في الثلاثين من يونيو/حزيران الماضي، رحل عن عالمنا فؤاد سزكين، الاسم اللامع في مجال التأريخ للعلوم العربية والإسلامية. ورغم أن شهرة فؤاد سزكين قد طبقت الآفاق في ألمانيا والدول الغربية، إلا أنه ما زال مجهولاً لدينا. وما نقدمه هنا هو مجرد عجالة نرجو أن تساعد في إعادة التعريف بفؤاد سزكين وأعماله.


أعمال سزكين

لفؤاد سزكين (1924 – 2018) ثلاثة أعمال كبرى المشهور منها لدينا موسوعته «تاريخ التراث العربي» (Geschichte des Arabischen Schrifttums) والتي تعد عملاً تأسيسيًا في مجال الدراسات العربية والإسلامية ويختصر العنوان عادة إلى (GAS). وقد بدأ فؤاد سزكين في إصدار مجلدات تلك الموسوعة منذ عام 1967، وقد صدر منها آخر مجلدين سنة 2015 وهما: المجلد السادس عشر عن البلاغة والنقد، والمجلد السابع عشر عن الأدب التربوي والأدب الترفيهي.

أما العمل الثاني فهو ببليوجرافيا ضخمة بعنوان: (Bibliographie der Deutschsprachigen Arabistik und Islamkunde) أي «ببليوجرافيا الدراسات العربية والإسلامية في المنطقة الناطقة بالألمانية». وقد صدرت هذه الموسوعة على مرحلتين: المرحلة الأولى في اثنين وعشرين مجلدًا تشمل فهارس تلك الأعمال من بداياتها وحتى سنة 1986. أما المرحلة الثانية فتشمل الأعمال التي صدرت ما بين 1986 وحتى 1994.

وقد صدر من هذه المرحلة الثانية ثمانية مجلدات سنة 2006. وهذه الببليوجرافيا الضخمة بقسميها تفهرس الأعمال موضوعيًا بطريقة تشبه «تاريخ التراث العربي»؛ أي أنها تبدأ بالدراسات حول الإسلاميات، ثم حول النتاج الأدبي، ثم حول التراث العلمي والثقافي بتنوعاته.

وفي 18 مايو/آيار سنة 1982، أسس فؤاد سزكين بأموال الجوائز التي حصل عليها (ومنها جائزة فيصل 1979)، وبمساعدات من دول عربية (أهمها المساعدة الكويتية)، «معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية» في إطار جامعة فرانكورت، ثم ألحق به متحفه الشهير لمخترعات الحضارة العربية – الإسلامية. وبعد سنتين بدأ سزكين، من خلال هذا المعهد، في إصدار دورية سنوية – وهذا هو العمل الموسوعي الثالث – بعنوان (Zeitschrift für Geschichte der arabisch-islamischen Wissenschaften) أي «مجلة تاريخ العلوم العربية – الإسلامية» وذلك لنشر دراساته ودراسات علماء المعهد وعلماء المؤسسات الاستشراقية الأخرى.

وقد صدر المجلد الحادي والعشرون من هذه الدورية في سنة 2015، وهو آخر ما رأيته. وقد نشر سزكين في هذه الدورية لأعلام الدارسين المعاصرين مثل هيلموت جيتا وجيرهارد أندرس ويوهان بورجل وهانز ديبر ونويباور وكونتيتسش، بالإضافة إلى جورج صليبا وجورج مقدسي وعبد الحميد صبرة وكثيرين غيرهم. ومن خلال هذه الدورية، أعاد سزكين الاعتبار إلى رواد دراسة التاريخ العلمي للعرب والمسلمين، وعلى رأسهم مؤرخ العلوم الألماني آيلهارد فيلدمان Eilhard Wiedemann) 1852 – 1928)، وقد جمع سزكين دراسات فيلدمان حول تاريخ العلوم العربية ونشرها سنة 1984 في ثلاثة مجلدات كبيرة[1].

ومن الطريف أن هذه الأعمال الأساسية في مشروع سزكين تناسلت وأنتجت أعمالاً أخرى مهمة تعد تطويرًا لموضوعات سبق تناولها في «تاريخ التراث العربي»؛ وأذكر هنا على سبيل المثال كتابه الضخم (Wissenschaft und Technik im Islam) أي «العلم والتكنولوجيا في الإسلام» الذي نشر بالألمانية (2003) وبالفرنسية (2004) وبالتركية (2006) وبالعربية (بدءًا من سنة 2007)[2].


