لم يتوقف الإنسان أبداً عن السعي لفهم نفسه، وعالمه. وصلتنا آثار لا حصر لها من الحضارات القديمة، الفرعونية والبابلية واليونانية ….. الخ تدل على محاولات كثيرة لسبر أغوار الجسم الإنساني وأمراضه وأحواله، وكذلك فهم البيئة المحيطة بالإنسان، وكيفية استغلالها، والتصدي لانقلاباتها.

ولأن الفضول من فطرة الإنسان، فإنها تدفعه دائمًا للسؤال.. لماذا وماذا وكيف ومتى وأين وإلى متى وإلى أين …الخ. وحواس الإنسان تتلقى رسائل الكون بشغف متواصل، تحليلاً وفهمًا وتطبيقًا. لكن كانت المحاولات الأولى للإنسان للتوغل في أعماق المعرفة الكونية، محاولات بدائية تتناسب مع بساطة الكم، وسذاجة الكيف. حتى أنه لم يكن هناك تمايز بين مختلف أنواع المعارف والعلوم، فكان الفيلسوف/ الكاهن / حكيم القبيلة يحيط – أو هكذا يظن – بكل أنواع المعرفة، ويتسيّد على العقول والقلوب بهذا.

لكن مع تقدم العصور، وتكاثر المعارف وتعقُّدها، ونشأة المؤسسات العلمية والتعليمية الكبرى كالجامعات، وازدياد أهمية المعرفة وحامليها، وبالتالي كثرة الأدعياء الذي ينسبون أنفسهم إلى العلم زوراً، تمايزت مختلف أنواع العلوم، وظهر إلى النور مصطلح البحث العلمي، وأصبح لكل علمٍ علماؤه المقدّمين فيه يراجعون كل جديد، ويطابقونه بما هو متوافر من حصيلة معرفية. كما كثرت كذلك الفروع والتفرعات من كل علم.

لكن لا يزال للهوى وللارتجال وللخطأ أنصبة كبرى من كل هذا. كما أن تزايد عدد البشر وتنوع خصائصهم وصفاتهم، يجعل من تعميم نتائج بحثية في مكان واحد، على مجموعة معينة من البشر، عمل غير دقيق. ولذا بدأ التطور التدريجي يمس أصول البحث العلمي، وما كان مقبولاً في الماضي تساهلاً، لم يعد مقبولا. خاصة في الأبحاث التي تمس حياة الناس وأرواحهم.


ليس كل ما يلمع في الإعلام ذهباً

هرم الدليل العلمي

أساءت وسائل الإعلام الحديثة للعلم كثيراً بتلميعها لكل جديد دون تثبت، من أجل فرقعات صحفية، وقراءات أكثر. وعلى هامش جولتنا في ثنايا عالم البحث العلمي الطبي الذي يزداد رحابة واتساعاً كل يوم، سنعرف إلى أي مدى تبلغ خطورة التساهل في قبول أي جديد دون تمحيص ومراجعة. فالدليل العلمي الآن يساوي حياة، ولا تكف محاولات أساطين الشركات الكبرى، وأساطيل المنتفعين للاستقواء على العلم بما يشبه العلم، بالتأثير والتحايل صباح مساء على حيادية البحث العلمي الطبي ، وفرض وقائعهم مسندة بصوت الإعلام الصاخب، وسوط المال الضارب.

ولذا فمن أهم أهدافنا من هذه السلسلة من المقالات التي ستعبر بنا من أبواب حصن البحث العلمي الطبي الشامخ، أن نربي في أنفسنا أولاً، وفي محيطنا حاسة الشك العلمي، والنقد المنطقي. فلا نستسلم لاتباع كل ناعق، ولا يخلب أنظارنا كل زاعق.

وتركيزي على البحث العلمي الطبي خصوصًا، هو لاتصاله الوثيق بمجال علمي وعملي. وكذلك لأن الإحاطة بكل جوانب البحث العلمي في كل المجالات هو من المستحيلات.

هل يمكن أن نتحول من أنصاف مستهلكين إلى منتجين للمعرفة العلمية الطبية المبنية على الدليل؟!

دعونا نتفق أن الدليل العلمي هو الركن الركين للمعرفة والممارسة الطبية الحديثة، ومن هنا أصبح الطب الحديث هو الطب المسنَد بالأدلة والبراهين Evidence -based medicine.

لذا قبل أن نأخذ خطوة في طريق البحث العلمي الطبي، لابد وأن نعرف موطيء قدميْنا من الدليل. ولذا استخدمت كلمة «أنصاف مستهلكين». فنحن حتى لم نبلغ منزلة الاستهلاك الرشيد لما وصل إليه غيرنا من معرفة طبية. فرغم تواجد كل ما نريد معرفته على مرمى ضغطة على شاشة هاتف ذكي، ينقلنا إلى أهم مكتبات ومرجعيات الأبحاث الطبية، إلا أن أغلب ممارساتنا الطبية لا تزال قابعة في قاع هرم الدليل العلمي وهو الاجتهاد الشخصي، أو الرأي الفردي للخبير expert opinion.

