جهاز الشرطة في مصر قديم قدم الدولة المصرية الموحدة، وقد يكون وجوده سابقًا على وجود الدولة نفسها، إذ «لا شك أن المجتمعات المصرية المتفرقة التي سبقت قيام الدولة المصرية الموحدة على يد الفرعون مينا، سنة 3200 ق.م، وجِد فيها أفراد يوكل إليهم أعمال الشرطة»[1].

وبحسب النقوش الموجودة على جدران المعابد والقصور والبرديات التي عُثر عليها، رتب المصريون القدماء وقسموا جهاز الشرطة بطريقة محكمة شبيهة بالنظم الحديثة في عصرنا الحالي. فكان هناك شرطة محلية، وشرطة للمعابد، وشرطة لحراسة المقابر، وشرطة لحراسة فرعون (الحرس الملكي)، وشرطة نهرية، وشرطة للمناجم والمحاجر، وشرطة مسؤولة عن جمع الضرائب وضبط الأسواق. وكان هناك أيضًا شرطة «أمن الدولة» التي تولت مراقبة كبار الموظفين وحكام الأقاليم، للتأكد من ولائهم للفرعون، وإخلاصهم لنظام الدولة[2].

انتهى عهد الفراعنة ووقعت مصر تحت الاحتلال الفارسي ثم البطلمي والروماني والبيزنطي، واُستعيض عن جهاز الشرطة بالفرق العسكرية الغازية لبعض الوقت، ثم تدريجيًا عاد الجهاز مرة أخرى إلى الوجود، لكن بدور أقل وتشكيل ومهام مختلفة، تناسب دول الاحتلال التي خشيت إقامة جهاز شرطة محلي قوي قد يقف في وجهها يومًا ما.


الشرطة في العصر الإسلامي

مع بداية الوجود العربي الإسلامي في مصر، أخذ جهاز الشرطة يكتسب أهمية خاصة فرضتها ظروف نشأة الدولة الإسلامية وتوسعاتها الضخمة[3]. وكان قائد الشرطة يعتبر –في أحيان كثيرة- نائبًا للوالي، وهو ما خوله تولي أمور الحكم وإمامة المصلين أثناء مرضه أو سفره خارج مصر، كما كان من ضمن مسؤولياته تثبيت سلطة الدولة وإخماد الفتن وقمع الثورات.

تراجعت صلاحيات جهاز الشرطة ونفوذه في بعض حقب العصر الإسلامي، كما حدث خلال عصر الدولة الطولونية عندما جُرِد صاحب الشرطة من اختصاصه السياسي بالنيابة عن الوالي خلال سفره أو مرضه، لكن دور جهاز الشرطة كان محوريًا في أغلب الدول التي قامت في مصر، بل وكانت له في بعض الأحيان مهام تتجاوز حفظ الأمن وحماية النظام، إذ أسند للشرطة في عهد المماليك مهمة إقامة القناطر والسدود والجسور والعمائر والميادين، والإشراف على حفر الترع والخلجان، وجمع الضرائب[4].

بعد سيطرة العثمانيين على مصر، صارت الشرطة طرفًا أصيلًا في صراعات السلطة، ولم تعد ذلك الجهاز المسؤول عن حفظ الأمن وحماية المواطنين، إذ قاد أفرادها في بعض الأحيان أعمال العنف الهمجية وسرقوا المواطنين واغتصبوا أموال الدولة، ودخلت فرقة الانكشارية -التي تولت مهام الشرطة- في نزاعات عسكرية كبرى مع باقي فرق الحامية العثمانية من أجل السيطرة على المقاطعات الغنية في مصر.


الشرطة في عصر محمد علي وخلفائه

استمر جهاز الشرطة العثماني ينشر الاضطرابات أكثر مما يحقق الاستقرار حتى تولى محمد علي حكم مصر، حيث أولى الباشا اهتمامًا كبيرًا بالأمن الداخلي للبلاد، وأعاد تنظيم وهيكلة جهاز الشرطة مرة أخرى، واستحدث بعض النظم التي ما تزال حية إلى الآن مثل نظام البطاقات الشخصية، وقيود المرور ليلًا، ونظام شرطة الجمارك.

