اكتسبت أفغانستان أهمية خاصة خلال الحرب الباردة، مما جعلها إحدى أهم حلبات الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي. كان الاتحاد السوفيتي يرى أن وجود حدود مشتركة بينه وبين مملكة أفغانستان يعني وجوب تبعيتها له بالضرورة، في حين كانت الولايات المتحدة الأمريكية ترى في المملكة مكانًا مناسبًا لضرب الاتحاد السوفيتي على مقربة من مركزه. بسبب هذه الرؤى المتباينة، أصبحت أفغانستان، منذ الستينيات، ميدانًا لصراع النفوذ بين المعسكرين. كانت الغلبة بالطبع لصالح الاتحاد السوفيتي، لاعتبارات القرب الجغرافي، لكن الولايات المتحدة ظلت تحاول بدأب استمالة النخبة السياسية وعلى رأسهم الملك محمد ظاهر شاه.

غزت الأفكار الشيوعية القادمة من الجارة السوفياتية طول المملكة وعرضها، ونشأت عديد من الأحزاب والحركات اليسارية أبرزها حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني. وردًا على المد الشيوعي، نمت صحوة إسلامية قادها رجال الدين، وظهرت عديد من التشكيلات السياسية الإسلامية منها «الشباب المسلم» و«جمعية خدام الفرقان» و«الجمعية الإسلامية».

شعر الاتحاد السوفيتي، في مطلع سبعينيات القرن الماضي، أن النفوذ الغربي بدأ يتنامى في قصر الحكم بكابل، فدعم انقلابًا عسكريًا قاده ابن عم الملك وصهره ورئيس وزرائه السابق سردار محمد داوود خان، عام 1973. أعلن محمد داوود، عقب انقلابه مباشرة، قيام جمهورية أفغانستان، ونصب نفسه رئيسًا لها، لكن الأمور لم تكن مستقرة. سريعًا، بدأت الخلافات بين حلفاء الاتحاد السوفيتي في أفغانستان تتنامى، ووصلت ذروتها عام 1978، فقام حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني بقيادة نور محمد تراقي، بالانقلاب على داوود وقتله هو و17 فردًا من أسرته في مجزرة مروعة.

أصبح تراقي رئيسًا لهيئة المجلس الثوري ورئيسًا لمجلس الوزراء،وقام بإجراء العديد من «الإصلاحات الماركسية» التي حظيت برضا الشعب الأفغاني، مثل برنامج الإصلاح الزراعي؛ لكن إصلاحات أخرى تتعلق بالمرأة والنظام القبلي والمجتمعي، اعتُبرت معادية للإسلام والعادات والتقاليد، وهو ما خلّف مقاومة شعبية قوبلت بعنف شديد، إذ سُجِّل اعتقال 12 ألف معارض في سجن واحد خلال فترة حكم تراقي التي لم تتجاوز 18 شهرًا.

أدى صعود الشيوعيين إلى السلطة خلال عهدي داوود وتراقي، واضطهادهم الإسلاميين، إلى فرار الآلاف منهم إلى باكستان المجاورة، حيث بدؤوا في تنظيم أنفسهم بدعم من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والصين (كانت على خلاف مع الاتحاد السوفيتي في ذلك الحين).

لم يكن حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني على قلب رجل واحد، إذ كان منقسمًا إلى جناحين، هما «خلق» و«برشم»، وأدى التنافس بينهما والتنافس بين قيادات الجناح الواحد إلى قيام حفيظ الله أمين، نائب رئيس الوزراء وزعيم «خلق»، في سبتمبر/أيلول 1979، بالانقلاب على تراقي وقتله.

لم يهنأ حفيظ الله بالحكم أكثر من 3 أشهر، إذ سرعان ما أرسل الاتحاد السوفيتي، في 27 ديسمبر/كانون الأول 1979، فرقة عسكرية اقتحمت قصر «دار أمان» في كابل واغتالت أمين، بزعم أنه كان يتفاوض سرًا مع الولايات المتحدة في شأن مرابطة قوات أمريكية في أفغانستان. بعد اغتيال أمين بيوم واحد، أبلغ رئيس الاتحاد السوفيتي ليونيد بريجنيف نظيره الأمريكي جيمي كارتر، أن القوات السوفيتية دخلت أفغانستان لضمان أمن البلاد. وفي مطلع العام 1980، عيّن الاتحاد السوفيتي حكومة موالية له بقيادة بابراك كارمال.

