قم باختيار أيّ قناة لا تعمل على تلفازك، 1% من الكهرباء الساكنة التي تراها تتراقص على الشاشة وتسمع صوتها هي جزء صغير قديم من بقايا الانفجار الأعظم. في المرة القادمة لا تتذمر عندما تجد إحدى القنوات لا تعمل، فأنت تشهد دومًا جزءًا من ذكرى ولادة كوننا.

بيل برايسون، كتاب موجز تاريخ كل شيء تقريبًا

النهاية الحتمية لكوكبنا قادمة لا محالة، ربما بعد ملايين السنين أو ملياراتها، لكن في النهاية، الأرض ليست سوى كوكب واحد في هذا الكون الواسع، والشمس ليست سوى نجم فرد من مليارات النجوم في مجرتنا، وهناك مئات مليارات المجرات في الكون المنظور. إذن السؤال المطروح هنا: كيف ستكون نهاية هذا الكون الواسع؟.

بعكس المرة السابقة، لا يستطيع العلم تقديم إجابة حاسمة لهذا السؤال، وفهمنا للفيزياء يقترح عدة خيارات لنهاية الكون وبعض الإشارات التي قد تساعدنا، ربما، على النجاة.


التجمد العظيم والموت الحراري

يأتينا الدليل الأول على نهاية الكون من علم الثيرموديناميك، علم الديناميكا الحرارية، ليقدم أول خيارات موت كوننا ونهايته الوخيمة.

الموت الحراري Heat Death، بالرغم مما يوحيه الاسم، لا يشبه الجحيم المستعر، بل هو موت كل الاختلافات الحرارية. قد لا يبدو مخيفًا، لكنه أسوأ من الاحتراق؛ ذلك لأنّ كلّ شيء في الحياة يعتمد على الاختلافات الحرارية، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، ولكن عندما يصل الكون إلى حرارة الموت، سيمتلك كل شيءٍ في كل مكانٍ في الكون درجة الحرارة ذاتها، ولن يحصل بعدها أي شيء على الإطلاق، ستموت كل النجوم وتفنى المادة كلها، ولن يبقى إلا حساء مكون من الجزيئات والأشعة المتناثرة هنا وهناك، ستختفي كذلك الطاقة المتبقية في هذه الجزيئات والأشعة نتيجة توسع الكون؛ لتترك كل شيء عند درجة حرارة تقارب الصفر المطلق.

في هذا السيناريو المسمى «التجمد العظيم The Big Freeze»، سينتهي الكون نهايةً باردةً فارغةً مخيفة.


الانسحاق الشديد

قد ينطوي الكون على نفسه لينتهي بالانسحاق الشديد (Mark Garlick/SPL)

تقول نظرية النسبية العامة بوجود علاقة بين المادة والطاقة من جهة ونسيج الزمكان من جهةٍ أخرى، بين مسرح الأحداث كلها- الزمكان- والممثلين المنهمكين في تفاعلاتهم -المادة والطاقة-، وحسب آينشتاين فإنّ هذه المادة والطاقة هما اللتان ستحددان النهاية الحتمية للكون نفسه.

عندما يتواجد كم كبير من المادة، فإنّ توسع الكون سيبطئ ويتوقف، ليبدأ بالانكماش ويصبح أصغر وبكثافة ودرجات حرارة أعلى، لينتهي بحجم ضئيل.

تقترح النظرية أنّ الكون لا يستطيع البقاء ثابتًا، فهو يتمدد أو ينكمش، هذا ما عرفه آينشتاين في 1917، وأكده الفلكي إدوين هابل في 1929 عندما وجد دليلًا على توسع الكون الدائم. وإذا كان الكون في حالة توسع دائم، فهذا يعني أنّه كان أكثر صغرًا مما هو عليه الآن، هذا أدى إلى وضع نظرية «الانفجار العظيم The Big Bang»، حيث بدأ الكون من نقطة متناهية في الصغر (Singularity) توسعت بشكلٍ سريع للغاية، وما زلنا نرى الإشعاعات الناجمة عن ذلك «الانفجار» حتى الآن بشكل إشعاع الخلفية الكونية الميكروي CMB، وهو تدفق ثابت من الإشعاعات الراديوية التي تأتينا من كل الأنحاء المختلفة من سماء الكون الواسعة.

