يهلُّ علينا شهر رمضان بنفحاته وعاداته وتقاليده المميزة، التي ارتبط بها المصريون جيلًا تلو الآخر، فمنذ مئات السنين استقبلوه بحفاوة بالغة، ورأوا فيه فرصة للبهجة والسعادة، بجانب العبادات.

تلك المظاهرة التي ألفها المصريون منذ مئات السنين تدلُّ على أنهم أحبوا الحياة، وتفاعلوا معها بشكل مختلف عن باقي الشعوب، مما جعل لشهر رمضان في القاهرة طابعًا خاصًّا واهتمامًا دون غيره من الشهور، فكانت المظاهرة الدينية والاجتماعية فيه نابضة بالحياة، مثيرة ومدهشة، مما شجَّع الرحالة والمستشرقين الذي زاروا مصر على رصد وتسجيل ملامح شهر رمضان بالقاهرة الساحرة.

ليلة الرؤية

يحكي العالم الفرنسي «آدم فرانسوا جومار»، أحد علماء الحملة الفرنسية على مصر خلال عامي 1798-1801 – في دراسة بعنوان «وصف مدينة القاهرة وقلعة الجبل» توجد في كتاب موسوعة «وصف مصر» – عن رؤية الهلال قائلًا: إن رؤية الهلال تبدأ بخروج الرجال إلى التلال العالية خلف القلعة، وفور ثبوته يعودون بالبشرى، ولا بد من إثبات ذلك كتابةً، وفور ذلك تسير المواكب الرسمية والشعبية المبتهجة في أرجاء العاصمة القاهرة، معلنة بدء صيام رمضان.

في منتصف القرن التاسع عشر وصف المستشرق الإنجليزي «إدوارد وليام لين»، في كتابه «عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم» بين عامي 1833-1835، ملامح ليلة الرؤية في القاهرة، قائلًا: تكفي شهادة مسلم واحد في رؤية الهلال لإعلان الصوم. متابعًا: ينطلق المحتسب وشيوخ بعض التجارات ولفيف من أعضاء هذه التجارات وفِرق الموسيقى والفقراء يرأسهم الجنود في هذه الليلة في موكب من القلعة إلى محكمة القاضي، وينتظرون عودة الشخص الذي ذهب لاستطلاع الرؤية.

ويضيف لين: بعد أن يصل الخبر اليقين بأنه تمت رؤية القمر إلى محكمة القاضي، ينقسم الجنود والمحتشدون فرقًا عديدة، ويعود فريق منهم إلى القلعة، بينما تطوف الفرق الأخرى في أحياء مختلفة في المدينة، تهتف: «يا أتباع أفضل خلق الله صوموا صوموا»، وإذا لم يروا القمر في تلك الليلة، يصرخ المنادي: «بكرة شعبان، ما فيش صيام، ما فيش صيام».

متابعًا: ويمضي المصريون وقتًا كبيرًا من تلك الليلة يأكلون ويشربون ويدخنون، وترتسم البهجة على وجوههم كما لو كانوا تحرروا من شقاء يوم صيام (في حال أُعلن الصيام في اليوم التالي)، وتتلألأ الجوامع أنوارًا، كما في الليالي المتعاقبة، وتُعلَّق المصابيح عند مداخلها وأعلى المآذن.

كما أورد الطبيب الفرنسي كلوت بك (1793-1868)، مؤسس مدرسة الطب في مصر في كتابه «لمحة عامة إلى مصر»، بعض مظاهر شهر رمضان، فقال: هو لا يقع في فصل معين من فصول السنة، وإنما يطوف بها جميعًا، وتتم دورته في كل ثلاث وثلاثين سنة مرة، وهو شهر حرمان لا ترف. أما أكثر الأمور المدهشة في شهر رمضان بالنسبة له فكانت رفض المرضى المصابين بالحمى تناول الدواء، مفضلين الموت على مخالفة واجب الصوم.  

شهر صيام ومهرجانات

أما كيف يقضي المصريون أيام شهر رمضان، فقد سجل العالم الفرنسي «جاسبار كونت دي شابرول» في دراسة بعنوان «المصريون المحدثون» ضمن مشروع «موسوعة مصر»، قائلًا: إن هناك تضاربًا في سلوكيات المصريين خلال شهر رمضان، فهو أهم الأوقات التي ينغمس فيها المصريون في المسرات ومختلف ضروب اللهو، فهو شهر صيام وشهر مهرجانات، وقد يبدو من الغريب أن يختاروا (أي المصريون) مثل هذا التوقيت للقيام بممارسات متناقضة مع التوبة وتطهير النفس من ناحية، وممارسة الملذات من ناحية أخرى.

