تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية منذ عدة أيام لإعصار مدمر ضرب مناطق متعددة أبرزها تكساس وهيوستن يُعد هو الأعنف منذ نحو 50 عامًا، وألحق أضرارًا كبيرة بالبشر والحجر هناك. اليوم نلقي نظرة أكثر قربًا عن الأعاصير، ولماذا أصبح الإعصار «هارفي – Harvey» بهذه القوة؟


ميكانيكا الأعاصير

تتواجد الأعاصير في مناطق متعددة في كوكب الأرض، وتختلف قوتها من منطقة لأخرى، والأمر ليس مجرد رياح عاتية فحسب؛ بل هي وحوش هوائية تمتد من الغلاف الجوي إلى الأرض في هيئة عمود حلزوني تعلوه سحابة دائرية ضخمة يطلق عليها اسم سحابة «كومولونيمبوس – cumulonimbus»، ويمتد ذيل العمود بقطر صغير وضيق نحو الأرض.

تدور الرياح في الأعاصير بسرعة تصل إلى نحو 400 كم/ ساعة كاسحة جميع ما يصادفها على الأرض، وعلى مسافات واسعة تصل أحيانًا إلى نحو 80 كم. يقول خبير الأرصاد الجوية في مختبر نورفان الوطني للأعاصير الشديدة «NOAA» في نورمان، أوكلاهوما «هارولد بروكس – Harold Brooks»: إن معظم الأعاصير تدوم مدة زمنية أقل من عشر دقائق.

يطلق خبراء الأرصاد الجوية مصطلح «supercells» على سلسلة من العواصف الرعدية الشديدة التي يرافقها في بعض الأحيان ومضات من البرق والأمطار؛ منشئة بذلك ظروفا خطيرة في الطقس مثل الرياح القوية، والبرد، والأعاصير الأكثر تدميرًا.

أما عن مناطق حدوث أو انتشار الأعاصير؛ فإنها تحدث في مناطق عديدة في جميع أنحاء العالم، لكن تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية هي النقطة الساخنة الرئيسية لحدوثها؛ حيث يحدث فيها نحو ألف إعصار كل عام تقريبًا في منطقة تعرف باسم «ممر الأعاصير – Tornado Alley». تقع هذه المنطقة في ولاية داكوتا الجنوبية وتضم كلاً من نبراسكا، كانساس، أوكلاهوما، هيوستن، شمال تكساس، وشرق ولاية كولورادو؛ حيث تعتبر موطنا لأقوى العواصف وأكثرها تدميرًا.

تعتبر منطقة «ممر الأعاصير» بيئة خصبة لتوالد الأعاصير؛ حيث تنشأ هذه الدوامات -العواصف- الهوائية الشديدة عندما تلتقي الرياح الدافئة الرطبة القريبة من سطح الأرض والقادمة من الجهة الجنوبية الشرقية أو الجنوبية من خليج المكسيك؛ مع الرياح الباردة الجافة في الغلاف الجوي القادمة من الجهة الشمالية الغربية في تلك المنطقة.

بعد الالتقاء؛ يبدأ الإعصار بالتشكل حين يرتفع الهواء الدافئ الرطب لأعلى مثل بالون هوائي نحو الهواء البارد مصطدمًا به في منطقة اصطدام بين التيارين تسمى «mesocycle»؛ حيث يبدأ الهواء البارد الكثيف بالضغط على الهواء الدافئ منشئًا بذلك حركة دائرية أفقية جامحة نتيجة تغيرات كبيرة ومفاجئة في سرعة واتجاه التيارين في الغلاف الجوي السفلي بالقرب من سطح الأرض. وبنفس الطريقة التي تشكلت بها العاصفة الدورانية الأفقية؛ تبدأ الرياح بتغيير اتجاهها حيث تتحول إلى عاصفة تدور بشكل عمودي؛ وتظهر واضحة في شكل الإعصار النهائي.

أما في منطقة الالتقاء نفسها؛ فيحدث أن تقوم الدوامات الهوائية بتغذية الإعصار من خلال توجيه المزيد من الهواء الدافئ القادم من عاصفة رعدية تتحرك داخله مما يزيد من سرعة دوران الرياح فيها. أما الهواء البارد فتغذيه ما يعرف باسم «تيارات الحمل – jet stream»؛ وهي تيارات قوية من الرياح الواقعة في الغلاف الجوي العلوي حيث توفر له المزيد من الطاقة.