بدايات سزكين

من المعلوم أن فؤاد سزكين بدأ موسوعة «تاريخ التراث العربي» بوصفها تنقيحًا وإتمامًا وإعادة تنظيم لكتاب كارل بروكلمان (1868 – 1956) الشهير (Geschichte der arabischen Litteratur) أي «تاريخ الأدب العربي» والذي يختصر عادة إلى (GAS). وهذا الكتاب بالمناسبة مترجم بالكامل إلى العربية، وأنا أزعم – بعد مقارنة بالطبع – أن طبعته العربية أكثر اكتمالاً وتنسيقًا من الأصل الألماني شديد الاضطراب[3]، ولكن توجد صور توضح بأن سزكين اعتمد النسخة الألمانية غير المنسقة كأساس لعمله الجديد (انظر الصورة الملحقة).

نسخة سزكين من “تاريخ الأدب العربي” لبروكلمان، وتعليقات سزكين عليها. الملحق 1 (1937)

وقد ارتبطت بدايات فؤاد سزكين، في هذا المشروع وغيره أيضًا، بأستاذيه الألمانيين: هيلموت ريتر (1892-1971) وأوسكار ريشر (1883-1972)، وبإتمام المشاريع التي حلما بإنجازها، ومن أهمها مشروع إعادة كتابة تاريخ بروكلمان للأدب العربي.

وكان اتصال فؤاد سزكين بأستاذيه ريتر وريشر أمرًا قدريًا؛ ففؤاد سزكين الذي ولد في إحدى مدن الأناضول شرق تركيا، وذهب إلى المدارس الإعدادية والثانوية في محافظة «أرضروم»، كان يخطط للالتحاق بكلية الهندسة في جامعة إسطنبول. وهناك حضر قدرًا إحدى محاضرات هيلموت ريتر، أستاذ فقه اللغات الشرقية بالجامعة، فتغيرت خطط سزكين بالكامل، فترك حلم الهندسة وأصبح تلميذًا عند ريتر بداية من عام 1942.

وعندما تبين ريتر مواهب تلميذه الجديد، بدأ يوجهه إلى تعلم اللغات ودراسة تاريخ العلوم عند العرب والمسلمين. وكان من منهج ريتر التدريسي أن يقوم تلاميذه بتعلم لغة جديدة كل سنة، ولذا فقد تعلم سزكين عدة لغات مهمة لأبحاثه من بينها العربية والسريانية والعبرية واللاتينية والإنجليزية والألمانية بالطبع.

وعندما توثقت علاقة فؤاد سزكين بأستاذه هيلموت ريتر كان يصطحبه إلى مكتبات إسطنبول التي كان يعرفها جيدًا، ويطلعه على مخطوطاتها وينقل إليه خبراته ومعارفه. وآنذاك سمع سزكين من ريتر الكثير عن أساتذته وأعمالهم؛ مثل أن أعمال آيلهارد فيلدمان تحتاج للجمع والفهرسة، وأن كتاب أستاذه كارل بروكلمان لم يعد يكفي لمعرفة التراث العربي خاصة بعد ظهور مجموعات جديدة من المخطوطات لم يكن بروكلمان على دراية بها، وبعد ازدهار حركة التحقيق والفهرسة في مصر والعالم الإسلامي وأنه لهذا يجب تجديد الكتاب أو تجاوزه.

ومن خلال ريتر تعرف سزكين على مجتمع المستشرقين الألمان في إسطنبول، وكان من بينهم المستشرق الألماني المسلم أوسكار ريشر الذي كان يرى أيضًا أن عمل أستاذه بروكلمان، حتى بعد التجديد والإضافات، لم يعد كافيًا أو مناسبًا، وأنه يمكن أن يستعيد مكانته إذا ما جرى تجديده وإتمامه بشكل كامل. وآنذاك اكتشف سزكين أن ريشر قد بدأ بالفعل بجمع المواد الببليوجرافية اللازمة لإصدار طبعة جديدة من كتاب بروكلمان.

