محتوى مترجم
المصدر
The conversation
التاريخ
2018/11/28
الكاتب
روبرت نيلسون

يتفق العاملون في مجالي الصناعة والتعليم على حقيقة واحدة؛ وهي أن العالم يحتاج إلى الإبداع. ورغم الاهتمام المتزايد بهذا المجال، إلا أنه نادراً ما يُترجم إلى تقدم ملموس، حتى بات الجميع يترقب خوفاً من المستقبل؛ نتيجة تراجع القدرات البشرية فيما يتعلق بالإبداع والخيال الخصب.

تنبع أحد الأسباب المؤدية لهذا الشلل من عدم القدرة على تعريف الإبداع، إذ يأبى الإبداع على الخضوع للمقاييس والاستراتيجيات التي نعرفها. وقد دفع غموض ورُقي عملية الإبداع المختصين في مجال التعليم إلى البحث عن طرق مصطنعة لتحويل النشاط التخيلي إلى قوالب جاهزة، وهو ما قضى على روح الإبداع التي يسعون لنشرها.

على سبيل المثال، يُختزل الإبداع غالباً في أساليب حل المشاكل، وبالرغم من أن حل العديد من المشاكل المعقدة يتطلب خيالاً وقدرة على الإبداع، فإن أساليب حل المشاكل ليست جامعة لمعاني الإبداع، وإذا جعلنا التفكير الإبداعي يُركز فقط على المشاكل وحلولها، فإننا بذلك نشجع على النظر إلى العالم بطريقة آلية، ومن ثَمَّ يقتصر النظر على الإحاطة بالصورة العامة ثم تحديد الخيارات الأفضل.

قد يكون من المقبول وضع نماذج جاهزة لتلك العمليات التحليلية، ولكنها تؤثر سلباً على التدفق الطبيعي للتفكير التخيلي الذي لا يمكن التنبؤ به، وفي أغلب الأحوال، لا يكمن الأمر في حل المشكلة، وإنما في رؤية المشاكل التي لم يتمكن أحد من التعرف عليها من الأساس، وغالباً ما تكمن نقطة البداية في أمنية شخصية بتحقق شيء ما أو الدفاع عن فكرة ما أو دفقة من الخواطر الشعرية، يُحفِّز فيها الخيال العقل على تطوير نظرية قوية لم تُطرح من قبل.

وبالنسبة لمقاصد التعليم، تُعد المشاكل أرضاً غير خصبة لزراعة الإبداع، فعند التفكير في الأفكار الجديدة، مثل الأغاني الجديدة، أو الطرق المبتكرة للمعارضة السياسية، أو النكات، فإنها لا تتمحور بالأساس حول المشكلة، وإنما تمثل الأفكار الجديدة فرصة ممتعة للعقل ليمارس حريته واستقلاله، المتمثلة في تلك القدرة السحرية على وضع تسلسل حر للصور المختلفة، ليرى من خلالها تعبيراً فصيحاً عن شيء ألمعي.

ووفقاً لبعض العلماء، فإن ذلك الحافز كان وراء «الإبداعات التاريخية العظيمة»، مثل تلك الإسهامات الكبرى التي قدمها كل من (باخ أو داروين أو فرويد) في مجالات العلوم والفنون، وكذلك هي من تقف وراء «الإبداعات الصغيرة»، التي نشهدها يومياً، والتي لا تهتم فقط بحل المشاكل.

ويعد الاستمتاع باستقلال العقل أساساً للنشاط التخيلي الطبيعي، مثل الفكاهة أو حضور البديهة أو التعبير الجسدي أو الحس المسرحي، أو التهكم الذي يحفز سلوكيات معينة في الآخرين أو يثير فيهم مشاعر قوية.


ترويض الإبداع بالملل!

لا ترى مناهجنا التعليمية الإبداع في صورته العفوية التخيلية الأصلية، وإنما في صورة استراتيجية أداتية، وبالتالي فإننا نروض الإبداع عن طريق تحويله إلى أمر ممل، حيث غالباً ما تُركز المناهج على الهدف وتتوافق مع الغرض اللذان يمكن إدارتهما وتقييمهما.

ومن ثَمَّ، فعندما نجعل الإبداع مسئولاً عن تحقيق هدف ما، فإننا ندمره لتحل محله عملية صناعة القرار، والتي تحلق فوق الأطر التقليدية المعتادة بعيداً عن الآفاق الخصبة المجهولة، وبالتالي فإننا نربط الإبداع بالذكاء المنطقي لا الخيال الجامح.

فذلك الخيال الجامح هو من يُمكِّن العقل من تكوين أفكار رائعة من خلال تجميع أجزاء متناثرة من الأشكال الفوضوية التي يولدها، مثل الشعر أو المجاز أو الحركات الأكروباتية أو التلاعب بالكلمات (الألش)، أو أفكار مثل: لماذا يملك الطاووس ذيلاً طويلاً؟ أو لماذا يفقد الخبز ليونته بعد فترة؟ أو نمط مدهش من الأرقام ينتج عن معادلة ما.

ولأن الإبداع في جوهره غير مسئول، فليس من السهل وضعه في منهج تعليمي، ومن المستحيل تدريسه في ظل ثقافة مخرجات التعلم، إذ تُبين مخرجات التعلم ما ينبغي أن يتعلمه الطالب من مادة معينة أو درس معين، وتعتمد الصيغة:

عند إنهاء هذه المادة بنجاح، ستكون قادراً على كذا وكذا وكذا….

وبالتالي، فإن أي شيء يتعلمه الطالب ينبغي أن يدعم مخرجات التعليم، وأن تهدف التقييمات إلى إظهار اكتساب الطالب تلك القدرات.

وبعد دراسة تاريخية مطولة، خلصت إلى أن نظامنا التعليمي المعاصر يقتل روح الإبداع بشكل نظامي، ويعاقب -دون إدراك- الطلاب على الاعتماد على مخيلاتهم، وتُعد شبكة مخرجات التعلم الملتزمة بالنتائج والتقييمات الأساس الهيكلي للعداء الكامن ضد الخيال.

قد يكون من المستحيل تعليم الإبداع، ولكن أقل ما يمكننا عمله حيال ذلك، هو أن نجعل نظامنا التعليمي مكاناً آمناً لإعمال الخيال، فلا تزال أكاديمياتنا بعيدة كل البعد عن ذلك، على الرغم من إشارة بعض الكتابات إلى ذلك بشكل اعتذاري.

وأرى أن مخرجات التعلم لا تصلح إلا للدراسة غير الإبداعية، وعلى النظام التعليمي إذا كان يهدف إلى زرع الإبداع والخيال في الطلاب أن يتوقف عن مطالبتهم بإظهار أدلة واضحة على التعلم واكتساب المهارات، التي يكون الخيال فيها عائقاً.