مادة الإعصار نفسها تتكون من خلال قطرات الماء فيه نتيجة وجود الهواء الرطب في منطقة الالتقاء؛ والتي تعمل على إنشاء سحابة -غيمة- قمعية تستمر في الزيادة والنمو حتى تصل إلى الأرض مكونة مادة الإعصار السحابية.


مقياس فوجيتا – Fujita

للأعاصير قوة تدميرية تقاس بمقياس «فوجيتا – Fujita» والذي يبدأ من درجة خفيفة تقاس بـ F0 وصولًا إلى الدرجة F5 أعلى درجات المقياس؛ معتمدًا على سرعة الرياح وحجم الأضرار الناتجة عن الإعصار. مقياس فوجيتا كالآتي:

F0: تبلغ سرعة الرياح أكبر من 73 ميلا/ ساعة

تكون الأضرار خفيفة؛ مثل كسر فروع الأشجار أو سقوطها، أو سقوط اللوحات التالفة في الشوارع.

F1: تتراوح سرعة الرياح من 73 – 112 ميلا/ ساعة

تكون الأضرار هنا متوسطة؛ مثل اقتلاع أسطح المنازل، أو تحرك السيارات في تيار هوائي شديد في الطرقات.

F2: تتراوح سرعة الرياح من 113 – 157 ميل/ ساعة

تكون الأضرار كبيرة؛ مثل تمزيق أسقف المنازل، وهدم المنازل المتنقلة، وقطع الأشجار الكبيرة أو اقتلاعها، وتطاير السيارات لأماكن بعيدة.

F3: تتراوح سرعة الرياح من 158 – 206 كم/ ساعة

تبدأ الأضرار تأخذ منحى أكثر حدة حيث تصنف كأضرار فادحة. هنا تُقتلع الأسقف والجدران للمنازل، وانقلاب القطارات، واقتلاع معظم الأشجار في الغابات، وتبدأ الرياح القوية برفع السيارات الثقيلة عن الأرض وإلقائها بعيدًا.

F4: تتراوح سرعة الرياح من 207 – 260 كم/ ساعة

تكون هنا الأضرار مدمرة؛ حيث تقتلع الرياح المنازل التي شيدت بشكل جيد بالكامل وإلقاء هياكلها لمسافات بعيدة؛ والسيارات تلقى على مسافات كبيرة جدًا.

F5: تتراوح سرعة الرياح من 261 – 318 كم/ ساعة

في المرحلة الأخيرة تصنف الأضرار بأنها «أضرار لا تصدق»؛ حيث تسوى المنازل القوية بالأرض وتقوم الرياح والأمطار بجرفها بعيدًا، وتطير السيارات كبيرة الحجم وتقذف بقوة من خلال سرعة الهواء العالية.


العاصفة الاستوائية هارفي

الصورة التي نشرتها ناسا للإعصار هارفي من الأقمار الصناعية

العاصفة الاستوائية أو الإعصار «هارفي – Harvey» الذي اجتاح الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا يعد هو الأعنف منذ نحو 50 عامًا. واجتاح البلاد في مناطق بالقرب من كوربوس كريستي في ولاية تكساس، وبعض المناطق في جنوب شرقها في وقت متأخر من يوم الجمعة الماضي الـ 25 من آب/ أغسطس الجاري.

بلغت قوة وحجم الإعصار هارفي درجة كبيرة بلغت F4 على مقياس فوجيتا، حيث شوهد من المحطة الدولية ورصدته ناسا بشكل وحجم كبير جدًا.

صاحب هذا الإعصار المدمر ظروف قاسية في الطقس؛ مثل سقوط أمطار كثيفة على مدار ثلاثة أيام أدت إلى حدوث فيضانات غمرت المنازل والشوارع، وارتفع منسوب المياه بشكل خطير وملحوظ يوم الأحد الماضي وما زال مستمرا، كما صاحبه عواصف مدّية عنيفة أدت إلى وفاة نحو 30 شخصا حتى الآن. على إثر ذلك؛ سارعت طواقم الطوارئ ومتطوعين نحو هيوستن؛ وهي مدينة يبلغ عدد سكانها نحو مليوني نسمة.