ومن الأشياء التي لا تذكر عادة أن سزكين عمل لفترة كمساعد لريشر على تطوير كتاب بروكلمان، ولكن ريشر ولأسباب صحية لم يستطع مواصلة العمل واستعفى[4]، وكنوع من الوفاء والإخلاص أشار سزكين من حين لآخر إلى فضل أستاذه أوسكار ريشر، وقد وصفه في مقدمة المجلد الأول من الطبعة الألمانية لتاريخ التراث العربي بأنه «العالم الكبير بتاريخ الأدب العربي»[5].

وبعد حصول سزكين على الدكتوراه بدراسة (بالتركية) عن «مصادر البخاري» (1954)، وتأمين عمل جامعي لنفسه، تفرغ للعمل بمفرده على كتاب بروكلمان. ولكن بعد انقلاب 1960 في تركيا ورفده من الجامعة، انتقل للعمل كأستاذ زائر في جامعة فرانكفورت في ألمانيا سنة 1961، حيث قام بتدريس تاريخ العلوم الطبيعية في الحضارة العربية الإسلامية، وهو المجال الذي صمم على التخصص فيه، وكتب فيه رسالته للأستاذية (سنة 1965) بموضوع عن جابر بن حيان. وبعدها أصبح سزكين أستاذًا مساعدًا بجامعة فرانكفورت.

بعد كل هذا، وربما قبله بقليل، كانت الفكرة قد تطورت من إتمام كتاب بروكلمان وتصحيحه إلى إصدار عمل جديد مستقل ويضم المواد كلها في ترتيب وتنسيق جديدين. وآنذاك تزوج الأستاذ سزكين من المستشرقة الألمانية أورسولا سزكين التي كان لها دور كبير في إنجاز أعمال زوجها وبصفة خاصة موسوعة «تاريخ التراث العربي»، حيث كانت تراجع ما يكتبه وتقوم بتصحيحه وتعده للطباعة!


موسوعة «تاريخ التراث العربي»

ومنذ عام 1967 بدأت مجلدات الكتاب في الصدور في ليدن بهولندا مما كان له دوي هائل في دوائر الاستشراق الدولي[6]. ويذكر فؤاد سزكين أنه أرسل نسخة من المجلد الأول بعد صدوره إلى أستاذه هيلموت ريتر فتلقى منه بطاقة بريدية كتب عليها: «لم يستطع أحد تأليف كتابٍ كهذا من قبل، وأعتقد أنه لا أحد سواك يستطيع القيام بهذه المهمة، أهنئك على هذا النجاح»[7]. وبعد صدور المجلد الأول حصل فؤاد سزكين على منحة من الجمعية الألمانية للبحوث لتمويل إصدار بقية المجلدات ودفع رواتب المساعدين.

وقد بلغت مجلدات الكتاب حتى الآن سبعة عشر مجلدًا صدرت منجمة خلال نصف قرن، ويمكن تقسيمها لمرحلتين مختلفتين من حيث التناول والتحديد الزمني؛ فالمجلدات العشرة الأولى (المترجمة إلى العربية) تمثل مرحلة أولى تشمل الفترة من العصر الجاهلي وحتى عام 430هـ/1088م. ويمكن الإشارة هنا إلى مجلدات هذه المرحلة من الموسوعة ومحتوياتها في الأصل الألماني مقارنة بما ترجم منها إلى اللغة العربية:

1. المجلد الأول (1967) يشمل علوم القرآن، وعلم الحديث، والتاريخ، والفقه، وعلم الكلام والتصوف (نشرت ترجمته العربية في أربعة مجلدات).

2. المجلد الثاني (1975) عن الشعر العربي (نشرت ترجمته العربية في خمسة مجلدات).

3. المجلد الثالث (1970) ويشمل الطب، الصيدلة، البيطرة، علم الحيوان (نشرت ترجمته العربية في مجلد واحد).

4. المجلد الرابع (1971) ويشمل الخيمياء والكيمياء وعلم النبات والزراعة (نشرت ترجمته العربية في مجلد واحد).

5. المجلد الخامس (1973) ويشمل علم الرياضيات (نشرت ترجمته العربية في مجلد واحد).

6. المجلد السادس (1978) ويشمل علم الفلك والآثار العلوية (نشرت ترجمته العربية في مجلد واحد).

7. المجلد السابع (1979) ويشمل التنجيم والأرصاد الجوية وما يقاربهما (نشرت ترجمته العربية في مجلد واحد).

