في مقالته بالأمس تحت عنوان: «من شرعية التفويض إلى شرعية الطوارئ»، ذهب د. عمرو عبد الرحمن إلى أن «العودة [إلى] حالة الطوارئ» تأتي «بوصفها التعميد القانوني الذي طال انتظاره، لشرعية الحكم الأصلية، وهي تفويض يوليو 2013». تمثل شرعية الطوارئ، بحسب عبد الرحمن، إذن، اكتمالا قانونيًا لشرعية التفويض التي انتقصت منها انتخابات الرئاسة والبرلمان. تفترض قراءة عبد الرحمن أن شرعية التفويض كانت: شرعية للمؤسسة أو النظام، ضد القانون، بسبب حالة طوارئ؛ فهل كانت شرعية التفويض كذلك حقًا؟

على مدى أربعة أعوام من حكمه، الفعلي ثم الرسمي، حرص عبد الفتاح السيسي على تأكيد أنه ملتزم بالقانون، إجرائيًا على الأقل، تمامًا؛ وهو ما تحقق عبر خارطة الطريق التي بدأت بتأسيس شرعية دستورية جديدة في استفتاء الدستور يناير 2014، ثم في الانتخابات الرئاسية التي كان من الواضح افتقادها إلى الحقيقة الديمقراطية، لكن مع الحرص على التزامها بالشكل القانوني، ثم في الانتخابات البرلمانية التي كانت نسخة مكرَّرة منها. وفي مواجهة الانتقادات الغربية لأوضاع حقوق الإنسان في مصر، كان عبد الفتاح السيسي يؤكد أن مصر ليس فيها معتقل سياسي واحد، ورغم الانتهاكات الفجّة، كان أغلب المعتقلين بالفعل يقدَّمون إلى المحاكمة أمام القضاء الطبيعي. ببساطة، على مدى حقبة التفويض، كانت «يد العدالة [النظام] مكبَّلة بالقانون»، وإن شكليًا، كما قال عبد الفتاح السيسي بعد اغتيال النائب العام.

لم تكن شرعية التفويض إذن شرعية موجَّهة ضد القانون، وإنما ضد الديمقراطية، ولم تكن بالتالي مُعطَاة إلى السيسي بصفته، وزيرًا للدفاع ثم رئيسًا للجمهورية، وإنما إلى شخصه كزعيم منتظر، لا لقيادة حالة طوارئ عارضة، وإنما لقيادة تحديث تعطّل قبل نحو نصف قرن، أي منذ رحيل جمال عبد الناصر، أو منذ وفاة نظامه إكلينيكيًا بعد هزيمة 1967. كان على الزعيم أن يقود التحديث الذي قامت ثورة يناير 2011 بسبب غيابه، ولهذا حرص السيسي ونظامه خلال العاميْن الأوَّليْن من حكمهما على تأكيد انتمائهما إلى ما بعد يناير، ولكن دون فوضى أو تعطيل ديمقراطي، وهو ما تمثل ثورة يونيو في نظر النظام رفضًا له. هكذا فهِم بعض المثقفين بالفعل نظام السيسي – أبرزهم شريف يونس وسمير أمين.

السيسي يسترجع صورة عبد الناصر، وقناة السويس هي السد العالي الجديد. بأموال الشعب، بعيدًا عن منظمات التمويل الدولية وقروضها وهيمنتها، وبأياد مصرية، سيتم حفر القناة. سنعيد بناء قوتنا المسلحة، تمامًا كما حاولت دولة التحرر الوطني أن تفعل، ودون انحياز إلى أحد القطبين، روسيا أو أمريكا، ذهب السيسي إلى فرنسا مستنسخًا صفقة تشيكوسلوفاكيا الشهيرة في عهد عبد الناصر. لكن الصدمة المنتظرَة من قبل من لم تقنعهم تلك الهالات المبتذلة، أتت أسرع مما توقع الجميع، مع انهيار سعر العملة، وقرار التعويم، الذي افتقد حتى إلى إدارة معقولة من قبل النظام. وتحوّل التحديث الدولتي، في لحظة، إلى سياسات نيوليبرالية تفتقد حتى إلى رُشد الإدارة الرأسمالية، فتُركت الأسعار لتتضاعف، مع تقليص الدعم على السلع والخدمات بأسرها، وتجميد الرواتب، وتوسل الاقتراض الدولي، وأخيرًا، الحديث عن خصخصة، ليس الشركات الإنتاجية، بل القطاعات الخدمية نفسها.