إذن يعتمد مصير الكون على سؤالين بسيطين: هل سيتسمر الكون بالتوسع للأبد؟، وما هي سرعة هذا التوسع؟.

تعتمد إجابة السؤالين على كمية المادة الموجودة في هذا الكون، زيادة المادة تعني زيادة الجاذبية والتي تعني أنّ كل شيء يقوم بفرض قوى جذبٍ على الأشياء الأخرى مؤديًا لإبطاء هذا التوسع. مادامت كمية المواد قليلةً في كوننا ولا تتعدى عتبةً معينة، فإنّ الكون سيستمر بالتوسع بشكل مستمر، وسيعاني في النهاية من الموت بالتجمد العظيم. لكن عندما يتواجد كم كبير من المادة، فإنّ توسع الكون سيبطئ ويتوقف، ليبدأ بعد ذلك بالانكماش، ويصبح أصغر فأصغر، بكثافة ودرجات حرارة أعلى، لينتهي بحجم ضئيل، بشكل معاكس للانفجار العظيم، وتسمى هذه النهاية «الانسحاق الشديد The Big Crunch».

لم يعرف الفيزيائيون خلال معظم القرن العشرين أيّ نهاية ستحدث حقًا، التجمد العظيم أم الانسحاق الشديد؟، ثم ظهر لدينا مكوّن آخر في هذا الكون، الطاقة المظلمة.


الطاقة المظلمة ونهاية الكون

في نهاية القرن العشرين- في عام 1998- قام فريقان من العلماء بالإفصاح عن إعلان هام: الكون يتوسع بسرعةٍ متزايدة.

لا تستطيع المادة أو الطاقة الاعتياديتان أن تتحكما بالكون بتلك الطريقة، وكان هذا دليلًا على وجود شيءٍ آخر مختلفٍ كليًا، ذلك الشيء تمّ افتراضه من قبل الفيزيائيين، وسُميت تلك الطاقة التي تقوم بدفع أطراف الكون مباعدةً إياها باسم الطاقة المظلمة. حتى اليوم لا نعرف حقيقة هذه الطاقة، رغم أنّها تشكل 70 % من الطاقة الموجودة في كوننا، وتتزايد هذه النسبة باستمرار. إن وجود الطاقة المظلمة يقتضي تراجع دور المادة وكميتها في مصير الكون النهائي، لتأخذ الطاقة هذه المكانة وتلعب هذا الدور الهام، وذلك بتسريع التوسع الكوني ودفع الكون نحو التجمد العظيم بعيدًا عن الانسحاق الشديد، لكن ذلك ليس مؤكدًا وليس الاحتمال الوحيد.

أحد هذه الاحتمالات الأخرى لم ينتج عن دراسة الكون الواسع، بل عن دراسة الجزيئات تحت الذرية، تلك الجزيئات البالغة في الصغر.


التغيير العظيم

إذا وضعنا ماءً نقيًا في كأسٍ نظيف، وقمنا بتبريدها لدرجة أقل من الصفر المئوي بقليل، فإنّ الماء يخضع لظاهرةٍ تسمى التبريد الفائق Supercooling، حيث يبقى الماء سائلًا حتى بعد وصوله إلى درجة التجمد الخاصة به، وذلك لعدم وجود أي شوائب يمكن أن يتشكل الجليد ويتجمع حولها، لكن إن ألقيت قطعةً من الجليد في ذلك المحلول الفائق التبريد، فإنه يتجمد بشكلٍ آني.

لا علاقة لذلك بمصير الكون، ولكن قد يحصل شيء مشابه للفضاء نفسه. فوفقًا لفيزياء الكم، يحتوي حتى الفضاء الفارغ كميةً ضئيلةً من الطاقة، لكن قد يكون هناك نوع آخر من الفراغ في فقاعة ما تحمل كمية طاقةٍ أقل، وقد تخرج هذه الفقاعة إلى الوجود في مكانٍ ما في هذا الكون، وقد يكون أثر هذه الفقاعة مشابهًا لما يحدث عند وضع جسم في كوب من الماء فائق البرودة؛ أي أن الفقاعة تتوسع بسرعةٍ تقارب سرعة الضوء.

