في الرابع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول 1999، وبينما كان العالم يستعد لاستقبال الألفية الجديدة،قام 5 مسلحين باختطاف طائرة تابعة للخطوط الجوية الهندية، على متنها أكثر من 150 شخصًا، كانت في طريقها من نيبال إلى الهند. المطالب كانت بسيطة؛ نريد من السلطات الهندية الإفراج فورًا عن 36 من المجاهدين الكشميريين المحتجزين لديها، على رأسهم الجهادي الباكستاني مولانا مسعود أظهر. دخل الطرفان في مفاوضات شاقة، استمرت لثمانية أيام. ورغم قبول الخاطفين بتقليص قائمة الـ36 إلى ثلاثة أشخاص فقط، فإنهم تمسكوا بأن يكون مسعود أظهر أول هؤلاء الثلاثة. على مدى العقدين التاليين، سيثبت أظهر للهند أن الإفراج عنه كان خطأً فادحًا، وأن التضحية بالرهائن الموجودين على متن الطائرة، ربما كان أهون من إطلاق سراحه. عاد اسم مسعود أظهر للتداول بكثرة، مؤخرًا، بعدما أعلن تنظيم «جيش محمد» الذي يرأسه، مسؤوليته عن الهجوم الذي استهدف رتلًا أمنيًا هنديًا في كشمير وأسفر عن مقتل أكثر من 40 شرطيًا، مما أشعل فتيل أزمة دبلوماسية – تطورت فيما بعد لعسكرية – جديدة بين الجارين النوويين، الهند وباكستان.


من هو مسعود أظهر؟

ولد مسعود أظهر عام 1968، في إقليم البنجاب الباكستاني، كان والده مديرًا لمدرسة حكومية، لكن في الوقت نفسه كان شديد التدين، لذا عندما اشتد ساعد مسعود في التشدد أو التطرف، أرسله إلى الجامعة البنورية بمدينة كراتشي، وهي مؤسسة تعليمية تتبع حركة ديوباندي الإسلامية الأصولية. تفوق مسعود في دراسته وتخرج عام 1989، ثم عين معلمًا في الجامعة. كان لقادة حركة المجاهدين الباكستانية نفوذ كبير في الجامعة، وانضم من خلالها العديد من الطلاب إلى الجهاد الأفغاني. التحق أظهر بمخيم تدريب للحركة في أفغانستان، ويقال إنه لم يستطع إكمال الدورة، التي تستغرق 40 يومًا بسبب وزنه الزائد، لكن على الرغم من ذلك شارك في الحرب ضد الروس حتى أصيب.تغيرت حياة مسعود تمامًا عندما قررت حركة المجاهدين تعيينه رئيسًا لقسم التحفيز، بسبب براعته الخطابية وقدرته على التحريض والإقناع. وبهذه الصفة تولى تحرير مجلتي «صدى المجاهدين» باللغة الأردية و«صوت كشمير» بالعربية، براعة أظهر دفعته سريعًا إلى قمة الحركة، فأصبح أمينًا عامًا لها وهو دون الخامسة والعشرين.

اقرأ أيضًا: ما للهند: في قلب كعبة السيخ

لعب مسعود العديد من الأدوار المهمة لصالح الحركة الجهادية داخل باكستان وخارجها. فداخليًا، عمل محرضًا ومجندًا لصالح قضية إقليم كشمير المتنازع عليه بين الهند وباكستان، وأظهر براعة في التوفيق بين المجموعات المسلحة أثناء الخلافات، إذ نجح في دمج تنظيمي «حركة المجاهدين» و «حركة الجهاد الإسلامي» في تنظيم جديد باسم «حركة الأنصار».خارجيًا، تمتع أظهر بعلاقات وثيقة مع قادة حركة «طالبان أفغانستان» باعتبارهم جميعًا أبناء المدرسة الديوباندية، وعبر طالبان تواصل مسعود مع تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، وقدم للتنظيم العديد من الخدمات. أصبح مسعود تقريبًا مبعوثًا دوليًا للترويج للأيديولوجيا الجهادية وجمع أموال لصالحها، والتنسيق بين الحركات الجهادية الدولية. على سبيل المثال، سافر أظهر إلى نيروبي بكينيا عام 1993 للاجتماع مع قادة جماعة الاتحاد الإسلامي الصومالية، من أجل تنسيق عملية تقديم الدعم المالي والبشري لهم، وذلك بإيعاز من تنظيم القاعدة. كما سافر في نفس العام إلى بريطانيا، ومكث هناك لمدة شهر، ألقى خلاله 40 خطابًا حرض فيها على الجهاد، وحث الشباب على الحصول على تدريب جهادي في أي مكان يمكنهم، وقال، إن جماعته «مستعدة لتقديم خدماتها في هذا الشأن».تصف إذاعة بي بي سي البريطانية مسعود أظهر، في تقرير نشرته على موقعها عام 2016، بأنه «أول من نشر بذور التشدد الجهادي المعاصر في بريطانيا (خلال زيارته عام 1993) من خلال مساجد جنوب آسيا المنتمية إلى حركة ديوباندي والتي تسيطر على أكثر من 40% من المساجد البريطانية، وتوفر معظم تدريب العلماء المسلمين في المملكة المتحدة».نجحت الهند في القبض على أظهر في فبراير/ شباط 1994، خلال تواجده في كشمير للقاء عدد من مقاتلي حركته، ووجهت إليه تهمًا تتعلق بالإرهاب. كان مسعود واثقًا من أن رجاله لن يتركوه أسيرًا، وهو ما حدث بالفعل، إذ جرت العديد من المحاولات لإخراجه من السجن، قبل صفقة تبادل الطائرة التي جرت أواخر 1999.


