوسع أيضًا بشكل كبير في التجنيد الإجباري، ولم يعد يستثني أحدًا إلا في أضيق الحدود.

يأتي ذلك في عدة سياقات أهمها:

إعادة إنتاج السلطة والعلاقة بينها وبين الفرد عبر عمليات المراقبة والمعاقبة واحتلال الذوات، فأحد التفسيرات لثورة يناير من منطلق قومي هو بعد الشباب عن مؤسسة الجيش، وعدم قدرتها على بناء خطاب يجعلهم ضمن آلية الجيش. يمكن فهم ذلك في إطار تحول الجيش إلى مؤسسة حزبية[6] في دولة يوليو، من خلال وساطته بين المجتمع والدولة، وقيامه بوظائف إنتاج الخطاب الأيديولوجي الجامع للمجتمع، وعمليات تبرير شرعية السلطة، وذلك عبر أداة التجنيد الإجباري والقيام بوظائف التعبئة والتجنيد والتنشئة السياسية التي تضطلع بها الأحزاب في الدول الديموقراطية.

هناك سياق اقتصادي يتمثل في سخرة هؤلاء المجندين، حيث يعملون لصالح مشاريع الجيش الاستثمارية التي يحتكر من خلالها السوق بعمالة رخيصة وفي ظل غياب الضرائب.

ويأتي التوسع في التجنيد في هذه المرحلة لإعادة إنتاج الطبقية، ثنائية السادة والعبيد، هراركية من النفر حتى القائد والسيد، إلى أن نصل لأعلى رأس في الدولة الذي يتمتع بجميع الصلاحيات.

التجنيد الإجباري يدجن المواطن، وهنا يصبح المجند جزءًا من الدولة، عبر زج الدولة في حرب المجتمع ضد بعضه، مثل محاربة بدو سيناء، أو تيار الإسلام السياسي. هنا يصبح على المواطن القادم من أي مكان في مصر قهرًا أن يعادي هؤلاء، واستهدافهم صار مبررًا ومشرِعا للدولة ووجودها، وشرعيتها قد بنيت على حالة الاستثناء تلك.

يتحول التجنيد الإجباري هنا إلى قوة رادعة، لأن محاولة استهداف السلطة المتمثلة في الجيش بمعزل عن استهداف المجتمع يعتبر من ضروب الخيال، الجيش هنا يعبر عن المجتمع واستهدافه يعني استهداف المجتمع.

التجنيد الإجباري يستغل المتناقض في المجتمع، مثل تجنيد الأمن المركزي من غير المتعلمين، أو متوسطي التعليم، وتوظيفهم في وأد احتجاجات الطبقة الوسطى التي يُكن بعضهم لها الكره والنقمة.

 لمَ التعاطف مع الجيش والنقمة على الدولة؟

جرى العرف في الغرب أن يتعاطف الناس مع المجتمع والدولة في حال تعرض الداخل لتفجيرات وعمليات عنف، أما لو قُتل جندي لهم في حرب العراق فإن ذلك يستدعي النقمة على الدولة ومعارضتها. مَرد ذلك إلى قوة المجتمع الذي يستدعي التعاطف لأن الجميع شركاء فيه، والنقمة على السلطة التي يجب أن تقاوم ويقاوم من يمثلها من سياسيين فاقدي المشاعر، الذين زجوا بأبنائهم في حرب لا طاقة لهم بها.

أما في مصر فالعكس هو الصحيح، حيث استهداف مدنيين يستدعي النقمة والغضب على الدولة، وعند مقتل أحد الجنود في حرب سيناء، يستدعي ذلك التعاطف مع الدولة. ثمة قولان يفسران تلك الظاهرة: الأول غياب دور الدولة في حماية المجتمع بالرغم من التضحيات على جبهات القتال، وهنا يتضح تصور المصري لمركزية الدولة في حياته وليس المجتمع، والجيش هنا هو قوميتنا ووطنيتنا المتخيلة كممارسة ذهنية.

الثاني لوجود حالة الاستثناء، التي تستخدمها السلطة لحماية ذاتها وتماسكها وكشرعية لوجودها، فتستدعي التعاطف معها في حال قُتل الجنود في سيناء.