اقرأ أيضًا:أمريكا وروسيا في سوريا: إعادة إنتاج التجربة الأفغانية


المجاهدون الأفغان

أرسل الاتحاد السوفيتي نحو 100 ألف من جنوده إلى أفغانستان، و أعلن الجيش الأفغاني، الخاضع للحكومة الشيوعية، دعمه للقوات الأجنبية. على الجانب الآخر، رفض المناهضون للشيوعية، خاصة الإسلاميين، التواجد السوفيتي على الأراضي الأفغانية، واعتبروا وجوده في بلادهم إعلان حرب، وقد كان.

تشكلت عديد من الجماعات المقاومة، جلهم من الإسلاميين المتواجدين في باكستان، وانتظموا في 7 جماعات أطلق عليهم «تحالف المنظمات السبع» و«الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان» و«المجاهدين الأفغان»، وهم الذين حظوا بنصيب الأسد من الدعم الأمريكي والغربي الذي قدمته المخابرات الباكستانية بالإنابة.

1. الحزب الإسلامي – جبهة قلب الدين حكمتيار

أسس حكمتيار الحزب الإسلامي عام 1976، بعد خلاف مع الجمعية الإسلامية على توزيع أدوار القيادة. ويصنف الحزب فكريًا وأيديولوجيًا ضمن الأحزاب السلفية الجهادية ذات الطبيعة المحلية الصرفة، المستندة على الأبعاد القبلية والمناطقية والمصالح السياسية. انضم مولوي محمد يونس خالص إلى حزب حكمتيار في بداياته، لكن سرعان ما اختلفا. تمتع حكمتيار بعلاقات قوية ووطيدة مع رجال المخابرات الباكستانية، فحصل على دعم ضخم منهم سمح له بضم عدد كبير من المقاتلين، وأسهم مساهمة مهمة في الحرب على الاتحاد السوفياتي.

اقرأ أيضًا:«حكمتيار»: الرجل الذي بايع داعش ثم استقبلته الحكومة بالورود

2. الحزب الإسلامي – جبهة مولوي محمد يونس خالص (توفي عام 2006)

كانت جبهة خالص أكثر أصولية وراديكالية من جبهة حكمتيار، وأقل قدرة على المناورة السياسية. كما كانت معادية بشدة للشيعة. استطاعت الجبهة، في بداية الحرب على السوفييت، أن تجذب إلى صفوفها خريجي المدارس الدينية وكثيرًا من العسكريين الفارين من الجيش.

3. الجمعية الإسلامية – برهان الدين رباني (اغتيل عام 2011) وأحمد مسعود شاه (اغتيل عام 2001)

تعد الجمعية الإسلامية من أقدم التشكيلات الإسلامية الموجودة في أفغانستان، إذ تأسست عام 1969 في عهد الملك محمد ظاهر شاه لمواجهة المد الشيوعي. اختير برهان الدين رباني رئيسًا للجمعية عام 1972. وبعد دخول الجيش الأحمر إلى أفغانستان، فرّ رباني إلى باكستان، وتحول حزبه إلى العمل المسلح لمقاومة القوات السوفيتية. كان أحمد شاه مسعود أحد أبرز القادة العسكريين في الجمعية الإسلامية وأفغانستان كلها، ولقب بـ«أسد بنجشير»، بعدما نجح في التحصن مع مقاتليه بوادي بنجشير وتكبيد القوات السوفيتية المحاصرة له خسائر كبيرة وصلت إلى 500 قتيل.

4. الاتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان – عبد رب الرسول سياف

كان سيّاف من أوائل من أسسوا تنظيمات إسلامية مناهضة للشيوعية، واعتقل لأجل ذلك بعد تولي محمد داوود الرئاسة عام 1973. خرج سياف من سجون الشيوعيين عام 1980، وسافر إلى باكستان حيث رأس «الاتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان»، ثم «الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان»، وهو المظلة الجامعة لمختلف الفصائل الأفغانية في ذلك الحين. تمتع سياف بعلاقات دولية جيدة خاصة مع السعوديين، وبفضل هذا انضم كثير من المجاهدين العرب إلى جماعته، وترأس وفد المجاهدين الأفغان في مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية في إسلام آباد 1980، ومؤتمر القمة في الطائف 1981، ومؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية في النيجر 1982، كما مُنح جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1985.

5. الجبهة الإسلامية القومية لأفغانستان – أحمد جيلاني (توفي عام 2017)

فرّ جيلاني إلى باكستان عام 1979، وأسس «الجبهة الإسلامية القومية لأفغانستان» بدعم من المخابرات الباكستانية. كان جيلاني قياديًا صوفيًا وله صلة نسب مع آخر ملوك أفغانستان محمد ظاهر شاه، وجاء حزبه معبرًا عنه، إذ ضم خليطًا من الصوفيين ومؤيدي الملكية وأرستقراطيين سابقين وضباطًا فارين من الجيش. وكان أكثر الأحزاب الإسلامية اعتدالًا، لكنه لم يكن ذا قوة كبيرة.

