الجميع يريدون وزنًا مثاليًا، وجسمًا متناسقًا. تتنوع الدوافع بين نشدان الجمال، وزيادة النشاط، والمواصلة بروح وشكلٍ جديديْن، وبين تجنب عشرات المشاكل الصحية المزمنة كالسكر والضغط وأمراض شرايين القلب… إلخ، التي تنهال علينا الأدلة الطبية على علاقتها الوثيقة بالسمنة ومضاعفاتها.

لم يكن غريبًا إذًا أن تحظى قضايا الحمية الغذائية، أو «الريجيم» بكل هذا الاهتمام الكبير لدى شرائح عريضة من الناس، بشكل يصِل أحيانًا إلى حد الهوس. ولأن الإنسان مجبولٌ على البحث عن الأيسر، وتخفيف المشقة عن كاهله، فالكثيرون في بحثٍ دءوبٍ عن نظامٍ غذائي يحقق أكبر قدرٍ من خسارة الوزن، دون الحاجة لإنفاق الكثير من العزيمة والطاقة النفسية والبدنية. ولذا تبرز إلى السطح في كل حينٍ، حمية جديدة، تنعقد عليها الآمال في تحقيق المعادلة الصعبة؛ إنقاص الوزن أكثر بتضحياتٍ أقل.

عبر الأعوام العشرين الماضية، ظهرت نتائج عشرات الدراسات التي تعضِّد ما يعرف بالـكيتو دايت أو الكيتوجينيك دايت (ketogenic diet). يتبناه الملايين حول العالم، فهل يستحق كل هذا الاهتمام والتطبيق؟ من خلال الأسئلة والأجوبة التالية، سيتبيَّن الخيط الأبيض من الأسود في ذلك الأمر.

1. ما هو الكيتو دايت؟

هو أحد أنظمة الحمية الغذائية،التي تهدف إلى إنقاص الوزن من خلال تقليل حصة النشويات والسكريات بشدة في الطعام، في مقابل الإكثار من البروتينات والدهون، للحصول على ما يحتاجه الجسم من مغذيات، وطاقة. أهم ما يتم استبعاده من تلك الحمية هو الأطعمة الغنية بالنشويات البسيطة سهلة الامتصاص، مثل الحلويات، والسكر، والخبز الأبيض، والمشروبات الغازية.

2. هل الكيتو دايت اختراع حديث؟

يبلغ عمر تلك الحمية الغذائية الخاصة حوالي قرن من الزمان. كان الطب آنذاك يعرفها في تخصص بعيد عن الحمية، إذ وُجد أنها تساعد في السيطرة على بعض أنواع النوبات الصرعية المقاومة للأدوية، خاصة لدى الأطفال. في منتصف سبعينيات القرن الماضي، انتقلت تلك الحمية إلى عالم التغذية، عندما قدم الطبيب الأمريكي الشهير روبرت أتكينز برنامجًا غذائيًا، يبدأ بأسبوعين من التقليل الشديد في النشويات، والاعتماد على الدهون وكذلك البروتين، وأظهر نتائج فعالة في إنقاص الوزن. ومع مرور السنين، ظهرت العديد من الحميات المبنية على نفس المنوال.

3. أيهما أخطر من منظور السمنة وزيادة الوزن: الدهون أم النشويات والسكريات؟

تحظى تلك القضية بمساحة هائلة من الاختلاف بين أهل البحث والاختصاص، يصل أحيانًا إلى درجة الجدل البيزنطي. نظريًا تبدو الدهون أخطر، فهي التي تتراكم تحت الجلد في أماكن عديدة من الجسم، وهي التي تصنع الكروش التي تطارد صحتنا، وتناسق أجسادنا.

في الواقع، فإن كليهما شديدُ الخطورة. فتناول كمية زائدة من الدهون أو النشويات، سينتج عنه سعرات حرارية زائدة عن حاجة الجسم، واستهلاكه، فيكون مصيرها بالأساس هو التخزين على هيئة الدهون التي تسبب الوزن الزائد، والسمنة.

لكن هناك خطورة خاصة للنشويات هنا، خاصة البسيط سهل الامتصاص منها، كالسكر المستخدم في الحلويات … إلخ والذي يعبر من الأمعاء إلى الدم بنسبة كبيرة جدًا، فيسهل وجود فائضٍ كبيرٍ منه للتخزين.