وأضاف: فهم في النهار كل إنسان يسعى قدر طاقته لإنهاء عمله في أسرع وقت، مخصصًا بضع ساعات للنوم، فترى الفلاح راقدًا تحت نخلة بعد أن أنهى في فترة الصباح عمله، وترى التاجر يرقد في دكانه، والعامة ممُدَّدين في الشوارع بجوار جدران مساكنهم، بينما الغنى راقدًا بالمثل، نعسان ينتظر على أريكته الفاخرة الفترة التي تسبق غروب الشمس.

وأشار «دي شابرول» إلى أنه فور حلول ليل رمضان وبعد الانتهاء من الإفطار، تبدأ الاحتفالات والألعاب، وتسيطر الخلاعة الجامحة على ضروب اللهو، بينما تظل المساجد مضاءة حتى بزوغ الفجر، ويقضي أفاضل الناس ليلهم في حديث نافع، لكن الجمهور يذهب إلى المقاهي حيث الرواة يقصون بحماسة ملتهبة مغامرات عجيبة تخلب الألباب بطريقة فريدة.

بينما قال «آدم فرانسوا جومار»، في دراسته «وصف مدينة القاهرة وقلعة الجبل»، متحدثًا عن عادات وتقاليد المصريين في شهر رمضان: تحيا الأعياد الدينية في القاهرة ببذخ شديد، فالناس جميعًا يعلمون أن رمضان شهر الصوم، فيمتنعون عن الطعام والشراب والتدخين والاستمتاع بأي تسلية بين شروق الشمس وغروبها، ولكن هذا الحرمان، الذي يطول أو يقصر حسب الفصل، يتبعه استمتاع كافٍ لنسيان هذا الحرمان، ويحتفي المسلمون بليالي رمضان، بينما يحضرون خلال النهار في جماعات كبيرة، وبورعٍ شديد، دروس الفقه بالمساجد، ومنهم من يتشاغل بالعمل، وفي الغالب بالنوم، وفي المساء تبدو الشوارع مضاءة صاخبة، وتظل الأسواق والمقاهي مفتوحة حتى أذان الفجر.

ويصف «وليام لين» سلوكيات المصريين قائلًا: يكون المسلمون طوال صيامهم نهارًا نكدي المزاج، ويتحولون ليلًا بعد الإفطار إلى أشخاص ودودين ومحبين بشكل غير عادي، ومن الشائع في رمضان رؤية التجار في متاجرهم يتلون آيات القرآن الكريم، أو يؤدون الصلوات، أو يوزعون الخبز على الفقراء. مؤكدًا أن علماء القاهرة يقيمون حلقات ذكر في منازلهم كل ليلة طوال هذا الشهر، كما يدعو بعض الأشخاص أصدقاءهم فيقيمون ذكرًا أو ختمة (للقرآن الكريم).

صخب الإفطار

في كتاب «رحلات السير دوفيلامون» للرحالة الفرنسي «جاك دو فيلامون» الذي زار مصر عام 1589، تحدث عن تفاصيل حياة المصريين في شهر رمضان، ومنها؛ المواكب الدينية، وحلقات الذكر، وعمارة المساجد وزينتها، وزحام الأسواق، ومآدب الإفطار التي يُدعى إليها الأصدقاء، ووصف المصريين بالكرم، قائلًا: إن المصريين لديهم عادة جميلة، إذ يجلسون على الأرض ويأكلون في فناء مكشوف أو أمام بيوتهم، ويدعون المارة إلى الطعام في صدق وحفاوة.

أما عن الساعة التي تسبق أذان المغرب ووقت الإفطار، فيقول «جاسبار كونت دي شابرول» في كتابه: عندما تأتي الساعة التي طال انتظارها، ينهض كل شخص من سباته، ويسرع للحصول على مكانه لتناول الطعام.

متابعًا: أما النساء فهن في شرفات منازلهن لرؤية غروب الشمس، وعندما يحين الوقت، تعلن الأغنيات حلول وقت المسرات ووقت الطعام، وتدوي كل المساجد بأصوات المؤذنين تنادي الناس للصلاة، وتحدث همهمة واضطراب عام، فيتفرق الناس على الفور، وتنفض الجماعات ويتبعثر الجمع إما إلى المقاهي وإما إلى البيوت والمساجد والميادين العامة، ويأكل كل امرئ بشراهة.

ورصد «وليام لين» ظاهرة عجيبة في وقت الغروب، وهي توافد بعض أبناء الطبقات الدنيا إلى المقاهي، لكسر صيامهم بفنجان قهوة.

ولم يغب عن «وليام لين» الحديث عن طعام الإفطار لدى المصريين، قائلًا: يضع أبناء الطبقة المتوسطة والغنية طوال شهر رمضان في الحجرة التي يستقبل فيها سيد المنزل زواره قبيل المغيب بدقائق معدودة، صينية مطلية تزينها أطباق (النُّقَل) المختلفة كالزبيب والتمر المجفف والتين المجفف والكعك والبندق المحمص والجوز، وبعض قلل الشربات من السكر والماء، ويضيفون أحيانًا قطعة جبن صغيرة طازجة ورغيف خبز.