بعد الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، سيطر الإنجليز على جهاز الشرطة وتولوا مناصبه القيادية بدلًا من العثمانيين والجراكسة، وقاموا بتعزيز قواته لصالح تصفية قوات الجيش. وسعى الإنجليز لجعل الشرطة جهازًا مستقلًا يتبع نظارة الداخلية وليس نظارة الحربية كما كان الحال، وهو ما حدث عام 1884، عندما أصدر مجلس النظار قرارًا بأن تتبع إدارة عموم البوليس نظارة الداخلية مباشرة ويطلق عليها «قسم الضبط والربط».

ومن هنا بدأ تدريجيًا الخلط بين جهاز الشرطة ووزارة الداخلية حتى أصبحا الآن متداخلين بشكل يصعب فصله، وأصبحت الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، بل وصارت التسمية الثانية هي الأكثر تداولًا شعبيًا.

تطور نظام الشرطة كثيرًا خلال الفترة الممتدة من إلغاء الحماية البريطانية على مصر عام 1922 وحتى ثورة يوليو 1952. واكتسب الجهاز في هذه الفترة الكثير من أساليبه وأنظمته التي لا زال معمولًا بها إلى الآن، فأسندت إليه مهمة حفظ الأمن خارج المساكن وضبط الحوادث، بعد أن كان هذا واجب الخفراء حتى سنة 1924، وأنشئ قلم مستقل مسؤول عن المباحث الجنائية، وقلم للأمن السياسي، ووجدت مكاتب متخصصة مثل مكتب مكافحة المخدرات، ومكتب حماية الآداب، ومكتب مكافحة تزييف العملة. كما صدر خلال هذه الحقبة، وتحديدًا في سبتمبر 1944، أول قانون خاص بنظام هيئات البوليس واختصاصاتها[5].


الشرطة في مصر الجمهورية

أولت دولة يوليو اهتمامًا كبيرًا بجهاز الشرطة، الذي كان قبيل الثورة بأشهر قليلة (25 يناير/كانون الثاني 1952) في ملحمة مع المستعمر البريطاني في الإسماعيلية. وليس أدل على هذا الاهتمام من تولي جمال عبد الناصر شؤون وزارة الداخلية بنفسه عقب الثورة مباشرةً.

استمر أنور السادات على نهج سلفه في الاهتمام بالداخلية خاصة بعد توسع قاعدة معارضيه عقب توجهه للسلام مع إسرائيل. ومع تولي حسني مبارك مقاليد السلطة عقب مقتل السادات على يد «أولاده» في الجيش، أخذ نجم الداخلية يتوهج ونفوذها يتوسع، وعلى وجه الخصوص نفوذ جهاز «أمن الدولة» الذي صار، في عهد وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، الجهاز الأمني الأول في مصر وسيف مبارك المسلط على رقاب معارضيه.

وشهد جهاز الشرطة تطورات كثيرة في عهد عبد الناصر، إذ صدر كم هائل من القوانين والقرارات الجمهورية والوزارية المنظمة لعمله، كما تغير الهيكل التنظيمي للإدارات، وصدرت 3 قوانين خاصة بهيئة الشرطة في سنوات (55، 64، 71)، أُلحق بها بعد ذلك عدد كبير من التعديلات في إطار مقاومة الفساد والرشوة ومظاهر الفساد والضعف التي كانت قد انتابت المجتمع في الفترة السابقة، كما جاءت حركة تطهير واسعة قاصدة جهاز الشرطة، فخرجت منه عناصر كثيرة، وحلت محلها أخرى[6].

سمح عبد الناصر لوزارة الداخلية بالتضخم، فأصدر قرارًا بتأسيس قوات الأمن المركزي في عام 1966 رغبةً في موازنة نفوذ الجيش ومواجهة أي حركة تمرد قد تصدر منه. استمر الوضع على هذا الحال، حتى قامت ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، والتي كان لاندلاعها في يوم عيد الشرطة دلالة هامة على حجم الأزمة بين المواطنين وجهاز الشرطة.

أطيح بالعشرات من قيادات وزارة الداخلية لتهدئة جموع الثائرين، وخفّت قبضة الشرطة لكن قناعات وسياسات الوزارة لم تتغير، وهو ما ظهر جليًا عقب التغيرات السياسية التي وقعت بعد 3 يوليو/ تموز 2013.