8. المجلد الثامن (1982) ويشمل علمي اللغة والمعاجم (نشرت ترجمته العربية في مجلد واحد).

9. المجلد التاسع (1984) ويشمل علم النحو (نشرت ترجمته العربية في مجلد واحد ولكنني لم أره).

ومن الجدير بالذكر هنا أن سزكين أصدر بالألمانية فهرسًا عامًا للمجلدات من الأول حتى التاسع صدر في سنة 1995.

أما المرحلة الثانية من تلك الموسوعة فتشمل المجلدات السبعة الأخيرة التي تخص العلوم العربية كالطب والجغرافيا والفلك والكيمياء، والتي يصل الاستقصاء فيها حتى القرن الحادي عشر الهجري/ السادس عشر الميلادي وهي جديدة ولا نظير لها عند بروكلمان وهذا بيانها:

10. المجلد العاشر (2000) يشمل الجزء الأول من دراسته الطويلة بعنوان: الجغرافيا ورسم الخرائط في الإسلام واستمرارها في الغرب، عرض تاريخي (نشرت ترجمته العربية في مجلد واحد). وظني أن فؤاد سزكين عندما غير خطة التأليف أوقف الترجمة إلى اللغة العربية ورفض توقيع أية عقود لذلك، والحقيقة لا أعرف وجهة نظره في هذا الأمر.

11. المجلد الحادي عشر (2000) ويشمل الجزء الثاني من دراسته: الجغرافيا ورسم الخرائط في الإسلام واستمرارها في الغرب، عرض تاريخي.

12. المجلد الثاني عشر (2000) ويشمل الجزء الثالث من دراسته: الجغرافيا ورسم الخرائط في الإسلام واستمرارها في الغرب، وهو مخصص للخرائط.

13. المجلد الثالث عشر (2007) ويشمل الجزء الرابع من دراسته: الجغرافيا ورسم الخرائط في الإسلام واستمرارها في الغرب.

14. المجلد الرابع عشر (2010) وهو بعنوان «الجغرافيا الأنثروبولوجية»، الجزء الأول، وهو مخصص للجغرافيا العامة وجغرافيا الدول والمدن والأقاليم.

15. المجلد الخامس عشر (2010) وهو بعنوان «الجغرافيا الأنثروبولوجية»، الجزء الثاني، وهو مخصص للطبوجرافيا والمعاجم الجغرافية والكوزمولوجيا والرحلات.

16. المجلد السادس عشر (2015) وهو بعنوان «الأدب الإنساني الجميل»، الجزء الأول، وهو مخصص للشعرية والبلاغة ونظرية الأدب والدواوين والمجموعات الشعرية.

17. والمجلد السابع عشر (2015) وهو آخر ما رأيته من تلك الموسوعة وهو بعنوان «الأدب التربوي والأدب الترفيهي».


هل اكتملت الموسوعة؟

وبالنظر إلى مجلدات المرحلة الأولى من الموسوعة، التي ترجمت إلى العربية، سنجد أن فؤاد سزكين حدد الفترة الزمنية لهذه المرحلة لتنتهي سنة 430هـ / 1039م، إلا أنه أضاف إلى ذلك مجالات لم يتطرق إليها عمل بروكلمان. وقد سبق وكتبت في مجلة «فكر وفن» مقارنًا بين العملين[8].

ومن بين التغييرات الكثيرة التي أدخلها سزكين على عمل بروكلمان المتصل بتلك المرحلة، أنه أعاد ترتيب مادة الكتاب، فلم يبدأ بالشعر مثل بروكلمان، وإنما بدأ بعلوم القرآن، وأنه غير العنوان حيث استخدام مصطلح «التراث» بدلاً من مصطلح «الأدب» وبذا تخلص من أحد المآخذ الأساسية على بروكلمان؛ حيث أصبح العنوان «تاريخ التراث العربي» أكثر ملاءمة لمادته التي تشمل مجالات علمية وأدبية متنوعة.