6. الحركة الإسلامية الثورية (حركة انقلاب الإسلام) – محمد نبي محمدي (توفي عام 2002)

كان محمدي رجل دين راديكالي بارز في أفغانستان، وشارك بفاعلية في مناهضة المد الشيوعي، ودخل البرلمان عام 1964 لأجل ذلك. اضطُر محمدي بعد انقلاب تراقي عام 1978 إلى الهرب إلى باكستان، وهناك أسس «حركة انقلاب الإسلام» التي كانت أقوى الحركات الجهادية الأفغانية وأكثرها تنظيمًا في مطلع الثمانينيات، وشاركت بقوة في محاربة السوفيت، قبل أن تضعف بسبب الانسحابات. حصل محمد نبي محمدي، كغيره من قادة الأحزاب السبعة، على دعم كبير من المخابرات الباكستانية. وشارك مع بعض قادة الجهاد في لقاء الرئيس الأمريكي رونالد ريغان عام 1987.

https://www.youtube.com/watch?v=m4KHr8N8DPk&feature=youtu.be

7. جبهة التحرير الوطنية الأفغانية – صبغة الله مجددي

كان صبغة الله أحد أهم علماء أفغانستان وشيخ الطريقة النقشبندية، وابن الشيخ فضل عمر المجددي الذي كان يتمتع بنفوذ وتأثير كبير جدًا في أفغانستان. فرّ مجددي من أفغانستان إلى الدنمارك بعد انقلاب داوود عام 1973. وفي عام 1979، أسس صبغة الله «جبهة التحرير الوطنية الأفغانية».


المجاهدون العرب في أفغانستان

بإيعاز من الولايات المتحدة الأمريكية،وخوفًا من تمدد الاتحاد السوفيتي، قامت عديد من الدول العربية بدعم المجاهدين الأفغان بطرق عدة. ومن بين هذه الدول مصر، إذ قام رئيسها محمد أنور السادات باستقبال وفد من المجاهدين في منزله عام 1980، وأمدهم بكميات كبيرة من الأسلحة بينها صواريخ «صقر»، ودشّن أسبوعًا وطنيًا لدعم جهاد الشعب الأفغاني، بينما أصدرت مشيخة الأزهر فتوى تصف من يتعاونون مع القوات الروسية على أرض أفغانستان بالخيانة، وتصف كذلك كل حكومة «تقوم لتمكين أقدام الروس في أرض أفغانستان بأنها حكومة غير شرعية».

وكانت المملكة العربية السعودية في طليعة الدول التي دعمت المقاتلين الأفغان، خوفًا من وصول النفوذ السوفيتي إلى حدودها. وقدمت المملكة مئات الملايين من الدولارات للمجاهدين، وأقامت مع قادتهم علاقات وطيدة بعضها مستمر حتى الآن، وشكلت هيئة برئاسة الأمير سلمان بن عبد العزيز – الملك حاليًا – لاستقبال التبرعات للمجاهدين الأفغان. كما أصدر مفتي المملكة عبد العزيز بن باز، فتوى قال فيها:

كما دعمت الدول العربية الجهاد في أفغانستان، عبر تشجيع وتسهيل سفر الشباب العربي إلى أفغانستان للقتال ضد السوفييت.فبحسب بعض التقديرات، وصلت أعداد «المجاهدين العرب» إلى 4 آلاف مقاتل.

بدأ تدفق المقاتلين العرب إلى أفغانستان للمشاركة في القتال منذ عام 1982، على يد الشيخ الفلسطيني عبد الله عزام الذي وصل إلى أفغانستان عام 1981، وتعاون مع عبد رب الرسول سياف، المدعوم من السعودية، وتلميذه الثري أسامة بن لادن، وأسّس «مكتب خدمات المجاهدين» لتسهيل مشاركة الشباب العرب في الحرب.

عاون ابن لادن، الذي أبدى اهتمامًا كبيرًا بالحرب ضد الاتحاد السوفيتي منذ بدايتها عام 1979، معلمه عزام في استقطاب الشباب، فأخذت أعداد المجاهدين العرب تتزايد بالمئات منذ عام 1982، ثم بلغوا الآلاف إثر التحاق ابن لادن بميدان المعركة عام 1984. وأنشئت عديد من المعسكرات لتدريب المتطوعين على القتال، منها معسكر «صدى» التابع لمكتب خدمات المجاهدين، ومعسكر «مأسدة الأنصار» الذي أسسه ابن لادن عام 1986.

