أعلن وزير الري المصري الدكتور محمد عبد العاطي، يوم الإثنين، تلقيه خطابًا رسميًا من نظيره الإثيوبي يعلمه ببدء عملية الملء الثاني لخزان سد النهضة، وهي الخطوة التي كانت القاهرة تتخوف من حدوثها دون الوصول لاتفاق قانوني ملزم مع أديس أبابا يحفظ حقوقها في مياه النيل.

جاء الرد المصري كما هو متوقع، حيث أعلنت القاهرة رفضها القاطع لهذا الإجراء معتبرة أنه «يعد خرقًا صريحًا وخطيرًا لاتفاق إعلان المبادئ» الموقع بين مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015، كما أنه «انتهاك للقوانين والأعراف الدولية التي تحكم المشروعات المقامة على الأحواض المشتركة للأنهار الدولية».

بعيدًا عن المناقشات الجارية حاليًا حول الخطوة المصرية/ السودانية المقبلة للرد على ما قامت به إثيوبيا، وإمكانية تدخل مجلس الأمن في الصراع الدائر لحلحلة الأمور، ينبري تساؤل هام حول تأثير الملء الثاني لخزان سد النهضة على كل من مصر والسودان وإمداداتهما من مياه النيل.

تأثير الملء الثاني

بدأت إثيوبيا الملء الأول لخزان سد النهضة في يوليو/ تموز 2020، حيث قامت باحتجاز 4.9 مليار متر مكعب من مياه نهر النيل الأزرق خلف السد، وهو ما يمثل 6.6% من السعة التخزينية للسد البالغة 74 مليار متر مكعب من المياه.

أدى الملء الأول لخزان «النهضة»، والذي جرى دون أي تنسيق مع دولتي مصب النيل، إلى تضرر السودان، حيث تعرضت السدود السودانية للارتباك بسبب غياب التنسيق وعدم تبادل بيانات الملء والتفريغ مع إثيوبيا، وانحسرت المياه بشكل مفاجئ عن نهر النيل الأزرق، وكان ذلك سببًا جزئيًا في خروج عدد من محطات المياه في الخرطوم عن الخدمة وانقطاع المياه في عدد من أحياء العاصمة.

أما مصر فلم تتأثر بعملية الملء الأول لخزان سد النهضة، حيث إنها تمتلك احتياطيًا كبيرًا من المياه في خزان السد العالي، يبلغ 169 مليار متر مكعب من المياه. وفي حالة وجود أي عجز في إيراد النيل تقوم بالسحب من خزان السد العالي، كما حدث خلال موسم الجفاف الممتد في الفترة من 1979 إلى 1987، حيث تم سحب ما يقرب من 70 مليار متر مكعب من مخزون بحيرة السد العالي لتعويض العجز.

وفق الخطط الإثيوبية المعلنة، فإن حجم الملء الثاني لخزان سد النهضة يبلغ 13.5 مليار متر مكعب من المياه، ما يمثل 18.2% من السعة التخزينية للسد.

يؤدي هذا السيناريو، حال تنفيذه، إلى اقتطاع 16% من حصة مصر والسودان السنوية من مياه النيل البالغة 84 مليار متر مكعب مياه، وهو ما سيؤدي إلى آثار سلبية كبيرة على دولتي المصب، حيث قد تخرج كثير من محطات المياه السودانية عن العمل كما حدث العام الماضي، وستضطر مصر إلى سحب جزء كبير من احتياطيها الإستراتيجي من المياه لتعويض العجز.

لحسن الحظ، تشير الدلائل إلى أن أديس أبابا لن تتمكن من تخزين كل هذا الكم من المياه خلال الملء الثاني لخزان «النهضة»، بسبب تأخر أعمال الإنشاءات في جسم السد. ووفق خبراء، فإن إثيوبيا لن تستطيع تخزين سوى 4 مليار متر مكعب من المياه فقط هذا العام.

وفق هذا السيناريو، ستكون مصر والسودان قادرتين على التعامل مع الملء الثاني لخزان السد دون ضرر كبير، كما حدث العام الماضي.