ولكن نقول مرة أخرى إنه رغم أهمية ما قام به سزكين وتميزه عن بروكلمان بذكر كل المخطوطات المتاحة عالميًا، وعدد أوراقها، وتاريخ نسخها، واسم محققها إن كانت قد حققت، ومكان وتاريخ نشرها، إلا أن مجلدات هذه المرحلة من كتابه لا تغنينا إلا عن نصف عمل بروكلمان تقريبًا؛ فعمل سزكين ككل ينتهي كما سبق عند الثلث الأول من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادى (430هـ/1039م) بينما يستمر تاريخ بروكلمان حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين. ومن هنا فإن كتاب بروكلمان، أو بعضه إن شئنا الدقة، ما زال يحتفظ بأهميته وفرادته.

يستنتج من هذا أن مجلدات بروكلمان التي تتناول القرون العشرة الأخيرة ما زالت بحاجة للتنقيح والإتمام وإعادة التنظيم بطريقة سزكين. وظني أن الأستاذ فؤاد سزكين قد أنجز هذا العمل أيضًا، وأنه لن ينشره إلا بعد الانتهاء من مجلدات الطبعة الأولى لتاريخ التراث العربي. وحتى يحدث هذا فإن الترجمة العربية لكتاب بروكلمان ستحتفظ بأهميتها لفترة أخرى قادمة.

المشكلة هنا، بالنسبة للباحث الذي لا يعرف الألمانية، أن المجلدات السبعة أو الثمانية الأخيرة من تاريخ سزكين للتراث العربي لم تترجم بعد إلى اللغة العربية. ونحن نعلم أن ترجمة المرحلة الأولى من موسوعة سزكين إلى العربية قد استغرقت وقتًا طويلاً، فقد بدأت في مصر سنة 1977م، حيث صدر المجلدان الأول والثاني عن هيئة الكتاب بالقاهرة ثم توقف العمل لتتولاه جامعتا الإمام محمد والملك سعود بالعربية السعودية منذ سنة 1983 ولم ينتهِ المجلد العاشر إلا بعد قرابة العشرين سنة.

الغريب أن سزكين – بعكس بروكلمان – رفض أن يضيف إلى الترجمة العربية ما جد في مجالات التراث التي يتعرض لها كتابه، لأن الأمر كما قال يتطلب تفرغًا وحتى لا تتأخر الترجمة! وكانت نتيجة هذا «التقصير» أن بدأت تظهر دراسات وكتب عربية تستدرك على عمل سزكين وتحاول تصويبه وتصحيحه وإكماله.


مواقف سزكين

فؤاد سزكين, تاريخ, الأدب العربي, بروكلمان, التراث العربي

وأختم هذه العجالة بأن أكثر ما يعجبني في شخص فؤاد سزكين ليس فقط جلده وصلابته الشخصية، ولكن أيضًا أصالته وعمق انتمائه. فرغم أنه هاجر إلى ألمانيا حيث عمل وكتب وتزوج وأنجب، إلا أنه ظل وحتى النهاية تركيًا قحًّا مهمومًا بقضايا أمته ويبغي لها الفلاح. وكان هذا يبدو جليًا في لقاءاته وكتاباته وردود أفعاله. أذكر على سبيل المثال أنه حصل سنة 2009 على جائزة ولاية هيسن الثقافية بالاشتراك مع سالمون كورن رئيس الطائفة اليهودية في فرانكفورت، إلا أن سزكين أعلن رفضه استلام الجائزة حتى لا يشارك سالمون كورن الذي أيد الهجوم الإسرائيلي على غزة.

وظني أن هذا كان أحد أسباب الرد الحاد لتلك الولاية الألمانية فيما بعد؛ فبعد أن أنشأ سزكين متحفًا لتاريخ العلوم في الحضارة العربية الإسلامية بإسطنبول سنة 2008، كانت أمنيته أن ينقل مكتبته الخاصة من جامعة فرانكفورت إلى متحفه الجديد في إسطنبول، ولكن حكومة ولاية هيسن الألمانية تدخلت لمنع ذلك في سنة 2010، وظلت الكتب في جمارك المطار لفترة طويلة احتدم خلالها الجدال بين سزكين وحكومة ولاية هيسن.

وكان سزكين يتعجب ويقول إن الكتب ملكي، ولكن الولاية الألمانية تحججت بأن المكتبة كُوّنت بأموال عامة، وأن كثيرًا من كتبها قديم ويرجع لأكثر من مئة عام، ومن ثمّ يعد ضمن التراث القومي الألماني، ولا ينبغي السماح بخروجه من الأراضي الألمانية. وما زالت المشكلة قائمة، وربما تتمكن الحكومة التركية من تحقيق أمنية الرجل العظيم بعد رحيله.