نعم العقل الفردي هو الذي يفهم الدليل، ويقرأ الوقائع أمامه، وينتقي الأنسب لمريضه في بعض الأوقات التي تتقاطع فيها الآراء، أو تتباين نتائج الدراسات. لكن لم يعد مقبولاً الآن أن يكون الرأي الفردي هو الأساس.

وواجب الوقت علينا أن نحسن قراءة وتدبر ما ارتقى به غيرنا في هذا المجال كخطوة أولى، حتى نستطيع البناء عليه في الخطوات التالية.


ما هو الطب المسنَد بالدليل ؟! ومتى بدأ زمنه؟!

أساسات الطب المسند بالدليل

اختلفت الروايات في التوقيت الزمني لظهور هذا المصطلح. يرجعه البعض إلى ثلاثينيات القرن التاسع عشر عندما رفض بعض العلماء الفرنسيين – مثل بيير لويس – الآراء المعرفية الطبية التي كانت تفرضها المؤسسات الرسمية دون أدلة مقنعة، فكانوا يصوّبون لها سهام النقد والتمحيص، ويحاولون استخراج الدليل الصحيح من المتابعة الجيدة لمرضاهم. والبعض يعود في مجرى الزمن قروناً قبل هذا، فينسب بذوره إلى العالم المسلم الرازي في القرن التاسع الميلادي، صاحب تجربة بناء المشفى واللحم الفاسد الشهيرة. والبعض يرجعه إلى ممارسات الأطباء الإنجليز منذ القرن الثامن عشر، في محاولة تقليل الاعتماد على محض الآراء، وإسناد كل تصرف طبي إلى دليل متاح.

لكن يرجعالكثيرون ظهور المصطلح إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي. وتحديدًا عام 1992، عندما صاغه العالم جوردن جويات Gorden Guyatt وفريقه في قسم الوبائيات الإكلينيكية والإحصاء الحيوي Clinical epidemiology and biostatistics بـ جامعةمكماستر في أونتاريو الكندية.

وتتلخص ماهية الطب المسنَد بالدليل Evidence -based medicine في أنه الممارسة العلمية الطبية التي ترتكز على تطبيق أقوى الأدلة العلمية المتاحة من الدراسات والأبحاث الحديثة best research evidence، مع احترام قيم المرضى وظروفهم patient values ، وعدم إغفال الخبرة الطبية العملية للأطباء Clinical expertise.


كيف يمارس كل منا طباً مسنَداً بالدليل ؟!

هناك ٥ خطوات متتالية، بالانتقال السلس خلالها تكتمل العملية بنجاح.

أولاً: التقييم الجيد للمريض، وتحديد المشاكل الآنية التي تحتاج إلى تدخل active conditions ،وحصر أنواع التدخل المتاحة. أي تحويل حالة المريض إلى سؤال، وحصر الإجابات المحتملة.

ثانياً: البحث في المصادر الموثوقة خاصة المحدثة أولا بأول على الانترنت، عن الأدلة المتوافرة على هذا التدخل أو ذاك.

ثالثاً: التقييم النقدي critical appraisal للأدلة التي تم التوصل إليها. بمعنى مراجعة صلاحية validity الرسائل العلمية التي أفرزت هذا الدليل، وكذلك مدى انطباقه على الحالة.

رابعاً: وهو أصعب الخطوات. حيث يمزج الطبيب خبرته العملية، وتقييمه للحالة، بما وجده من أدلة قوية صالحة ومعبرة عنها، مع احترام رأي المريض وقيمه الخاصة، وتوقعاته، وكذلك مراعاة الإمكانيات المادية المتاحة للمؤسسة الطبية. وكل ما سبق يصب في طريق اختيار التدخل الأمثل للتعامل مع حالة المريض.

خامساً: المراجعة المستمرة للعملية السابقة، وعمل دراسات إحصائية للتأكد من نجاح القيام بها، ومدى الفارق الذي أحدثه تطبيق هذا المسار في معدلات الوفاة والمرض mortality and morbidity، ومعدلات احتياج المرضى للمستشفى من جديد rehospitalization. وإصلاح أية أخطاء تظهر في المحاولات السابقة.

لكن سيكون من الصعوبة بمكان وقتاً وجهداً، القيام بكل هذه الخطوات لكل حالة. وهنا ظهرت الـ Guidelines لتنقل الطب المسند بالدليل نقلات نوعية. فهي ستوفر على الأقل نصف وقت ومجهود الخطوات السابقة، وتمنحك ظهراً أقوى، وأقداماً أكثر رسوخاً في الممارسة الطبية.


