لم يدشن الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» حملة ترشحه للانتخابات الرئاسية 2018 إلى الآن، رغم أنه لم يتبق سوى أقل من شهرين على بدء جولتها الأولى. في دولة أخرى غير مصر، ومع شخصية أخرى غير «السيسي»، قد يكون هذا مؤشرًا على عزوف الرئيس عن السلطة وعلى رغبته في التقاعد، لكن الواقع عكس ذلك تمامًا.

اتخذ النظام المصري وداعموه، على مدى الأشهر الماضية، العديد من الخطوات لأجل تمهيد طريق الرئيس «السيسي» لكرسي الرئاسة مرة أخرى، ولعرقلة أي محاولة لمنافسته. تمت كل خطوة من هذه الخطوات بشكل منفصل، وهذه محاولة منا لتجمع أجزاء الصورة.


«عشان تبنيها» .. وأخواتها

«عشان تبنيها» و«كلنا معاك من أجل مصر» و«هتكمل معانا»، كلها أسماء لحملات دشنها داعمون للنظام في النصف الثاني من عام 2017، لهدف واحد؛ وهو مناشدة الرئيس «السيسي» من أجل الترشح لفترة رئاسية ثانية.

أبرز وأغنى «حملات الضغط» على الرئيس هي «عشان تبنيها» التي تمتلك 168 مقرًا في مختلف المحافظات، ولها منسقون في 36 دولة بالعالم. اختارت الحملة أسلوب جمع توقيعات المصريين لـ«إلزام» السيسي بالترشح، كما قال مسؤولها للتواصل النائب «محمد شعبان». وأقامت لهذا الغرض عشرات المؤتمرات الجماهيرية، كما وظفت مئات الشباب لتوزيع استمارات الحملة ولتسجيل بيانات الموقعين. وهو ما طرح تساؤلات حول مصدر تمويلها؟

يقول «شعبان»: إن الحملة تُموَّل عبر مجموعة من أعضاء مجلس النواب، وأبرزهم وكيل المجلس «سليمان وهدان» الذي طبع بمفرده أكثر من 700 ألف استمارة. أما المقرات فقد وفرها حزب «مستقبل وطن»، الذي يموله رجل الأعمال المقرب من النظام «أحمد أبو هشيمة»، وائتلاف «دعم مصر» الممول من رجال أعمال داعمين للنظام أيضًا. وتولى «مستقبل وطن» كذلك دفع أجور وانتقالات وتكاليف تغذية الشباب المشاركين في الحملة.

أعلنت «عشان تبنيها» أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، أي بعد 70 يومًا من تدشينها تقريبًا، أنها جمعت أكثر من 12 مليون استمارة مطالبة للرئيس بالترشح لفترة رئاسية ثانية.

حققت «حملات المناشدة» هذه عدة أهداف، أولها، إظهار الرئيس كما لو أنه لا يرغب في الترشح للرئاسة ويحتاج إلى الضغط عليه من أجل التنازل عن موقفه وقبول المسؤولية مرة أخرى. كما كانت هذه الحملات ميدانًا لرجال الأعمال للتنافس في إظهار حبهم وولائهم للرئيس والنظام. وأخيرًا تعتبر هذه الحملات حملات شبه رسمية لـ «السيسي» إلى أن يعلن عن حملته الانتخابية رسميًا.


مد حالة الطوارئ

أصدر الرئيس «السيسي»، مطلع عام 2018، قرارًا بمد حالة الطوارئ التي ستنتهي في 13 يناير/ كانون الثاني الجاري، لـ3 أشهر جديدة، نظرًا لـ«الظروف الأمنية الخطيرة التي تمر بها البلاد». يعني هذا أن الانتخابات الرئاسية، أو على الأقل جولتها الأولى، ستجري في ظل العمل بحالة الطوارئ.

من ضمن الصلاحيات التي يمتلكها الرئيس خلال حالة الطوارئ، وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والمرور في أماكن أو أوقات معينة، والأمر بمراقبة الرسائل، أيًا كان نوعها، ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم، وكل وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها، وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها.

يخدم تجديد حالة الطوارئ الرئيس «السيسي» بشكل مباشر، إذ يستطيع التحكم قانونيًا في المحتوى الذي ينشر عبر وسائل الإعلام، كما يمكنه القبض على أي شخص بموجب قانون الطوارئ. ويتنافى هذا مع أجواء الحرية والديمقراطية التي يفترض أن تقام فيها الانتخابات.


الإطاحة بالخصوم

نجح الرئيس في الإطاحة بخصومه المحتملين في الانتخابات الرئاسية المقبلة عبر عدة طرق. كانت البداية مع المرشح المحتمل «القوي» الفريق «أحمد شفيق»، والذي كان يشكل تهديدًا جادًا لـ «السيسي». وتمكن النظام من الضغط على «شفيق» حتى اضطر إلى إعلان التراجع عن الترشح، بل والتخلي عن رئاسة حزبه «الحركة الوطنية»، وتفويض صلاحياته إلى نائبه.