ويستفيض لين قائلًا: يتناول سيد المنزل مع أفراد عائلته أو أصدقائه كاسًا من الشربات، ثم يؤدون صلاة المغرب، وبعد ذلك يجلسون لتناول (الفطور) الدسم المؤلف من اللحم وغيره من أطيب الطعام، ثم يؤدون صلاة العشاء وصلاة التراويح.

مدفع رمضان

في عام 1853 جاء إلى مصر الرحالة البريطاني «ريتشارد بيرتون» ودوَّن بعض ملامح الحياة في مصر، خاصة شهر رمضان في كتابه «رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز»، وقد ذكر عن حديثه عن وقت الإفطار مدفع الإفطار، قائلًا: يا للسعادة! أخيرًا انطلق مدفع الإفطار من القلعة، وفي الحال يجلجل المؤذن بأذانه الجميل داعيًا الناس للصلاة، ثم ينطلق صوت المدفع الثاني من قصر العباسية (سراي الخديوي عباس حلمي الثاني)، فيصيح الناس «الإفطار، الإفطار» وتعم همهمة الفرح في أنحاء القاهرة الصامتة.

المسحراتي

أما الرحالة الإيطالي فليكس فابري، الذي زار مصر عام 1483 خلال شهر رمضان، فقد أعرب عن دهشته ليلة دخوله القاهرة، لكثرة ما رأى في شوارعها من الأنوار والمشاعل والفوانيس المختلفة ألوانها وأشكالها يحملها الكبار والصغار، وشاهد المسحراتي – الذي اعتقد أنه أحد رجال الدين – حيث كان يمر ثلاث مرات في الشوارع ليلًا ومعه طبلة يدق عليها مناديًا الناس بأسمائهم.

ويحكي وليام لين عن المسحراتي، قائلًا: يدور “المسحِّرون” كل ليلة في شهر رمضان، فيطلقون المدائح، ولكل منطقة بالقاهرة مسحِّرها الخاص، الذي يطوف حاملًا بيده اليسرى بازًا صغيرًا وبيده اليمنى عصًا أو قطعةً من الجلد يضرب بها عند كل وقفة ثلاث مرات، يرافقه صبي يحمل قنديلين، مطلقًا المدائح النبوية، مناديًا بالصلاة على الرسول وبتوحيد الله، فيقول: اصحَ يا غفلان وحِّد الرحمن، محمد رسول الله. وينادي الرجال بأسمائهم، أما النساء فكان يقول: أسعد الله لياليك يا ست العرايس.

وأضاف أن من الأمور المثيرة للدهشة أن تضع المرأة في العديد من منازل الطبقة المتوسطة في القاهرة قطعة معدنية صغيرة (أو خمس فضات أو قرشًا أو أكثر) في قطعة من الورق، وتقذفها من النافذة إلى المسحِّر بعد أن تكون أضرمت النار في الورقة حتى يرى مكان وقوعها، فيتلو المسحِّر حسب رغبتها أو بملء إرادته سورة الفاتحة، وقصة قصيرة غير موزونة القافية ليسليها كقصة (الضَّرَّتَين) وشجارهما، وتبعد بعض قصصه عن باب اللياقة والاحتشام، ومع ذلك تسمعها النساء القاطنات في المنازل ذات السمعة الطيبة.

ليلة القدر

يصف «وليام لين» سلوك المصريين في أواخر أيام هذا الشهر، قائلًا: يحيي الأتقياء المتدينون آخر عشرة أيام من رمضان نهاراتها ولياليها في جامع الحسين أو جامع السيدة زينب، وتعرف إحدى هذه الليالي – وهي ليلة السابع والعشرين منه عامة – بليلة القدر، ويقضي هذه الليالي بخشوع كبير بعض الأتقياء الذين لا يستطيعون التأكد أيًّا من الليالي العشر في رمضان هي ليلة القدر، ويجعلون أمامهم وعاءً فيه ماء مالح يذوقون طعمه ليروا إن بات حلو المذاق، فيتأكدون أن تلك الليلة هي ليلة القدر.

أخيرًا، بعض السلوكيات والمظاهرة الاحتفالية المرتبطة بشهر رمضان، ما زالت مستمرة رغم تغير الزمن، فهي رغم أنها تبدو متوارية في الذاكرة ولكنها تظهر جلية مع قدوم شهر رمضان، ومنها المسحراتي، والمدفع، والولائم العامرة في بيوت الأهل والأصدقاء، والنوم نهارًا، وجلسات الذكر والسمر ليلًا، والأغاني الخاصة بشهر رمضان، فهو كما أنه شهر لا مثيل له، أيضًا مظاهرة لا مثيل لها في أي شهر من شهور السنة، ولا يزال المصريون، رغم مرور سنين طوال، قادرين على الاحتفاء به بشكلٍ لا نظير له.