عندما أوقد خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان شرارة أول نشاط ترجمة في الإسلام، لم يتلقفها منه بنو قومه، وإنما استكمل مسيرته أعداؤه التاريخيون «بنو العباس»، الذين ما إن دانت لهم السُلطة حتى ساروا على درب «حكيم آل مروان» ولم يبلغوا فقط نهايته، وإنما حفروا لأنفسهم دروبًا علمية شاسعة بدأت من مجهودات ترجمة محدودة أفضت إلى أن أصبحوا مشرفين على واحدة من أشهر جامعات التاريخ، والتي عُرفت في الكُتب بِاسم «دار الحكمة».

بجدرانها العملاقة التي تزدان بآلاف الكُتب التي بُذل الغالي والنفيس من أجل جمعها من شتّى البقاع، مُرتبة وفقًا للغتها وفروع علمها، يحفّها أروقة طويلة وممتدة تتفرع منها عشرات الغرف التي احتشدت بطالبي العلم، كُلٌّ يعرف دوره جيدًا، فهذا هو القيّم المعني بحفظ ترتيب الكتب وتسليمها للقراء، وهناك أماكن مخصصة لكل فرع من المعرفة؛ فهذا مكان المترجمين، وهذا للمحاضرات والمناظرات، أما هذا فللنسّاخين، وجواره يقع مقر الورّاقين، فيما تحتل حجرة التدريس مكانًا مميزًا،يلتفُّ فيها الطلبة؛ مسلمون ومسيحيون ونسطوريون ويعقوبيون ويهود، حول شيوخهم الذين حرصوا على ارتداء زي التدريس الرسمي؛ عمامة سوداء وطيلسان أخضر، توجد أيضًا 3 حجرات صغيرة خُصصت للباحث عن الراحة من الرواد، يُقدّم له فيها ما يشاء من طعام وشراب، مرحبًا أنتَ داخل دار الحكمة.


صنّاع المعجزة

خلافًا لما هو شائع، فإن واضع بذرتها الأولى ليس الخليفة الأشهر هارون، وإنما هذا الفِعل يعود إلى الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور «135- 158هـ= 752- 774م»، الذي أمر بإنشاء «بغداد» لتصبح عاصمة للعالم وكعبة للعلم، قرّب إليه العلماء والكتَبَة، وتُرجمت في عهده كتب في الطب والنجوم والهندسة والآداب، كما أُلّف على شرفه في الحديث والتاريخ والأدب، منها عناوين عملاقة لا يزال رنينها بيننا اليوم مثل «كليلة ودمنة» و«السند هند»، و«أرسطو طاليس»، و«المجسطي»، وسيرة «ابن إسحق» أقدم كتاب بلغنا عن تاريخ حياة الرسول. خصّص أبو جعفر بناية مستقلة جمع فيها نفائس الكتب ونوادرها من المؤلفات العربية والمترجمة عن اللغات المختلفة، أوصى عليها ولي عهده محمد المهدي، الذي لم ينفذ الوصية لانشغاله بتعقب حركات الزنادقة التي انتشرت بعهده، فتجمّد النشاط الثقافي في ظله وفي ظل ولده موسى الهادي، إلى أن أتى هارون الرشيد.

لما جاء الرشيد «170- 193هـ = 786- 808م» خليفةً وضع نصب عينيه أن يستكمل ميراث جده المنصور، فقرّب إليه العلماء من أمثال أبو العتاهية، وأبو سعيد الأصمعي الذي كتب عمله البارز «سير الملوك» بناءً على أمره، وجابر بن حيان ودعّمه في تجاربه الكيميائية.


جمع الكتب شرقًا وغربًا

بذل كل المساعي الممكنة لجمع الكُتب من شتى بقاع الأرض حتى قيل إنه مات وفي الدار مليون كتاب! كان يقبل الهدايا من أصدقائه الملوك وأصحاب الإمبراطوريات وحتى الجزية من المهزومين كُتبًا، وكان يضع ضمن شروط صُلحه حال غزوه بلاد الروم أن يسلّمه أصحاب المدينة أبرز كُتبها، ولمّا غزت جيوشه أنقرة وعمورية أمر بنقل كُتبها إلى عاصمته حيث عَهِدَ بها إلى كبير أطبائه ومترجمه يوحنا بن ماسويه، الذي قاد فريقًا كبيرًا لإتمام ترجمة محتواها جميعًا إلى العربية.