من يفشل في أن يكون عبد الناصر، عليه أن يكون مبارك. صرخات السيادة الوطنية تحطّمت على صخور تيران وصنافير. والقومية العربية صار واضحًا أنها قومية يتحكّم فيها دفتر الشيكات أو ناقلات النفط. والاستبداد القانوني تجاوز بالفعل حدود القانون. حتى بيانات الإدانة، ابتلعتها الخارجية المصرية بعد أن عجزت عن مواصلة اللعب على كل الحبال. ومصر الرائدة، صار رئيسها ضيفًا ثقيلا عليه أن يدفع ثمن ضيافة مُذِلّة في كل دولة يزورها. أما صفقات السلاح، فقد ضُمّت إلى تراكم الخردة في مصر، بعد أن صار واضحًا أن جيشها لا ينتوي القتال تحت أي ضغوط.

لقد ماتت شرعية التفويض، التي كانت شرعية للسيسي، ضد الديمقراطية، ولقيادة التحديث، إكلينيكيًا مع قرار التعويم، وكان إعلان الطوارئ هو الإعلان الرسمي عن تلك الوفاة الفعلية. شرعية الطوارئ على العكس من ذلك، هي شرعية مُعطَاة إلى المؤسسة، أو بالأحرى بقايا مؤسسة الدولة المصرية، ضد القانون نفسه إذا لزم الأمر، ليس لقيادة التحديث الذي صار من الواضح أنه وهم، ولكن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في حالة طوارئ تَنفي، ليس فقط ثورة يناير، وإنما 30 يونيو نفسها التي أُضِيرت، معيشيًا، الشريحة الأوسع مِمَّن شارك فيها، وتحوّل تأييدهم للجنرال، منه بوصفه زعيمًا مُخلِّصًا، إليه بوصفه رمزًا لبقايا الدولة التي ليس وراءها سوى الفزع السوري أو العراقي.

هل يفيدنا ذلك بالفعل في تأمل «شروط جديدة للفعل المدني والسياسي» كما يقول عبد الرحمن؟ لا شك أن مواجهة النظام ستختلف إذا فُهِم النظام باعتباره أخيرًا صار «مكتمل التأسيس» كما يفهمه عبد الرحمن، عمَّا إذا فهمنا أنه نظام انتقل من شرعية القيادة الأُحادية لتحديث تعويض ما فات، وحرق المراحل، و«الخير الكثير الي جاي» بالتعبير الشعبي، إلى شرعية طوارئ إنقاذ ما يمكن إنقاذه من قبل نظام ضعيف وقليل الكفاءة.

إن ما يعنيه هذا التحول هو أن هذا النظام صار يفتقد إلى الهيمنة بالمعنى الذي عناه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو جرامشي، أي رضا المحكومين عن السلطة الحاكمة. سيؤدي هذا بالضرورة إلى زيادة جرعة القمع اللازمة للحفاظ على السلطة، لكنه يحمل فرصة أيضا. إن تراجع هيمنة النظام هي أمر يعني في الوقت نفسه إفساح المجال أمام بناء قوى هيمنة منافسة للنظام. هذه هي المهمة المخوّلة للقوى السياسية في مصر حاليا، وهي الدلالة التي يمكن أن نستقيها من المشهد الحالي.