الضرر الأكبر الذي سيصيب القاهرة والخرطوم هو قيام أديس أبابا بفرض إرادتها عليهما، ومضيها قدمًا في الملء الثاني لخزان سد النهضة دون اكتراث بمطالبهما وتهديداتهما، وهو ما يجعل من نهر النيل «بحيرة إثيوبية» كما سبق وصرح وزير خارجية إثيوبيا غيدو أندارجاشو.

ويقلل كل مليار متر مكعب يتم ملؤه من خزان سد النهضة من خيارات مصر والسودان في التعامل مع السد، حيث يتراجع الحل العسكري الذي يتم التلويح به خوفًا من الفيضان الذي سينتج عن اندفاع كل هذه المياه تجاه السودان ومصر، وهو ما يضع إثيوبيا في موقف تفاوضي أقوى.

هل نشهد تراجعًا في حدة الموقف الإثيوبي؟

بعد الملء الثاني سيأتي الجميع إلى طاولة المفاوضات. صدقني لأنه ضخم؛ 13 مليار متر مكعب. لذا فعلى الجميع، السودان ومصر، أن يحافظوا على هذا السد ويمنعوا تدميره من قبل البلدان الأخرى. وإذا تم تدمير السد فلن تجد لا السودان ولا مصر، فالطوفان سيجرفهم إلى البحر المتوسط.

مدير إدارة الهندسة في وزارة الدفاع الإثيوبية، الجنرال بوتا باتشاتا ديبيلي
بعد الملء الثاني سيأتي الجميع إلى طاولة المفاوضات. صدقني لأنه ضخم؛ 13 مليار متر مكعب. لذا فعلى الجميع، السودان ومصر، أن يحافظوا على هذا السد ويمنعوا تدميره من قبل البلدان الأخرى. وإذا تم تدمير السد فلن تجد لا السودان ولا مصر، فالطوفان سيجرفهم إلى البحر المتوسط.
مدير إدارة الهندسة في وزارة الدفاع الإثيوبية، الجنرال بوتا باتشاتا ديبيلي

يعد هذا نموذجًا مثاليًا على التصريحات الصلفة والخشنة التي دأب المسؤولون الإثيوبيون على إطلاقها طوال الفترة الماضية، لكن البعض يعتقد أنها تستخدم للدعايا الشعبية للمداراة على الأزمات الداخلية، والهزيمة الفادحة التي مُنيت بها القوات الحكومية الإثيوبية في حربها ضد جبهة تحرير تيجراي.

ويأمل خبراء في أن يؤدي الفوز المرتقب لحزب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بالانتخابات البرلمانية، وضمانه الاستمرار في رئاسة الحكومة، إلى تراجع حدة الموقف الإثيوبي من أزمة سد النهضة، وقبولها باتفاق قانوني ملزم يريح مصر والسودان.

وبدأت تصريحات المسؤولين في الهدوء إثر ظهور النتائج الأولية للانتخابات، حيث قال آبي أحمد، أمس الإثنين، في تصريحات أمام البرلمان الإثيوبي إن «هدف بلاده من بناء سد النهضة هو فقط تلبية حاجاتها من الكهرباء، من دون تشكيل تهديد على دول المصب».

وأشار «أحمد» في كلمته إلى أن «مبادرته الخضراء، التي تشمل زراعة مليارات الشتلات في إثيوبيا، يمكن أن تساعد مصر والسودان في الحصول على مياه أكثر مما تحصلان عليه حاليًا»، مؤكدًا أن بلاده «ليس لديها نية لإيذاء الآخرين، بل تطمح بدلاً من ذلك إلى تحقيق تنمية مشتركة عن طريق التعاون مع الآخرين».

رغم هذه التصريحات الهادئة إلا أنه لا يمكن الاطمئنان للنية الإثيوبية بخصوص أزمة سد النهضة، فقد تكون مناورة جديدة، خاصة وأنها دأبت خلال العقد الأخير على إضاعة الوقت من أجل ملء خزان السد وفرض سياسة الأمر الواقع على مصر والسودان.