الشرطة السياسية

بشكل عام يمكننا القول إن الشرطة السياسية كان لها وجود دائم في مختلف الحقب التي مرت بمصر. فكما أسلفنا الذكر، أسس الفراعنة منذ آلاف السنين شرطة سياسية تولت مراقبة كبار الموظفين وحكام الأقاليم للتأكد من ولائهم للفرعون وإخلاصهم لنظام الدولة.

عامًا بعد عام تزايد نفوذ «أمن الدولة» فاعتمد عليه السادات في التجسس على خصومه السياسيين وقمعهم، ثم جاء مبارك الخائف من الجيش ليُسلم له إدارة الشؤون الداخلية للبلاد وهندسة العملية السياسية وتكوين شبكات المصالح في المجتمع. وهكذا توسعت سلطات الداخلية بشكل عام، وجهاز «أمن الدولة» على وجه الخصوص، والذي صار يتحكم بتعيين أصغر عامل في أصغر وزارة في مصر، ليصبح رجاله حكام البلد الحقيقيين.

وكان الدور السياسي للشرطة حاضرًا بقوة خلال العصر الإسلامي، فكان أحد أهم مسؤوليات صاحب الشرطة تثبيت سلطة الدولة وإخماد الفتن وقمع الثورات، مهما كان مقدار العنف الواجب استخدامه لتحقيق هذا الهدف.

وأسس أحمد ابن طولون جهازًا أسماه «الشرطة السرية»، كانت مهمته نشر العيون في كل مكان حتى داخل السجون لاستقصاء الأخبار ومعرفة المعارضين. وتوسع الخلفاء الفاطميون، خاصة الحاكم بأمر الله، في نظام الشرطة السرية بغية معرفة الأخبار والسيطرة على مقاليد الحكم، ووصل الأمر بهم إلى تجنيد النسوة العجائز للعمل كمخبرين[7].

اهتم محمد علي وخلفاؤه من ورائه بنظام الأمن السياسي لحماية أنفسهم من الخصوم والمعارضين، ولتحقيق هذا الغرض استحدث محمد لاظوغلي كتخدا الباشا، نظام المباحث، إذ كلف رجالًا يتحدثون العربية والتركية بالتنكر في زي باعة جائلين ومراقبة بيوت الأعيان وتقديم تقارير عنهم. بل وكانت العائلة العلوية نفسها خاضعة للرقابة، فـعباس حلمي الأول لم يتوان عن الاستعانة بالأمن السياسي لتقصي أخبار عمه وخصمه السياسي سعيد باشا[8].

واستخدم الاحتلال البريطاني جهاز الشرطة للتجسس على الثوار ورافضي الاحتلال وقمعهم، وأسس لهذا الغرض جهاز البوليس السياسي عام 1922، وكان نواةً لملاحقة المشتغلين في السياسية والشأن العام فيما بعد.

ثم جاءت ثورة يوليو/تموز 1952، فألغت البوليس السياسي بجميع فروعه في المدن الرئيسية والأقاليم، لكن ذلك لم يعنِ الكف عن استخدام الشرطة في ملاحقة المعارضين، بل على العكس توسعت عمليات الاعتقال السياسي واستُخدم العنف المفرط في التعامل مع المعارضين. وفي عام 1968 أُنشئ جهاز «مباحث أمن الدولة» سيئ السمعة.

تغير الوضع بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وقل اعتماد السلطة على جهاز «أمن الدولة» الذي أصبح يسمى بـ«الأمن الوطني»، بعدما فشل في وأد انتفاضة يناير. استمر الوضع على هذا الحال حتى أتت الانفراجة بعد التغييرات التي شهدتها البلاد في يوليو/ تموز 2013؛ عادت السلطة إلى الاعتماد على «الأمن الوطني» في قمع معارضيها وأعادت إلى الجهاز بعضًا من نفوذه المفقود، وإن ظل نفوذًا محدودًا مقارنة بالنفوذ الذي كان يحوزه خلال العصر المباركي.


الشرطة والعنف

الشرطة المصرية, مصر زمان, قوات الدرك
شرطي مصري عام 1911

ليس هناك أدلة على استخدام الشرطة في عهد الفراعنة للعنف، بل على العكس هناك العديد من القصص التي تدل على تحضر الشرطة المصرية ورفضها لاستخدام العنف. فعلى سبيل المثال، عندما قام عدد من العمال بالإضراب والاعتصام احتجاجًا على تأخر صرف أجورهم الشهرية، قام رئيس الشرطة بالتفاوض معهم والاستماع إلى شكواهم وصعّدها إلى الملك، ولم يتركهم إلا وقد تم صرف أجورهم المتأخرة[9]. كذلك لم تستخدم الشرطة خلال عصور الاحتلال السابقة للوجود العربي الإسلامي في مصر العنف، وهذا مرده إلى عدم الاعتماد عليها في حالات العصيان والاحتجاج واستدعاء الفرق العسكرية بدلًا منها.