تكفلت الأجواء القمعية التي تعيش فيها مصر بتخويف مرشح محتمل آخر لمنافسة «السيسي» هو ورئيس حزب الإصلاح والتنمية «محمد أنور السادات». فالرجل وصل به الحال إلى إرسال خطاب لرئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، المستشار «لاشين إبراهيم»، يشتكي فيه من تدخلات جهاز الأمن الوطني لمنع حزبه من تنظيم مؤتمر صحفي بأحد فنادق القاهرة للإعلان عن موقفه من الانتخابات الرئاسية. ثم اضطر إلى التراجع عن الترشح للانتخابات خوفًا من تعرض شباب حملته للقمع.

ورغم أن المرشح المحتمل «خالد علي» لم ينسحب إلى الآن، وتمضي حملته قدمًا في جمع توكيلات شعبية، إلا أن هذا لا يعني أن الأمور تثير على ما يرام، فالحملة اشتكت من الأجواء القمعية التي تعيش فيها مصر، ولم يخفِ بعض أعضائها تخوفهم من الاستهداف الأمني لمن يقومون بتوقيع توكيلات لترشح «خالد علي»، ومن خروقات يقوم بها داعمو الرئيس «السيسي».

وفيما يخص المرشح المحتمل رئيس الأركان الأسبق الفريق «سامي عنان»، فهناك شكوك كبيرة حول قدرته على جمع استمارات تزكية من نواب البرلمان، أو جمع 25 ألف توكيل من المواطنين خلال الفترة القصيرة المتبقية.


توكيلات بالجملة

Dozens of women are waiting in front of Giza Real Estate Registration Office to submit their recommendations for the…

Gepostet von Sam Magdy am Montag, 15. Januar 2018

رغم أن الحملة الانتخابية للرئيس لم تُدشن بشكل رسمي، فإن هناك متطوعين قاموا بجمع استمارات من نواب البرلمان وتوكيلات من المواطنين لصالح الرئيس «السيسي» من أجل الترشح للانتخابات.

وقام 516 نائبًا بالبرلمان بتوقيع استمارة تزكية للرئيس للترشح لدورة ثانية، بعد ساعات من إعلان الهيئة الوطنية للانتخابات في 8 يناير/ كانون الثاني الجاري جدول الانتخابات. وتتجاوز هذه الاستمارات العدد المطلوب بمراحل، إذ يشترط الدستور المصري لقبول الترشح لرئاسة الجمهورية «أن يزكي المترشح عشرين عضوًا على الأقل من أعضاء مجلس النواب».

وحشد عدد من رجال الأعمال والمؤسسات الحكومية آلاف العمال والموظفين من أجل عمل توكيلات للرئيس «السيسي». وتواردت تقارير عن خضوع موظفين في الدولة لضغوط من أجل التوقيع على التوكيلات، وكذلك شراء أصوات مواطنين بالمال والمساعدات الغذائية.

بالطبع تثير رغبة النظام وداعميه في تجميع هذا الكم من التوكيلات، سواء من نواب البرلمان أو المواطنين سؤال؛ لماذا؟

يتماشى تجميع هذا الكم من التوكيلات، وقبلها استمارات حملة «عشان تبنيها»، مع شخصية الرئيس «السيسي» كرجل محب للتفويض وليس الانتخابات، وكشخص يهتم بإظهار نفسه بمظهر العازف عن السلطة لولا ضغوط الجماهير.


حملة سيناء المرتقبة

يبني الرئيس «السيسي» جزءًا كبيرًا من شرعيته على كونه محاربًا الإرهاب، وحائط الصد الذي يمنع الجماعات الإرهابية من تحويل حياة المصريين إلى جحيم. اهتزت الشرعية المستمدة من الحرب على الإرهاب كثيرًا خلال الفترة الماضية، خاصة بعد أن قُتل أكثر من 300 مدني في مذبحة مسجد الروضة المروعة. من أجل هذا أمهل «السيسي»، في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، رئيس الأركان 3 أشهر فقط للقضاء على الإرهاب.

اقرأ أيضًا:السهل الممتنع: من يقف وراء حادثة العريش؟

رغم أن الجيش المصري لم يتحرك في سيناء إلى الآن من أجل تنفيذ أوامر الرئيس، إلا أن هناك أنباء متواترة عن استعدادات عسكرية «غير مسبوقة» تقوم بها القوات المسلحة في سيناء تمهيدًا للقيام بحملة عسكرية موسعة.وقالت مصادر أمنية لصحيفة «الشرق الأوسط» إن «الفترة الماضية شهدت زيادة في وصول المعدات الأمنية والعسكرية إلى مراكز العريش، والشيخ زويد، ورفح. بينها طائرات (من دون طيار) وكاميرات مراقبة الرؤية الليلية، وتحصينات مستوردة تم تصنيعها خصيصًا للتصدي لهجمات السيارات المفخخة وقذائف (آر بي جيه). كما دعمت أجهزة الأمن الرئيسية القوات بشمال سيناء بصفوة الضباط المتخصصين في تتبع المعلومات، وتفكيك الخلايا الإرهابية، في إطار تكوين (كماشة) حول الإرهابيين من وسط إلى شمال المحافظة».

ويثير توقيت الحملة العديد من علامات الاستفهام، إذ يتساءل البعض لماذا تم الصبر على الجماعات الإرهابية طوال هذه السنوات؟ وهل تزامن توقيت الحملة العسكرية مع الانتخابات الرئاسية يهدف لخدمة الرئيس وإعادة تكوين الصورة الذهنية عنه في مخيلة المصريين كمحارب للإرهاب؟