لمّا تضخم عدد الكتب والمخطوطات أسّس دارًا رحبة أنفق عليها 200 ألف دينار كي تكون ضخمة كفاية لتستوعب كل هذه الذخائر، سماها «بيت الحكمة» وعهد بالإشراف عليها ل«ماسويه» فسُمي وكل من تلاه بمنصبه في التاريخ «صاحب بيت الحكمة»، الذي حوّلها إلى «مؤسسة ترجمة» هذّبت نشاط التراجمة والنسّاخين والمُجلدين في بوتقة واحدة.


«المجد» في عصر المأمون

مات الرشيد، وخَلَفه المأمون «198- 218هـ = 813- 833م»، بعد 5 أعوام قلقة من الصراع مع أخيه على الحُكم، وفور أن استقرَّ له الأمر ودانت له بغداد حتى بدأ في تطوير ميراث أبيه من «الحِكمة» وبلغ بها مبلغًا حولها إلى أعجوبة الدنيا، وتجاوزت لقب «المكتبة» وأصبح المؤرخون يطلقون عليها اسم «الجامعة».

سار المأمون على درب هارون في استجلاب الكُتب لها من كافة أصقاع الأرض من آسيا الصغرى والقسطنطينية وجزيرة قبرص والشام، ورُوي عنه أنه استقبل من أوروبا كُتبًا حُملت له على 100 بعير.

يقول الباحث عامر الكبيسي في رسالة الدكتوراه التي أعدّها عن «تطور العلوم اللغوية في عصر الخليفة المأمون»، إن المأمون وسّع دوائر الترجمة إلى العربية فشلمت كل اللغات المعروفة كاليونانية والسريانية والفارسية والعبرية والقبطية والهندية والحبشية وغيرها، وألحق بها مرصدًا فلكيًا، كما حرص على الإشراف بنفسه على نشاط المكتبة، وقرر تحويلها لتكون أكثر من ذلك، ساعيًا لترقية نشاطها من إتاحة الإطلاع إلى البحث والدرس والتجرد للدراسات العُليا، فألحق المتمكنين من مختلف العلوم والفنون بالمكان، وكان يناقشهم بنفسه فيما توصلوا إليه من أبحاث ونظريات.

ويضيف، أنه خصّص ميزانية كبيرة، قُدرت بـ20 ألف دينار، أغدق منها الأموال على جميع العاملين بـ«الجامعة»، من مترجمين ومؤلفين وورّاقين وناسخين، حتى رُوي عنه أنه كافأ المترجم حنين ابن إسحق بعدما نجح في نقل كتب أرشميدس وجالينوس إلى العربية، ما عُرف تاريخيًا بالنقل المأموني، بأن منحه وزن الكتب ذهبًا، علاوة على توفير كل ما تتطلبه الدراسة بها من كتب وأوراق وأقلام وأحبار، فبلغت المؤسسة بعهده مالم تصله في أي وقت آخر.

لذا لمع في عهده أسماء بارزة كانت «بيت الحكمة» مستقرهم الوثير، مثل المترجم الفارسي والفيلسوف «أبو سهل الفضل بن نوبخت»، والفيلسوف الشهير الكندي، والنسّاخ علاّن الورّاق الشعوبي، وسهل بن هارون الذي ألّف للمأمون كتاب «ثعلة وعفراء» على نفس وزن «كليلة ودمنة» في أبوابه، علاوة على عالم الرياضيات الشهير «الخوارزمي» الذي انقطع للمكتبة وبرع في علوم الجبر والفلك والجغرافيا، كما وضع الفراء كتابه الشهير «معاني القرآن» بناءً على أمر المأمون، وكان تتويج هذه الجهود هو انعكاف 70 جُغرافيًا على وضع أول خريطة متكاملة للأرض عُرفت بـ«الصورة المأمونية» لتكون بداية لإسهامات كبرى قادها المسلمون في هذا المجال.

بعد وفاة المأمون انصرف اهتمام خلفائه عنه، بتوسيع دعائم حكمهم ومقاومة الفتن وتأمين ثغور الدولة، لم تُغلق المؤسسة أبوابها، ولكنها لم تتسع ولم يعد يلقى العلماء آذانًا رحبة كالماضي، ولم نعرف عنها حدثًا بارزًا إلا بعد اجتياح المغول لبغداد «656هـ – 1258م»، وحرقهم لها بعد تدمير وسرقة كافة محتوياتها، وهنا انطفأ نور «الجامعة» بعد أكثر من 4 قرون على السطوع.