[1] ومن الأمور المحترمة التي قام بها سزكين أنه اعترف سنة 2010 بأن فيلدمان كان أول من بدأ بإعادة صنع آلات العلماء العرب والمسلمين في العصر الحديث، وأن هناك خمس آلات مما أعاد صنعه يقتنيها منذ 1911م المتحف الألماني في ميونخ. (راجع: فؤاد سزكين: عرض موجز لمتحف إستانبول لتاريخ العلوم والتكنولوجيا في الإسلام، إستانبول 2010، ص 8).[2] صدرت الترجمات كلها عن منشورات «معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية»، بجامعة فرانكفورت، ولم أر من الترجمة العربية غير المجلد الأول الذي ترجمه مازن عماوي المترجم العربي المعتاد للمعهد.[3] من المعروف أن بروكلمان كان يعمل طوال الوقت في تصحيح الطبعة الأولى من كتابه، وأنه كان يأمل أن يصدر طبعة مزيدة ومنقحة يعيد فيها صياغة العمل ككل ويتلافى ما فيه من أخطاء وهفوات. ولكن ورثة الناشر الألماني للطبعة الأولى حالوا دون ذلك؛ فاضطر أن يصدر ملاحق للطبعة الأولى عند ناشر آخر مما جعل الكتاب مضطربًا وصعبًا في الاستعمال. وعندما اتفقت معه الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية (سنة 1948) على ترجمة كتابه إلى العربية سَعِد جدًا وتحمس للأمر؛ حتى ينفذ في الطبعة العربية ما عجز عنه في الألمانية. وقام الرجل بوضع خطة صارت عليها الترجمة العربية لكتابه، وأرسل تصحيحاته وإضافاته التي قام المترجم الجليل د. عبدالحليم النجار بإضافتها في مواضعها كما أراد بروكلمان. مما جعل الترجمة العربية أكثر تناسقًا ووضوحًا من الأصل الألماني. والغريب أن بروكلمان تابع تصحيحاته ومات وهو عاكف عليها. وقد استخدم سزكين الكثير من تلك التصحيحات في كتابه، وسمعت من بعض المستشرقين الألمان أنه ما تزال هناك تصحيحات لا حصر لها دون استخدامها أو الإفادة منها.[4] راجع مقدمة (H. Busse) لكتاب ريشر عن تاريخ الأدب العربي:

Rescher, O.: Abriss der Arabischen Literaturgeschichte. (AdALG) Stuttgart 1925-1933. (Nachdruck mit Vorwort von H. Busse, Osnabrück 1983), S. Ix.[5] Sezgin, GAS, B. I, S. Ix.[6] يبدو أن هاجس العمل على تطوير كتاب بروكلمان كان مسيطرًا في المجتمع الاستشراقي؛ لأنه كان أحد الموضوعات المهمة في مؤتمر المستشرقين الدولي الذي عقد في إسطنبول سنة 1951. ثم حاولت اليونسكو، بالاتفاق مع دار نشر بريل في ليدن، تكوين لجنة دولية من المستشرقين لإنجاز هذا العمل. ويبدو أنهم لم يكونوا يعرفون بداية أن فؤاد سزكين بدأ العمل بمفرده على هكذا مشروع، وعندما عرفوا تعامل البعض، وعلى رأسهم برنارد لويس، مع الأمر بعنصرية مقيتة واستبعدوا أن يقوم تركي مسلم بهذا الأمر. وعندما أصدر سزكين المجلد الأول من موسوعته قامت اللجنة بحل نفسها دون أن يقدموا له الدعم الذي رصدته اليونسكو لإنجاز المشروع![7] عرفان يلماز: مكتشف الكنز المفقود، فؤاد سزكين وجولة وثائقية في اختراعات المسلمين. ترجمة: أحمد كمال، دار النيل، القاهرة 2015، ص 34، وص 49.[8] عبد السلام حيدر: الاستشراق الألماني وتاريخ الأدب العربي، مجلة فكر وفن، عدد 81، سنة 2005، ص 54. ويمكن أن تراجع النص على صفحتي الخاصة بموقع «أكاديميا».