لكن هذا يضعنا أمام تساؤل عما الذي تسبب أساسًا في حدوث هذا الإعصار بعد مضي وقت طويل من الزمن على آخر مرة حدث فيها؟

تكمن الإجابة في الفترة الزمنية التي قضاها الإعصار «ثابتًا وغير نشط» فوق جنوب شرقي ولاية تكساس. يقول عالم الهيدرولوجيا (علم المياه) في مؤسسة جامعة البحوث الجوية في بولدر، في ولاية كولورادو «ماثيو كيلش – Matthew Kelsch»:

الأعاصير سواء المدارية أو الاستوائية تميل إلى حمل نسبة رطوبة كثيرة معها حيث تتسبب الرطوبة العالية في هطول أمطار كثيفة جدًا، ولكن ما حدث في العاصفة الاستوائية هارفي؛ هو أن العاصفة «علقت» في مكانها لعدة أيام وتتحرك في نقطة محددة مما زاد من تأثيرها المدمر.

أما عن لماذا علقت العاصفة في مكانها؛ فيقول عالم آخر في المركز الوطني لبحوث الغلاف الجوي في بولدر «ديف غوتشيس – Dave Gochis»:

هناك نظام ضغط عال يعرقل حركة العواصف الاستوائية، لهذا علقت العاصفة هارفي في مكانها.

وتعرضت الولايات المتحدة الأمريكية لأعاصير مدمرة على مدار فترات زمنية سابقة ومتفاوتة، وتقتل في المتوسط نحو 60 شخصًا كل عام بسبب الحطام المتطاير في أغلب الأحيان. أما أكثر الأعاصير تدميرًا والتي تعرضت لها الولايات المتحدة نذكر منها الآتي:

– في الـ 18 من آذار/ مارس عام 1925 والذي حدث في ثلاث ولايات، وبلغ عدد الوفيات الناتجة عنه نحو 695 حالة وفاة.

– في الـ 6 آيار/ مايو عام 1840 والذي حدث في ناتشس، وبلغ عدد الوفيات الناتجة عنه نحو 317 حالة وفاة.

– في الـ 27 من آيار/ مايو عام 1896 والذي حدث في سانت لويس، وبلغ عدد الوفيات الناتجة عنه نحو 255 حالة وفاة.

– في الـ 5 من نيسان/ أبريل عام 1936 والذي حدث في توبيلو، وبلغ عدد الوفيات الناتجة عنه إلى نحو 216 حالة وفاة.

– في الـ 6 من نيسان/ أبريل عام 1936 والذي حدث في غينسفيل، وبلغ عدد الوفيات الناتجة عنه نحو 203 حالة وفاة.

– في الـ 9 من نيسان/ أبريل عام 1947 والذي حدث في وودوارد، أوكلا، وبلغ عدد الوفيات الناتجة عنه نحو 181 حالة وفاة.

– في الـ 24 من نيسان/ أبريل 1908 والذي حدث في أميت/ بورفيس، وبلغ عدد الوفيات الناتجة عنه نحو 143 حالة وفاة.

– في الـ 22 من آيار/ مايو عام 2011 والذي حدث في جوبلين، مو، وبلغ عدد الوفيات الناتجة عنه نحو 124 حالة وفاة.

– في الـ 12 من يونيو/ حزيران عام 1899 والذي حدث في نيو ريتشموند، وايس، وبلغ عدد الوفيات الناتجة عنه نحو 117 حالة وفاة.

– في الـ8 يونيو/ حزيران عام 1953 والذي حدث في فلينت، ميشال، وبلغ عدد الوفيات الناتجة عنه نحو 115 حالة وفاة.

أخيرًا؛ تبقى الأعاصير إحدى أشرس الكوارث الطبيعية بعد الزلازل والبراكين؛ لكن برغم حدوثها في مناطق متنوعة في العالم؛ إلا أن هناك مناطق تمركز لحدوثها بشكل شرس مثلما يحدث في أمريكا الشمالية مثلًا وفقًا للطبيعة المناخية فيها.