«جيش محمد» عاد

عقب خروجه من السجن، أسس مسعود أظهر «جيش محمد» من أجل تحرير كشمير،بدعم كبير من المخابرات الباكستانية. أعلن التنظيم الجديد عن وجوده في أبريل/ نيسان 2000، عبر هجوم انتحاري على ثكنة للجيش الهندي في كشمير، أسفر عن مقتل 5 جنود. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2001، نفذت الجماعة هجومًا بالقرب من الجمعية التشريعية في جامو وكشمير، قتل خلاله 38 شخصًا، ثم أتبعته بهجوم نوعي، في ديسمبر/ كانون الأول من نفس العام، استهدف البرلمان الهندي في قلب العاصمة نيودلهي، وأسفر عن مقتل 6 من رجال الأمن وإصابة 25 شخصًا.على خلفية الهجمات التي قام بها «جيش محمد»، أعلنته الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، جماعة إرهابية، عام 2001. واضطرت باكستان، مطلع عام 2002، إلى حظر «الجيش» واعتقال المئات من مقاتليه، بينهم مسعود أظهر نفسه، ثم سرعان ما أفرجت عنهم تدريجيًا بعد ذلك.بالتزامن مع هذه الإجراءات، كان هناك خلاف حاد بين قيادات «جيش محمد» حول ما إذا كان ينبغي على المنظمة أن تظل موالية للدولة الباكستانية في ظل حكم الرئيس برويز مشرف، أو أن تبدأ في مهاجمتها انتقامًا من مشرّف الذي ساعد الولايات المتحدة في الإطاحة بنظام طالبان في أفغانستان؟ انقسم «الجيش» إلى فريقين، أحدهما اختار قتال الحكومة وسميت «جماعة الفرقان»، والفريق الآخر، تزعمه مسعود وظل على ولائه للدولة، وغير اسمه إلى جماعة «خدام الإسلام».

اقرأ أيضًا: المصالح تتصالح: ماذا يريد «محمد بن سلمان» من باكستان؟

قامت حكومة مشرف بحظر الجماعتين، ثم لاحقت عناصر «الفرقان» وداعميها في المؤسسات العسكرية والاستخباراتية، أما مسعود فقد حظي بحماية من الدولة. ورغم استمرار الحظر الرسمي، سُمح له بإعادة بناء تنظيمه، لكن لم يسمح له بشن عمليات جديدة.استقر أظهر في مدينة باهاوالبور مسقط رأسه في جنوب البنجاب، وأقام مجمعًا ضخمًا، على بعد 8 كم من مقر الفيلق 31 للجيش الباكستاني. ظل مسعود بعيدًا عن الأنظار لسنوات ثم عاد إلى الظهور عام 2014، عبر خطاب ناري دعا فيه إلى شن هجمات على الهند والولايات المتحدة، وتفاخر بأن لديه 300 انتحاري تحت قيادته، كما هدد بقتل ناريندرا مودي إذا أصبح رئيسًا للوزراء. عاد «جيش محمد» إلى الحياة مرة أخرى مطلع عام 2016، عبر شن هجوم على قاعدة عسكرية هندية أسفر عن مقتل 7 من أفراد الأمن. و يعتقد أن المخابرات الباكستانية هي من أعطت الضوء الأخضر لمسعود أظهر للقيام بالهجوم، من أجل عرقلة جهود رئيس الوزراء نواز شريف لإبرام سلام مع الهند. وفي سبتمبر/ أيلول من نفس العام، قام مسلحون باقتحام مقر لواء هندي في كشمير، وأسفر الهجوم عن مقتل 18 جنديًا، ووصف بأنه الهجوم الأكثر دموية منذ أكثر من عقدين. وتعتقد نيودلهي أن «جيش محمد» يقف وراء الهجوم.رغم مطالبات الهند المتكررة لباكستان بوقف دعم «جيش محمد» وتسليم زعيمه مسعود أظهر، ومساعي نواز شريف للقضاء على «الجيش» واعتقال عناصره، فإن الجيش الباكستاني وقف عائقًا أمام تحقق هذا. واستمر «جيش محمد» في شن هجمات ضد القوات الهندية في كشمير خلال عامي 2017 و 2018، لكن هجومه الأبرز والأكبر وقع منتصف فبراير/ شباط الجاري، عندما شن مقاتلوها هجومًا انتحاريًا على رتل أمني هندي، مما أسفر عن مقتل 46 جنديًا على الأقل، ليصبح هذا الهجوم الأكثر دموية ضد القوات الهندية في المنطقة منذ عام 1989.