أمراض كثيرة مجرد ذكر اسمها يبثُّ القلق في النفوس، لكن يصعب أن يكون هناك منافس لمرض الإيدز في وقعه المرعب على الأذن والعقل والقلب. فماذا يفعل أحدنا إذا فوجئ بأحد المقربين منه للغاية، أو المقيمين معه تحت سقف واحد، وقد أصبح مصابًا بهذا المرض المرعب؟ هل هناك أشكال خاصة من التعامل في كل كبيرة وصغيرة من تفاصيل الحياة، أم أن الأمور يمكن أن تسير وكأن شيئًا لم يكن، أم أن الصواب بين هذا وذاك؟

1. ما هو مرض الإيدز؟

حتى يمكن التعامل جيدًا مع المصاب بهذا المريض في محيطنا، لابد وأن تكون لدينا خلفية معرفية أساسية جيدة عن هذا المرض. كلمة إيدز عبارة عن 4 أحرف إنجليزية AIDS، وهي اختصار يعبر عن ( متلازمة نقص المناعة المكتسبة)، وهو مرض خطير يسببه فيروس HIV، أو فيروس نقص المناعة المكتسبة لدى الإنسان.

يتواجد الفيروس في بعض سوائل الجسم مثل الدم والسائل المنوي والإفرازات المهبلية واللعاب ولبن الأم، ولذلك يشيع انتشاره من إنسان لإنسان عبر الدم الملوث، أو الحقن الملوثة كما يحدث بين مدمني الحقن المخدرة، ومن خلال العلاقة الحميمة بمختلف صورها (مهبلي – شرجي – فموي..) لكن بشرط أن يصل السائل الملوث إلى داخل الدم من خلال جروح بالجلد مثلًا، أو من خلال الأغشية المخاطية المبطنة للجهاز الهضمي والتناسلي، لكثافة تغذيتها الدموية، وقدرتها على الامتصاص. كذلك يمكن أن ينتقل من الأم لجنينها أثناء الحمل أو الولادة أو الرضاعة.

يتخصص هذا فيروس HIV في مهاجمة نوع مهم للغاية من خلايا المناعة، وهو كرات الدم البيضاء الليمفاوية من النوع CD4، والتي تلعب دور المايسترو في إدارة عمل جهاز المناعة. ولذا فمتابعة عدد خلايا CD4 بالدم حيوي للغاية لتقييم مدى شدة حالة الإصابة بالإيدز، وتحديد العلاجات الوقائية اللازمة، حيث يؤدي تناقص هذه الخلايا، إلى زيادة فرصة الإصابة بالعدوى الانتهازية، والتي تسببها بعض أنواع الفطريات أو البكتيريا أو الفيروسات أو الديدان، والتي لا تستطيع إصابة أصحاب المناعة السليمة.

يتم علاج الإيدز عبر اتجاهين، علاج وقائي ببعض المضادات الحيوية والفيروسية… الخ لمنع حدوث العدوى الانتهازية، والعلاج بمضادات فيروس الإيدز وهي قادرة على كبح جماح الفيروس، وتقليل كميته في الجسم، لكن يظل هناك فرصة لتفاقم الإصابة في أي وقت، خاصة في حالة عدم الانتظام على العلاج.

2. وصمة الإيدز

لا ينتقل فيروس الإيدز أبدًا عبر المصافحة، أو مشاركة الطعام والشراب، أو مشاركة دورة المياه، أو من خلال الرذاذ والنفس، أو البول، أو البراز أو الدموع أو اللعاب أو العرق أو لدغات الناموس، والحشرات عمومًا أو الأحضان أو التقبيل (ولا حتى التقبيل بالفم!).

بعد معرفة الأساسيات، سنبدأ التطبيق، وأوله هو عدم المشاركة في مفاقمة ما يسمى بوصمة الإيدز، ومساعدة المريض على التغلب عليها، لأنها من أخطر ما يتعلق بهذا المرض، وتسبب الكثير من المشكلات النفسية والاجتماعية لدى المريض والمحيطين به.