والقولان على صحتهما من عدة جوانب إلا أنهما يغفلان أمرًا مهمًا، وهو أن الجيش مؤسسة تصنع المجتمع المصري، أو تساهم في تخيله. يتعاطف المصري مع ذلك الجندي لأنه قد يكون موقعه، هو المصير الذي نشترك فيه أو ربما. فالتجنيد الإجباري واجب على الجميع، تتعاطف الأم لأن ولدها قد يكون غدًا هناك، والأب والأخت والمحبوبة، إنه تعاطف مع الذات.

هنا تمنح براءة القتيل الشهادة للسلطة، هنا تُمنح ذوات المصريين من أجل أن تحيا مصر، أو أن تحيا السلطة فيها. يتعاطف المصريون مع نفوسهم، التعاطف مع القهر يفرض عليهم التعاطف مع السلطة، فيلتحمون معها، تلعب السلطة هنا دور المغدور بها ويتلقف الناس هذا الطُعم.

رسمنا على القلب وجه الوطن[7]

إلى أي مدى ستصمد تلك الوطنية؟ وإلى متى سيرسم المصريون وجه الوطن على قلوبهم؟ ويفدونها جيلًا فجيلًا؟ وأي مصر سيفدونها؟ وإلى متى ستنظر لهم السلطة بأنهم شعب أصيل؟

الوطن والوطنية تبدلت عبر السنين، وتغير شكلها في أذهان المصريين خلال القرنين الماضيين، فهل سنشهد تحولًات جديدة؟

الملاحظ أن مناقشة ملف التجنيد الإجباري، وهو ملف حيوي لمواجهة السلطة في مصر، وقطع أسبابها المجتمعية، أصبح ذلك الحديث مألوفًا بشكل نخبوي، وربما بتفجُّر حادثة ما يتحول إلى حديث مجتمعي واسع الانتشار.

فمنذ عامين، أثارت صورة جندي يبيع الخضروات الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعي، فكرة السادة والعبيد، تلك التي مقتها الجميع وتمثلت في بعض الانتفاضات والتحولات من خلال مؤسسة الجيش في الماضي، والتي يمكن رصدها في أشعار وقصص الجيش والتجنيد عن التجربة التي يتعرض لها المصريون جميعًا، ويتناقلها الناس العامة حتى من لم يُجند، هذه الذهنية مسئولة عن تخيل الوطن والوطنية.

يحملون الوطن وهو لا يحملهم، عن المجند الذي حمل الوطن في قلبه غريبًا في خدمته على أطراف السلوم، أو في ليل حلايب البارد الجاف، ولا يدري أهو جفاف الجو أم جحود السلطة، التي ألقته داخل أحد تروسها حتى ينتظم هو على نغم واحد تريده.

هذا المجند المهمش، هل سيُوجد وطنية جديدة من نوع ما؟ سيتخيل شكلاً آخر لمصريته وإحساسًا لذاتيته مختلفًا عن ما كان يشعر به المصريون لعشرات السنين.

إن ما نقوله هنا إن الوطنية المصرية لم تكن جامدة، بل ديناميكية، وكانت مؤسسة الجيش والتجنيد الإجباري شريكًا في تخيلها. لذا فإن الوضوع الحالي سيفرز أمرًا جديدًا ستتفاجأ به السلطة إذا لم تُوجد سبيلًا لخفض حدته. على صعيد آخر، هل ستدرك التيارات السياسية أن مواجهتها مع السلطة يجب وأن تناقش وضع التجنيد الإجباري في المقام الأول، أم أنها ستعيد إنتاج الخطاب القومي الذي استُخدم في كتابة دستور 2012؟

المراجع
  1. تيموثي ميتشل، استعمار مصر، مدارات 2013.ص174.
  2. خالد فهمي، كل رجال الباشا، الشروق2016.ص67.
  3. فهمي.ص68.
  4. ميتشل.ص174.
  5. حسب أندرسون فإن وجود الجرائد اليومية تعمل على تفضيل لغة ولهجة واحدة، ناهيك عن منحها تخيل الجماعة القومية من خلال شعور القارئ بأن هناك آلاف وربما ملايين مثله يقرأون الجريدة اليومية (كتل قراء موحدة) ويتفاعلون معها بحس وطني.الجماعات المتخيلة ص49.
  6. طارق البشري، منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي، الشروق.
  7. نشيد الجيش المصري الحالي، كلمات فاروق جويده.