اتخذ الرئيس «عبد الفتاح السيسي»، قبل أيام، قرارًا مفاجئًا بإقالة رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء «خالد فوزي». وجه المفاجأة في القرار نابعة من كونه جاء عقب فترة بسيطة من إشادة البعض بدور «فوزي» في صياغة اتفاق أمني مع حركة «حماس» في قطاع غزة لتضييق الخناق على جماعة «ولاية سيناء» التابعة لـ «داعش»، وكذلك لجهوده في استعادة دور مصر مرة أخرى كفاعل في المشهد الفلسطيني، بعد نجاحه في إبرام اتفاق مصالحة حركتي «فتح» و«حماس».

قرار إسناد إدارة المخابرات العامة بشكل مؤقت إلى مدير مكتب الرئيس «السيسي»، اللواء «عباس كامل»، وكذلك توقيت الإطاحة باللواء «فوزي» (قبيل الانتخابات الرئاسية)، يشيران إلى أن القرار اتخذ على عجل، ودون إعداد بديل، وهو ما يدعونا للعودة إلى الماضي القريب وتفحص تاريخ علاقة «السيسي» بجهاز المخابرات العامة.


الحربية في مواجهة العامة وأمن الدولة

تولى اللواء «عبد الفتاح السيسي» إدارة جهاز المخابرات الحربية عام 2010. وقتها كان الرجل القوي اللواء «عمر سليمان» يترأس جهاز المخابرات العامة منذ ما يقرب من 17 عامًا، وله اليد العليا في كافة الملفات المهمة وعلى رأسها الملف الفلسطيني وملف العلاقات مع السودان. يتمتع بثقة الرئيس «مبارك» المطلقة. كما كان جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني حاليًا) يتمتع بنفوذ كبير جدًا داخل مصر ويدير الحياة السياسية، تحت قيادة وزير الداخلية الأسبق «حبيب العادلي».

بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وتولي المجلس العسكري مقاليد الحكم، انقلب الحال؛ تمت الإطاحة باللواء «سليمان» وتقلّص نفوذ المخابرات العامة، وسقط «حبيب العادلي» ومعه جهاز أمن الدولة، وأصبحت اليد الطولى لجهاز المخابرات الحربية تحت قيادة «السيسي». استمر الأمر على هذا الحال طوال الفترة التي قضاها «السيسي» على رأس «الحربية» وكذلك خلال فترة توليه وزارة الدفاع، وسط أحاديث جانبية عن محاولات تقوم بها المخابرات العامة لاستعادة دورها أو على الأقل موازنة دور نظيرتها الحربية.


تقليم الأظافر

عقب إطاحة الجيش بالرئيس الأسبق «محمد مرسي»، في الثالث من يوليو/ تموز 2013، وتعيين المستشار «عدلي منصور» رئيسًا مؤقتًا، أصبح لوزير الدفاع – حينها – الفريق أول «السيسي» كلمة مسموعة في كافة أجهزة الدولة، وحينها بدأت عملية «تقليم أظافر» جهاز المخابرات العامة.

بدأت العملية بقرار اتخذه الرئيس «منصور»، بعد توليه المنصب بأيام، بتعيين اللواء «محمد فريد التهامي» –الذي أقاله مرسي من رئاسة هيئة الرقابة الإدارية – رئيسًا للمخابرات العامة، خلفًا للواء «رأفت شحاتة». انتشرت أقاويل حينها عن وجود علاقة شخصية بين «التهامي» و«السيسي» دفعت الأخير لطرح اسمه على الرئيس «منصور» كشخص موثوق فيه.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2013، أصدر «منصور» قرارًا جمهوريًا بإحالة 10 وكلاء لجهاز المخابرات العامة إلى المعاش بناءً على طلبهم. كانت هذه أول مرة يتم فيها إقالة عدد كبير من قيادات جهاز المخابرات العامة دفعةً واحدة بهذا الشكل، لكنه أصبح قرارًا معتادًا بعد تولي «السيسي» للرئاسة.

أصدر الرئيس «السيسي» منذ توليه الرئاسة وحتى الآن 7 قرارات، تم بمقتضاها إحالة العشرات من مسؤولي جهاز المخابرات العامة إلى المعاش بدعوى أن هذه رغبتهم، أو بدعوى تدهور وضعهم الصحي. كما تم أيضًا إقصاء عدد من أبناء الجهاز بإرسالهم للعمل في وزارات مدنية.