ينظر المجتمع المحيط بمريض الإيدز إليه نظرةً سلبية، عائدة للارتباط الشرطي في الأذهان بين الإيدز والعلاقات الجنسية الشاذة، والعلاقات خارج الإطار الرسمي. وهذه النظرة قاصرة بالطبع، إذ يمكن انتقال الإيدز من خلال الدم، ومن خلال علاقة رسمية أحد أطرافها مصاب بالإيدز.

وعمومًا لا يليق التعامل مع المريض كمتهم، فهذا يضيف أعباءً نفسية جسيمة عليه، بجانب الأعباء الصحية للمرض، ويدفع معظم مرضى الإيدز إلى السقوط في فخ الإنكار، فيتأخر تلقيهم للعلاج شهور، أو إخفاء إصابتهم بالمرض عن المخالطين لهم، ومن يقيمون معهم علاقات جنسية، مما يزيد فرص انتشار المرض.

تعامَل بشكل طبيعي قدر الإمكان مع المصاب، واكتسب ثقته، وساعده على الحفاظ على ثقته بنفسه، ومواجهة حقيقة مرضه، فلا يتأخر في طلب العلاج حتى فوات الأوان. كذلك ساعِده في الخطوة الصعبة المتعلقة بمصارحة من يمكن أن ينقل لهم المرض بحقيقة ما عنده (شركاء العلاقة الحميمة السابقون والحاليون – شركاء تعاطي الحقن المخدرة السابقون والحاليون …)، وذلك للاطمئنان على أنفسهم.

3. هل يمكن أن نعيش لسنوات مع مريض الإيدز تحت سقفٍ واحد دون انتقال العدوى إلينا؟

أكثر الأفكار الخاطئة شيوعًا بخصوص الإيدز هي المتعلقة بطرق انتقاله من شخص لآخر. تصل الوسوسة بالكثيرين إلى حد التعامل مع مريض الإيدز على أنه كتلة من العدوى تمشي على قدمين، فيتجنبون مصافحته، وتناول الطعام معه على مائدة واحدة، والبعض يخشى من الجلوس على كرسي قام منه.. الخ، بل حتى الوسط الطبي يعاني من المبالغة الشديدة في تلك القضية، فتجد الكثير من الأطباء والتمريض في غير الحالات الطارئة يرفضون التعامل المباشر مع مريض الإيدز خاصة الجراحات.

لن ينتقل الإيدز لمن يعيشون مع المريض إلا من خلال الدم، أو عبر علاقة جنسية غير آمنة. لا يعرف الكثيرون مثلًا أن فرص انتقال الإيدز عبر الدم أقل كثيرًا من الفيروسات الكبدية سي وبي، ورغم ذلك لا نجد في التعامل مع مرضى الفيروسات الكبدية، نفس الهوس تجاه الإيدز. والصواب الحذر في التعامل مع كل دم غريب، وبالأخص الإبر الملوثة بالدم، ففيروس الإيدز يمكن أن يتواجد على الإبرة الملوثة بالدم المصاب لمدة قد تصل إلى 40 يومًا.

لا ينتقل فيروس الإيدز أبدًا عبر المصافحة، أو مشاركة الطعام والشراب، أو مشاركة دورة المياه، أو من خلال الرذاذ والنفس، أو البول، أو البراز أو الدموع أو اللعاب أو العرق أو لدغات الناموس، والحشرات عمومًا أو الأحضان أو التقبيل (ولا حتى التقبيل بالفم!).

4. زوجي مصاب بالإيدز، هل يمكن أن تستمر حياتنا معًا بشكل طبيعي؟

سنجيب عن هذا السؤال انطلاقًا من وجهة النظر الطبية البحتة، بغض النظر عن أي اعتبارات اجتماعية أو ثقافية أو دينية… الخ.