الطب في زمن الـGuidelines

الـ Guidelines أو الخطوط القائدية أو التوجيهية، هي إحدى التجليات البارزة لتطبيق الطب المُسنَد بالدليل. حيث يجتمع المئات من أبرز المقدَّمين في مختلف التخصصات الطبية، سواء على مستويات محلية أو قارية أو دولية، في مؤتمرات كبرى، وورش عمل مكثفة، لمراجعة آخر ما توصلت له الدراسات العلمية الطبية في كل تخصص، وممايزة هذه الدراسات تبعاً لحجمها وصلاحيتها، وقيمة نتائجها عملياً وإحصائياً. والقيام بالتحليل الجماعي لأقوى هذه الدراسات التي تمت مراجعتها، وتبعاً لذلك يتم إصدار تعديلات سنوية أو كل بضعة أعوام على كافة الممارسة الطبية في هذا التخصص، فيتم إقرار ما زادت دلائله ورسخت، ويتراجع خطوة أو خطوتين أو يلغى تماماً ما ضعفت أدلته، أو فاضَلَها غيرها.

ومن أشهر هذه الـ Guidelines، ما تصدره الجمعيةالأوروبيةلأمراضالقلب European Society of cardiology guidelines والتي يتلقاها بالقبول، وينتظر جديدها أولاً بأول، معظم أطباء أمراض القلب حول العالم. فتصدر كتيبات تفصيلية خاصة بالممارسة الطبية في كل الموضوعات الهامة في طب القلب، وتصدر منها ملخصات موجزة، ولها تطبيق للهواتف الذكية جيد الإخراج وعملي الاستخدام، وشامل الموضوعات، ويتم تحديثه أولاً بأول.

كل ما عليك كطبيب قلب تمتلك هاتفاً ذكياً، أن تخرجه من جيبك، وتفتح التطبيق الخاص بالـ Guidelines، وتبحث عما يُشكل عليك في التشخيص أو العلاج، وفي دقائق قليلة تكون قد وصلت إلى مبتغاك من آخر ما توصلت له الأدلة العلمية والعملية الراسخة من عصارة بحث وتدقيق جهابذة تخصصك عبر البحار والقِفار. كل ما عليك هو إسقاط هذه المعلومات على حالة مريضك، وظروف بيئة العمل الخاصة بك. وما لا يُدرَك كله .. لا يُترَك جُلُّه.


تقييم الأدلة في الـGuidelines:

مدخل للبحث العلمي الطبي الطب المسند بالدليل

لا يمكن قراءة الـ Guidelines جيداً إلا بمعرفة لغتها في التقييم. هناك مصطلحان رئيسيان تقرأ رمزيهما بجوار كل تدخل تشخيصي أو علاجي في ثنايا الـ Guidelines.

  • الأول: درجة الإيصاء بالتدخل class of recommendation، وهي ٣ درجات:

1. أو I بالترقيم اليوناني: يوصى به بشكل واجب، وعدم إعطائه للمريض هو خطأ طبي.

2. أو II : يمكن القيام به ، ولها منزلتان: a: وهم ما زاد فائدته عن ضرره بشكل واضح، وبالتالي يستحب عمله. B: تساوت الكفتان، وأنت الحكم في الفعل أو عدمه.

3. أو III: لا يجب القيام به، إما لضرره، أو لعدم جدواه. ومخالفة ذلك يمثل خطأ طبياً.

  • الثاني: قوة الدليل المتوافر level of evidence، وهي ٣ درجات أيضا:

الأولى: A: وتعني تواتر عدد من الدراسات العملية المقارِنة القوية RCT randomized clinical trials، والتي تمتاز بجودة ونزاهة إجراءاتها methodology. والتي تدعم هذا الدليل، وحبذا لو توافر أيضا مراجعات منهجية قوية systematic reviews لدراساته، وما يسمى بالتحليل النهائي Meta-analysis.

الثانية: B: وتعني توافر دراسة واحدة قوية، أو عدد من الدراسات الأقل قوة.

الثالثة: C: لا يوجد دراسات قوية، أو لا يمكن إجراؤها كما هو الحال في كثير من الحالات الطارئة، ويكون المستند هو رأي الخبراء المشاركين في وضع الـ Guidelines.

مثال: استخدام الأسبرين 300 مجم لحالات الاحتشاء القلبي الحاد Myocardial infarction يأخذ الدرجة IA، أي أنه شديد الفائدة للمريض، ولذا يوصى به بقوة، والأدلة متواترة وقوية، وبالتالي عدم إعطائه للمريض خطأ طبيًا لأن هذا سيزيد احتمالات المضاعفات والوفاة.

وفي الجزء القادم، ستكتمل الصورة أكثر عندما نتحدث بالتفصيل عن الهرم الشهير لطبقات أدلة طب المسند بالقرائن، وأنواع الدراسات العلمية study designs ومميزات كل منها.