تمت أغلب هذه المذابح الإدارية تحت قيادة اللواء «خالد فوزي»، الذي عينه «السيسي» على رأس جهاز المخابرات العامة أواخر عام 2014، خلفًا للواء «التهامي» الذي «أُعفي» من منصبه بسبب تدهور وضعه الصحي، كما نشر حينها. لكن تقارير صحفية تحدثت عن أن السبب الحقيقي لإقالة «التهامي» هو التسريبات التي نشرتها قنوات تلفزيونية محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين.

ويرى الباحث «إسماعيل الإسكندراني» (المحبوس احتياطيًا حاليًا)،في مقال له بمناسبة إقالة بعض من وكلاء المخابرات العامة عام 2015، أن بعض قرارات الإحالة للتقاعد جاءت في إطار «التخلص من الولاءات القديمة لمدير المخابرات الراحل عمر سليمان أو خليفتيْه، مراد موافي ورأفت شحاتة»، وأن بعضها جاء لـ«خلافات بين جهازي المخابرات العامة والحربية، بسبب تداخل الاختصاصات في محاربة الإرهاب في شمال سيناء»، كما يمكن رؤية هذه القرارات جميعًا في إطار «الصراع القديم بين الجهازين الذي تجدد في طور جديد، بعد أن تغيرت موازين القوى وأصبحت للمخابرات الحربية اليد العليا ميدانيًا في سيناء وبقية الأطراف الحدودية، وسياسيًا في القاهرة».


لغز الإطاحة بفوزي

نشرت «الأخبار» اللبنانية، نقلًا عن مصادر مطلعة، أن قرار إعفاء اللواء «خالد فوزي» من منصبه «جاء لسببين رئيسيين: الأول مرتبط بالملف الفلسطيني، وعودة التعثر في المصالحة بين حركتي فتح وحماس؛ والثاني مرتبط بالإعلام وإخفاقه في توظيف الإمكانات التي أُتيحت إعلاميًا والإنفاق الزائد الذي سيجري ترشيده بصورة كبيرة خلال الفترة المقبلة من قبل شركة (إيجل) التي تديرها وزيرة الاستثمار السابقة داليا خورشيد خلال الفترة الحالية، وتعمل على مراجعات مالية موسعة في جميع الأنشطة الإعلامية التي قام بها جهاز المخابرات خلال السنوات الأربعة الماضية».

قد تكون هذه الأسباب منطقية إذا اتُخذ قرار إعفاء «فوزي» من منصبه في ظروف عادية وليس والدولة مقبلة على انتخابات رئاسية، أو إذا كان هناك بديل أفضل جاهز وليس بديلًا مؤقتًا مثل اللواء «عباس كامل» الذي هو من خارج الجهاز. لكن التوقيت والبديل يشيران إلى أن الأمر أكبر من أن يكون السبب تقصيرًا في أداء المهام.

ترى بعض التحليلات أن السبب الحقيقي لإعفاء «فوزي» هو وجود اتصالات بين مسؤولين من المخابرات العامة ومنافسين للرئيس «السيسي»، كالفريق «أحمد شفيق»، الذي كاد ينافس الرئيس «السيسي» على الرئاسة، والفريق «سامي عنان» الذي قرر خوض انتخابات الرئاسة ضد «السيسي». ولهذه التحليلات أصول منذ عدة سنوات، إذ عبر عنها «إسماعيل الإسكندراني»، في مقاله سابق الذكر، بقوله إن الخوف الأكبر من المخابرات العامة هو «وجود اتصالات بين الطواقم القديمة للجهاز وبين لاعبين سياسيين إقليميين، بما يهدد بقاء نظام السيسي واستمراره. فالولاءات الممتدة لقيادات الجهاز السابقة، وخاصة الراحل عمر سليمان، دومًا محل شك وتهديد. كذلك فإن القلق غير منقطع في اتصال بعض كبار النخبة العسكرية المتقاعدة غير المرحب بها، مثل رئيس الأركان الأسبق سامي عنان والمرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق، ببعض قيادات وكوادر جهاز المخابرات العامة».