الإجابة هي نعم بنسبة كبيرة للغاية، بل إن انتظام الحياة الزوجية بشكل مستقر قد يساعدنا كثيرًا في رحلة العلاج الطويلة لمريض الإيدز، إذ يساهم في إبعاده عن الممارسات الخطرة التي غالبًا ما تكون وراء الإصابة، وكذلك يمنحه مزيدًا من الدوافع لمواصلة مسار العلاج.

الخطوة الأولى لممارسة الحياة بشكل طبيعي، هي مساعدة الزوج المصاب على تلقي العلاج بمضادات فيروس الإيدز، حيث إنها قادرة في أكثر الحالات على منع الفيروس من التضاعف والانتشار، وتقليل كميته في الدم. عندما تكون كمية الفيروس قليلة للغاية أو شبه منعدمة، تكون احتمالية انتقال العدوى شبه مستحيلة من خلال العلاقة الجنسية المباشرة.

لكن رغم ذلك فتبني الزوجيْن لقواعد الجنس الآمن أوجب، وذلك باستخدام الواقي الذكري مثلًا، وعدم التعامل المباشر مع الإفرازات الجنسية لبعضهما البعض، أو مع الدم. كذلك يجب على الزوجين تجنب العلاقات الجنسية شديدة الخطورة في مضاعفة فرص انتقال الإيدز – وغيره من الأمراض المنقولة جنسيًا، مثل العلاقات الجنسية المفتوحة متعددة الشركاء، والجنس الشرجي، والعلاقات مع محترفي الجنس… الخ.

أما القضية الأكثر إثارة للجدل فعلًا، فهي إنجاب الأطفال إذا كانت الأم مصابة بالإيدز. طبيًا، يمكن تقليل فرصة انتقال الإيدز إلى الطفل إلى ما دون 1%، إذا تعاطت الأم مضادات فيروس الإيدز قبل الحمل، ووصلت كمية الفيروس بالدم إلى معدلات شبه منعدمة، ثم تعاطتها بانتظام شديد طوال فترة الحمل، وتمَّ إعطاؤها للطفل لمدة شهر ونص بعد ولادته، لكن يحتاج الأمر إلى دراسة جيدة من الزوجين، و قدر كبير من التواصل والتفاهم بينهما، لأن قرارهما قد يحكم على طفل بريء بالإصابة بمرض عضال، خصوصًا إذا لم يتم تنفيذ التعليمات بحرفية.

5. ماذا عن مكافحة العدوى؟

سنستعين هنا بأساليب مشابهة لمكافحة العدوى في المستشفيات، على سبيل المثال:

عدم التعامل المباشر مع دم المريض، أو سوائل الجسم دون قفازات وحوائل.

في المستشفيات يتم التخلص من المخلفات الحادة كالأمواس والمحاقن الملوثة بدم المريض في الصندوق الآمن المخصص بذلك، ويتم بعد ذلك إرساله إلى المحرقة. إذا لم يمكن القيام بمثل هذا في المنزل، فأضعف الإيمان وضع المخلفات الحادة بحذر – ودون التعامل المباشر معها حتى لو كنت مرتديًا لقفاز – في علبة بلاستيكية، أو مقواة .. الخ، وذلك حتى لا تجرح أحدًا بالمنزل، أو من عمال النظافة.

عند تنظيف سطح ما عليه بقع من دم أو سوائل مريض الإيدز، يتم التنظيف باستخدام مطهر يحتوي مادة الصوديوم هيبوكلوريت مثل الكلوركس الشهير. وهناك بعض المستحضرات المحتوية على تلك المادة والمعدة للاستخدام على سطح الجلد لنفس الغرض.

الخلاصة

يمكن في معظم الأحوال أن تعيش بشكل طبيعي مع مريض بالإيدز تحت سقف واحد، دون أن تتعرض إلى خطر العدوى، وكذلك دون أن تشعره بوصمة الإيدز المُخزية.