داخل هذه الفقاعة تكون جميع الأمور مختلفةً ولن تكون حاضنةً للحياة بالطريقة التي نعهدها، ستتغير خصائص الجزيئات الأساسية داخل هذه الفقاعة كالإلكترونات والكواركات، وتتغير بالتالي فيزياء وكيمياء الذرات والجزيئات، وعلى الأغلب ستتدمر الكواكب والبشر نتيجة هذا التغير المفاجئ، وربما تتغير قدرة الطاقة المظلمة لتنعكس كليًا، فتؤدي لجذب الكون إلى بعضه مؤديةً إلى الانسحاق العظيم.

لكن لحسن الحظ لا نعرف بشكل مؤكد حتى الآن وجود مثل هذه الفقاعة المنخفضة الطاقة حتى الآن!.


التمزق الأعظم والطاقة الشبح

هناك احتمالٌ آخر لنهاية كوننا، وتعود هذه المرة الطاقة المظلمة لتعتلي مركز الأحداث، وتؤدي إلى نهاية الكون دون تدخل كبير من السيناريوهات السابقة.

تملك الطاقة المظلمة خاصية غريبة جدًا، فبينما يتوسع الكون، تبقى كثافة الطاقة المظلمة ثابتةً؛ مما يعني تشكّل المزيد منها لتبقى مكافئة مع حجم الكون المتزايد. هذا شيء غريب جدًا،ولكنه لا يخرق أيًا من قواعد الفيزياء. ولكن ما الذي قد يحدث عندما تزداد كمية الطاقة المظلمة بشكلٍ أسرع من توسع الكون؟.

وضع روبرت كالدويل Robert Caldwell من جامعة دارتموث هذه النظرية وسماها «الطاقة المظلمة الشبح phantom dark energy» وهي تؤدي لنهايةٍ غريبة لكوننا. فإن كانت هذه الطاقة الشبح موجودةً حقًا ستكون نهاية الكون مُظلمة جدًا. لا تزال حتى الآن كثافة الطاقة المظلمة منخفضة جدًا، وأقل من كثافة المادة الموجودة على سطح الأرض بكثير، وحتى أقل من كثافة مجرة درب التبانة. ولكن، مع مرور الزمن ستتراكم كثافة الطاقة المظلمة وتتسبب بتمزّق الكون إلى أشلاء.

في ورقةٍ بحثيةٍ نشرت في 2003، قام كالدويل وزملاؤه بوضع سيناريو «يوم القيامة الكوني»، وفيها يشرح كالدويل الوضع الذي تصبح فيه كثافة الطاقة المظلمة أكثر من كثافة جسم ما، فإن ذلك الجسم يتحول لأجزاء متطايرة. في البداية ستمزق الطاقة المظلمة أطراف درب التبانة مباعدةً إياها عن بعضها، ثم سيتوقف النظام الشمسي عن كونه نظامًا مرتبطًا ببعضه، لكون قوة شد الطاقة المظلمة أكبر من قوة شد الشمس على الأرض، لنصل إلى النهاية بتدمر الذرات على الأرض وتمزقها قبل أجزاء بسيطةٍ من الثانية من دمار الكون، وهذا ما يسميه كالدويل «التمزق الأعظم The Big Rip».

ولكن حسب الملاحظات المستمرة والمتتابعة لتوسع كوننا فإنّ النهاية المتوقعة هي التجمد العظيم، يليه التغيير العظيم، ثم الانسحاق الأعظم.


هل نستطيع الهرب من هذا الفناء المحتوم؟

حسب كالدويل فإنّ التمزق الأعظم بعيد الوقوع ولكنه فقط نهاية متوقعة شديدة الغرابة لكوننا.

قد لا يوجد سبب يدفعنا لدراسة كيفية نهاية الكون، فذلك سيحدث بعد تريليونات السنين القادمة، وليست إحدى هذه النهايات خطرًا محدقًا، كما أنّه لا يوجد خطر يحيط بالبشرية التي ستكون قد انقرضت قبل أيّ سيناريو من السيناريوهات السابقة، لكن هل يمكن لحياة ذكية، بشرية أو غيرها، أن تنجو وتستمر بعد موت الكون؟.

أثار هذا الموضوع اهتمام العالم فريمان دايسون Freeman Dyson من معهد الدراسات المتقدمة في برينستون، وكتب ورقةً بحثيةً في 1979، وقال حينها أنّ الحياة قد تستمر بعد التجمد الأعظم. لكن في هذه الأيام، وبعد اكتشاف الطاقة المظلمة، أصبح صديقنا دايسون أقل تفاؤلًا.

