الجمعة، 20 سبتمبر/ أيلول 2019، نزل المئات من المصريين إلى الشوارع، مطالبين برحيل الرئيس السيسي. تأتي هذه التظاهرات ،بعد سنوات عجاف لم يعرف الشارع المصري فيها معنى الاحتجاج، استجابةً لدعوة وجهها المقاول والفنان المصري محمد علي، للمصريين. وكانت آخر احتجاجات واجهها نظام السيسي تلك التي اندلعت عام 2016 تنديدًا بتسليم نظامه جزيرتين مصريتين إلى المملكة السعودية. كانت احتجاجات محدودة، وجرى قمعها منذ اللحظة الأولى.

بدأ المقاول المنشق قبل أسابيع قليلة عرض مقاطع مصورة له، ينتقد فيها الطريقة التي يدير بها عبدالفتاح السيسي البلاد، بعد ما هرب من مصر إلى إسبانيا. زعم المقاول المنشق أن السيسي يهدر مليارات الجنيهات لبناء قصور رئاسية واستراحات في عدد من المدن، في الوقت الذي يطالب المصريين فيه بالتقشف، ويرفع عنهم الدعم تدريجيًا.

لم يألُ السيسي جهدًا في الرد على هذه الاتهامات التي طالته شخصيًا وعددًا من أفراد أسرته، وأمام عدد من المسؤولين والشباب في مؤتمر الشباب الثامن، صرح بإثبات بناء القصور والاستراحات، لكنه ادعى أنه يبنيها للدولة المصرية وليس لشخصه.

رد الرئيس السيسي على اتهامه ببناء قصور رئاسية جديدة

لم تقف اتهامات محمد علي عند هذا الحد، وانتقد توغل الجيش في الحياة المدنية، وتوليه أغلب مشروعات الدولة الإنشائية والتجارية، والتي بدوره يسندها بالأمر المباشر لتجار ومقاولين صغار (كان محمد علي ضمن هذه الفئة لـ15 عامًا). يدعي محمد علي أن الإسناد المباشر من قبل كبار الضباط للمنفذين فتح الباب على مصراعيه لتلقي الرشاوى واستشراء الفساد داخل هذه الطبقة العسكرية الرفيعة، وإعلاء المحسوبية على حساب التنافسية.

ساعدت الحالة التي صنعها محمد علي في خروج عدد من المعارضين في مقاطع مصورة أخرى، ينتقدون رأس النظام السياسي من جوانب متعددة، أبرزهم الناشط السيناوي مسعد أبوفجر، الذي اتهم الرئيس السيسي ونجله محمود بدعم الإرهاب في سيناء، والتربح الشخصي من وراء أعمال تجارية واسعة النطاق في سيناء. أفضت هذه الحالة إلى دعوة محمد علي المصريين للتظاهر والمطالبة برحيل السيسي عن رأس الدولة، وهي الدعوات التي لم يتأكد أحد من جدّيتها حتى كانت ساعة الصفر، مساء الجمعة.

تظاهرات نادرة

اتفقت الصحافة العالمية التي تابعت الحراك الشعبي عن كثب على وصف التظاهرات المناوئة للسيسي، بالتظاهرات النادرة. ورد هذا التوصيف في عدد غير قليل من الصحف كالنيويورك تايمز، وواشنطن بوست، والجارديان، ووكالة رويترز، وول ستريت جورنال.

تقول النيويورك تايمز في افتتاحية تغطيتها: «اندلعت احتجاجات نادرة ضد الرئيس عبدالفتاح السيسي، وسط القاهرة وعدد من المدن الأصغر مساء الجمعة، استجابةً لدعوات عبر فيسبوك تطالبهم بالخروج ضد فساد الحكومة، وهتف المحتجون: يسقط السيسي – ارحل».

تقول الجارديان، إن التظاهر في مصر مجرّم منذ أطاح الرئيس الحالي بالرئيس الأسبق، محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين وتولى هو مقاليد الحكم. اتسم حكم السيسي بتراجع المعارضة المدنية والمجتمع المدني وأي مظاهر للاحتجاج الملموس، وقد خاطر هؤلاء الذين نزلوا إلى الشارع بتعريض أنفسهم للاعتقال واستخدام النظام للقوة المفرطة.