اتخذ أداء الشرطة في العصر العربي الإسلامي طابعًا قمعيًا متزايدًا يهدف إلى الحفاظ على نظام الدولة وضمان بقاء مصر ولاية خاضعة. وخلال عصر الدولة الأموية استخدمت الشرطة التعذيب بصنوفه المتعددة لجباية الضرائب وتحصيل الجزية من الفلاحين، وعرفت عقوبات كخلع الضروس والأظفار وسمل الأعين[10].

واستمرت هذه الممارسات خلال عصور العباسيين والإخشيديين والفاطميين ومن ورائهم المماليك الذين استحدثوا عقوبات مفزعة كنعل الرجل في رجليه بالحديد كما يُفعل بالخيول، والنفخ بالكير في دبر الرجل حتى تنذر عيناه وينفلق دماغه[11].

ازدادت الأمور سوءًا بعد سيطرة العثمانيين على مصر، وقامت فرق الشرطة الانكشارية بترويع الناس والاعتداء عليهم وسرقة بضائعهم. واستمر استخدام الشرطة للتعذيب والعنف في الدولة المصرية الحديثة تحت حكم محمد علي وأبنائه، وترسخ الأمر في وعي المصريين الذين صاروا يفرون عند رؤية عناصر الشرطة، وهو أمر تندّر به الأجانب في حينها.

وفي مصر الجمهورية، كان العنف والتعذيب حاضرًا أيضًا في علاقة الشرطة بالمواطنين، لكن بدرجات متفاوتة. فكان التعذيب مستخدمًا بإفراط خلال عهد عبد الناصر لكنه كان مُنصبًا بشكل أساسي على معارضيه السياسيين. وشهد عهد السادات تراجعًا ملحوظًا في استخدام الشرطة للعنف حتى أن أحداث التعذيب انحصرت في عدد محدود من الوقائع المشهورة. وفي عهد حسني مبارك تزايدت حدة التعذيب وصار منهجيًا، وأصبحت الشرطة منبعًا للقهر وانتهاك حقوق المواطنين.

تراجعت حدة عنف الشرطة خلال الفترة القليلة التي تلت ثورة يناير، لكن لم يلبث أن عاد الجهاز إلى ممارساته السابقة، وتفاقم العنف والتعذيب الموجه إلى عموم المواطنين حتى أصبح يُقال عن أقسام الشرطة المصرية أن «التعذيب يمارس فيها بشكل روتيني»، [12] وصار مقتل المواطنين بسبب التعذيب في أقسام الشرطة خبرًا لا يثير الكثير من الاستغراب.

المراجع
  1. تاريخ أنظمة الشرطة في مصر، ناصر الأنصاري، ص15.
  2. المرجع السابق، من ص20 إلى ص24.
  3. إغراء السلطة المطلقة – مسار العنف في علاقة الشرطة بالمواطن عبر التاريخ، بسمة عبد العزيز، ص46.
  4. الشرطة في مصر من صدر الإسلام إلى نهاية عصر المماليك، محمد عبد الغني الأشقر، ص78.
  5. تاريخ أنظمة الشرطة في مصر،ص106.
  6. إغراء السلطة المطلقة – مسار العنف في علاقة الشرطة بالمواطن عبر التاريخ، ص57.
  7. تاريخ أنظمة الشرطة في مصر، ص62.
  8. المرجع السابق، ص95 و96.
  9. الشرطة والأنظمة الأمنية في مصر في العصور المختلفة، علي حلمي، ص69.
  10. إغراء السلطة المطلقة – مسار العنف في علاقة الشرطة بالمواطن عبر التاريخ، ص48.
  11. الشرطة في مصر من صدر الإسلام إلى نهاية عصر المماليك، ص95.
  12. إغراء السلطة المطلقة – مسار العنف في علاقة الشرطة بالمواطن عبر التاريخ، ص59.