إن كان الكون يتوسع بصورةٍ متسارعة، فإنّ ذلك سيئ بالفعل؛ لأنّ التوسع السريع يعني أننا سنخسر الاتصال بمجرات أخرى، وفي النهاية سنخسر كمية الطاقة المتوفرة في هذا الكون.
فريمان دايسون

حتى الآن لا نعرف ما قد يحصل فعلًا، فقد تقل سرعة التوسّع الكوني في أيّ لحظة نتيجةً لزيادة حجم الكون، وإن حصل ذلك فإنّ المستقبل سيكون أفضل لنا وللمجرات القريبة منا. لكن إن لم يبطئ هذا التوسع الكوني، فإنّ النهاية ستكون وخيمة، لذلك يقترح بعض الفيزيائيين أنّ نبني كوننا الخاص في المختبر ونقفز إليه هربًا من نهاية كوننا.

أحد الذين عملوا على هذه الفكرة هو الفيزيائي آلان غوث Alan Guth، فيزيائي من معهد MIT والمعروف بعمله حول بدايات الكون.

لا أستطيع أن أقول أن قوانين الفيزياء تمنع حصول ذلك – بناء كونٍ في المختبر- لكن إن كان ذلك واقعيًا فإنه سيحتاج تقنيةً أكثر تقدمًا من كل ما نعرفه، وكميات كبيرة من الطاقة لم يتمكن أحد حتى الآن من الحصول عليها أو السيطرة عليها.
آلان جوث

الخطوة الأولى حسب غوث هي تكثيف كميةٍ كبيرةٍ من المادة بدرجةٍ قريبةٍ تشابه تحولها إلى ثقب أسود، بفعل ذلك ومن ثم التخلص من المادة في هذه المنطقة بسرعة، نستطيع أنّ نخلق فضاءً يتمدد بسرعةٍ كبيرة. بهذه الطريقة قد نستطيع أن نبدأ كونًا جديدًا، بتوسع الفضاء حول هذه المنطقة وتقلص حدود هذا الكون، لنصنّع فقاعة من الفضاء حول مكان يكون فيه حجم الفقاعة الداخلي أكبر من حجمها الخارجي.

قد يبدو هذا مشابهًا لما تجده في مسلسل دكتور هو Doctor Who، وحسب غوث، فإن مركبة التارديس TARDIS هي تطبيق فعليّ للفضاء المختبريّ الذي تحدث غوث عنه.

في النهاية، سيختفي الكون الخارجي إلى اللا شيء، ويولد الكون الصغير مستقلًا عن الكون السابق، وتكبر حدوده شيئًا فشيئًا، ويقول غوث معلقًا: «لا شيء واضح حول هذه الفكرة، لا نعرف فعلًا إن كان ذلك ممكنًا أو لا».

يشير غوث أيضًا إلى احتمال وجود أملٍ أفضل بعد نهاية كوننا الحالي. فكان غوث أول من اقترح فكرة التضخم الكوني Inflation الحاصل بعد ولادة الكون بأجزاء من الثانية، وكثير من الفيزيائيين الكونيين يعتقدون أنّ التضخم الكوني هو الفكرة الأمثل لتفسير بداية الكون الأولى، وتقتضي فكرة غوث الاعتماد على إعادة خلق هذا التوسع السريع مرةً أخرى. إنّ فكرة التضخم الكوني تقتضي أفكارًا أخرى تتبعها، فهي تقول أنّ كوننا الحالي ليس سوى جزءٍ صغير من كونٍ متعدد العوالم، والتي تظهر إلى الوجود بشكلٍ مستمر.

«حتى لو ماتت بعض العوالم الجانبية بواسطة التجمد، فإنّ الكون المتعدد يبقى حيًا ويستمر للأبد مع كلّ كونٍ موازٍ يظهر إلى الوجود.»، يقول غوث.

إذن قد ينتهي كوننا بطريقةٍ أو بأخرى، ويبقى الكون متعدد العوالم موجودًا، هناك أملٌ كبير بالنجاة، لكن ليس لكوننا!. وفي النهاية، لا تحزن؛ فعندما يحدث ذلك لن نكون هنا فعلًا!.

المراجع
  1. How will the universe end, and could anything survive