نقلت الصحف أن التعامل الأمني مع التظاهرات لم يأخذ الشكل شديد العنف، الذي تعودت الأجهزة على استخدامه في عصر الرئيس الحالي، فلم تُرق دماء أيٍ من المحتجين، وبدلاً من ذلك استخدمت الشرطة قنابل الغاز المسيل للدموع لتفرق المحتجين، واعتقلت العشرات منهم. توزعت الاحتجاجات بين العاصمة وغيرها من المدن كالإسكندرية والسويس والمحلة الكبرى

شرارة أمل أم لقطة عابرة؟

هذا هو السؤال المسيطر على المتابعين بالداخل والخارج، عبرت عنه بوضوح جريدة بي بي سي البريطانية، وتساءلت في مقدمة تقرير نُشر بالأمس، هل هذه الاحتجاجات شرارة ثورة جديدة أم زوبعة في فنجان؟

تقول الجارديان، إن المتابعين اندهشوا من قدرة الجماهير على النزول ولو لفترة وجيزة في بلد تزخر سجونها بقرابة 60 ألف سجين سياسي. قال الكاتب والمحلل البريطاني د. هيلير للجارديان، إن الاحتجاجات في مصر لا تكون دون إذن من السلطات، وقدر رأينا تظاهرات على مدار السنوات القليلة الماضية يتم تفريقها في التو واللحظة. المعلومة التي حاول التقرير تفنيدها فيما بعد:

المظالم التي دفعت الناس للنزول ستظل لفترة من الوقت، وكانت بالفعل موجودة قبل الآن، السؤال الآن، هل ستسمح السلطات باستمرار الاحتجاجات، نحن لا نعلم على وجه الدقة ما ستسفر عنه حسابات الحكومة المصرية.

التساؤل نفسه طرحته وول ستريت جورنا في تغطيتها، واصفةً خروج المصريين إلى الشارع مرةً أخرى بالتحدي الكبير لإدارة السيسي.

أشارت الجريدة كذلك إلى استطلاع للرأي أُجري عام 2016، أظهر الاستطلاع انخفاضًا حادًا في نسبة قبول السيسي من 82% إلى 68%، ولم يجر مثل هذا الاستطلاع بعدها. تقول النيويورك تايمز، إن التظاهرات لم يكن لها تنظيم مركزي، وبدت عشوائية تمامًا، يحركها الغضب، ليس إلا.

علقت أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، رباب المهدي، لجريدة النيويورك تايمز، على التعامل الأمني مع التظاهرات، والذي بدا أخف وطأة من ذي قبل. تقول المهدي، إن النظام ربما قرر فتح المجال العام للتنفيس قليلًا، لكن هذه الطريقة كانت حاضرة في دولة مبارك، ولم تكن أبدًا حاضرة في دولة السيسي!

سيلفي التحرير

اهتمت وسائل الإعلام الأجنبية بمتابعة ردود فعل الإعلام المصري الحكومي والخاص، الذي يدار بمعرفة أجهزة الدولة الأمنية، وخلصت إلى أن الإعلام المصري تعمد تجاهل الاحتجاجات والتقليل من شأنها.

تنقل صحف نيويورك تايمز، ورويترز، وبي بي سي رواية المذيع ومقدم البرامج الموالي للنظام عمرو أديب، الذي قال «إن مجموعة صغيرة من المحتجين تجمعت بوسط القاهرة لتصوير مقاطع فيديو والتقاط صور ذاتية (سيلفي) بالهواتف المحمولة قبل مغادرة الموقع». وقالت محطة أخرى مؤيدة للحكومة بحسب رويترز، إن الوضع حول ميدان التحرير هادئ.

الملاحظ أن التغطيات الإعلامية الخارجية جميعها اعتمد على ما تنقله كاميرات الهواتف الذكية، وما نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا متفهم في ظل الحظر المفروض من قبل إدارة السيسي على وسائل الإعلام واستهداف الإعلاميين والصحفيين بشكل ممنهج. المحطة الصحيفة التي ادعت أن فريق عملها تابع الاحتجاجات على الأرض هي «بي بي سي»، التي قالت:

شاهد فريق بي بي سي وجودًا مكثفًا لقوات الشرطة المدنية والشرطة العسكرية التابعة للقوات المسلحة لمنع التظاهرة التي بدأت بأعداد قليلة قبل أن تأخذ أعدادها في التزايد.

انتهى يوم الجمعة، مخلفًا وراءه بعض الأمل وعشرات المعتقلين. وليس بإمكان أحد التنبؤ بمصير الاحتجاجات ضد نظام السيسي، إن كانت ستستمر أو ستُقمع.