من ضمن الأسماء العربية البارزة التي شاركت في القتال بأفغانستان، إلى جانب عبد الله عزام وأسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري، والأب الروحي لتنظيم داعش أبو مصعب الزرقاوي، والقائد العسكري لتنظيم القاعدة أبو حفص المصري، والمسؤول عن الجناح العسكري للجماعة الإسلامية المصرية مصطفى حمزة.

اقرأ أيضًا:عندما اختلف «الجهاديون» العرب في أفغانستان


حرب تضع أوزارها وأخرى تبدأ

لا أعلم في الوقت الحاضر جهادًا أفضل من الجهاد في أفغانستان ضد أعداء الله الشيوعيين.

استخدم المجاهدون الأفغان أساليب حرب العصابات ضد الجيش الأحمر؛ كانوا يهاجمون سريعًا ثم يفرون إلى المناطق الريفية والجبلية الوعرة التي لم تكن لدى القوات السوفيتية قدرة كبيرة على ولوجها، مما أجبر القوات الأجنبية على التمركز في المدن الكبرى فقط، والتعامل مع باقي البلاد عبر سلاح الطيران.

أما المجاهدون العرب فكانت مشاركتهم في الحرب ضعيفة للغاية، إذ لم يشارك منهم في ميادين المعارك سوى بضع مئات فقط، وبعضهم لم يدخل أفغانستان أصلًا وظل في مدينة بيشاور الباكستانية. وكان الأفغان يعتبرون أغلبهم ضيوفًا وليسوا أهل حرب؛ بحسب الشهادات الواردة في كتاب «البروج المشيدة: القاعدة والطريق إلى 11 سبتمبر» للكاتب الأمريكي لورانس رايت.

كبّدت المقاومة الجيشين السوفيتي والأفغاني خسائر فادحة طوال الحرب التي استمرت 9 أعوام (انتهت في فبراير/ شباط 1989)، إذ وصل عدد قتلى الجيش الأحمر إلى نحو 15 ألف جندي، بينما بلغ عدد قتلى الجيش الأفغاني التابع للحكومة الشيوعية وللسوفيت 18 ألف جندي.

ردًا على خسائرهم،تعامل السوفييت بقسوة بالغة مع جماعات المجاهدين ومؤيديهم، فقاموا بمحو قرى بأكملها من على وجه الأرض باستخدام سلاح الطيران، للقضاء على الملاذات الآمنة لعدوهم، ولم ينسحبوا من أفغانستان إلا بعد قتل نحو مليون مدني و90 ألفاً من المجاهدين الأفغان، أما أعداد المجاهدين العرب الذين قتلوا في الحرب غير معروفة حتى اليوم.

رحل الاتحاد السوفيتي عن أفغانستان عام 1989، لكنه ترك البلاد تحت إدارة حكومة يقودها السياسي الشيوعي المحنك محمد نجيب الله الذي كان يتولى سابقًا إدارة الشرطة السرية. لعب نجيب الله بدهاء على التناقضات الإثنية والمذهبية الموجودة بين جمعات المجاهدين، واستغل الصراعات المشتعلة بين قادتهم على ترتيب الأوضاع بعد الفراغ الذي خلفه انسحاب السوفييت،وظل يحكم أفغانستان حتى أبريل/نيسان 1992، عندما انقلب عليه بعض جنرالات الجيش، وتحالفوا مع فصائل المجاهدين وسمحوا لهم بدخول كابل واستلام الحكم.

اتفق المجاهدون على تقاسم السلطة وتوزيع المناصب بينهم، لكن سرعان ما نكص الاتفاق، وتحارب رفاق الجهاد وأصبحوا أمراء حرب لا يهمهم سوى المكاسب، فقصفت كابل وفر منها سكانها. وسط هذه الأوضاع، كانت قوة حركة طالبان، بقيادة المجاهد الملا محمد عمر، تتنامى، ففرضت الأمن في المناطق التي تسيطر عليها، وطبّقت الشريعة الإسلامية بحسم، ومدت جسور التعاون مع المخابرات الباكستانية والمملكة العربية السعودية، ثم بدأت بعد ذلك في السيطرة على المدن واحدة تلو الأخرى. وخلال عامين اثنين فقط، كانت قد استولت على العاصمة كابل وعلى نحو 90% من الأراضي الأفغانية. وبدأت بعدها مرحلة جديدة من الصراع.