4. من أين جاءت تلك التسمية؟

تعود تسمية تلك الحمية إلى «الكيتونات»، وهي أحد النواتج النهائية لتكسير الدهون، وأحيانًا ما تستخدمها بعض خلايا الجسم – كالمخ – كوقودٍ لها اضطراريًا، عندما يلجأ الجسم إلى تكسير بعض الدهون المختزنة، للحصول على الطاقة، في حالة عدم توافر الوقود الرئيس، وهو سكر الجلوكوز الذي ينتج من النشويات والسكريات.

5. كيف يُطبق «الكيتو دايت»؟

بإمكان الإنسان متوسط الوزن والعمر، والذي تبلغ حاجته اليومية من السعرات الحرارية حوالي 2000 كيلوسُعر، أن يتناول ما بين 200-300 جرام من النشويات يوميًا، دون أن يزيد وزنه. عند تطبيق الكيتو دايت، يتناول الشخص لأيامٍ أو لأسابيع، أقل من 50 جرامًا من النشويات يوميًا، مما يضطر الجسم خلال يومين إلى أربعة – هناك اختلافات فردية واسعة في هذا الأمر – إلى البدء في تكسير الدهون المخزَّنة كمصدر بديلٍ للطاقة، فيبدأ الوزن في النزول تدريجيًا. في مقابل هذا التضييق الصارخ في تناول النشويات، يتم الإكثار من تناول الدهون والبروتينات، كمصادر بديلة للطاقة، ويقلل هذا من الشعور بالجوع، والذي يعد من أبرز مشكلات الحميات الغذائية، فالدهون والبروتينات قادرة على إكسابنا الشعور بالامتلاء.

6. أنواع الكيتو دايت

يمكن إبراز 3 أنواع رئيسة منها. النوع الأول هو الأكثر انتشارًا، والذي خضع لدراساتٍ عديدة لفعاليته، وهو الذي تمثل فيه الدهون 60-70% من مجمل السعرات الحرارية اليومية، والبروتين من 20-30%، أما الكربوهيدرات فلا تزيد عن 5%. النوع الثاني، يتم فيه تخصيص يوميْن أسبوعيًا للوجبات الغنية بالكربوهيدرات. أما النوع الثالث، فيشبه الأول، لكنه يسمح بتناول الكربوهيدرات قبل التمارين الرياضية المكثفة لتوفير الطاقة اللازمة لها، ولتحسين الأداء. 

7. أطعمة وأكلات نظام الكيتو

الأطعمة الغنية بالبروتين، مثل اللحوم الحمراء، والدجاج، بمختلف صور تقديمها، وكذلك الأسماك. أيضًا يسمح بكل أنواع الجبن حتى الشيدر والموزاريلا، وكذلك يمكن تناول القشدة والزبدة. بالطبع يسمح بالخضروات بكافة أنواعها، خاصة الأوراق الخضراء. وكذلك للبيض مساحة مهمة في تلك الحمية لغناه بالبروتين والدهون. ويوصى بالاعتماد على زيت الزيتون لاحتوائه على دهون مفيدة.

مع التنبيه أنه لا يتم تناول الأطعمة السابقة بشكل مفتوح، إنما تُحسَب السعرات الحرارية التي يحتاج المرء للالتزام بها ليبدأ بفقدان الوزن، وتُختار الوجبات على أساسها.

8. ما أهم الأطعمة التي يتم تجنبها أو التقليل منها؟

الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات، مثل السكريات والحلويات والأرز والمكرونة والدقيق، وكذلك الوجبات الغنية بالدهون الضارة كالمايونيز. وأيضًا معظم أنواع الفواكه، والبطاطس.

9. ما أهم فوائد الكيتو دايت؟

الفائدة الأبرز هي الفقدان السريع للوزن، خاصة في الفترة الأولى، مما يساهم في رفع الحالة المعنوية للشخص، وتحمسه للمواصلة. هناك فوائد أخرى مثل المساعدة في ضبط نسبة السكر بالدم لدى مرضى السكر من النوع الثاني المرتبط بالسمنة. كذلك أدى نجاحها التاريخي في المساعدة في ضبط بعض أنواع النوبات الصرعية المقاومة، إلى تسليط الأضواء عليها كعلاجٍ مساعد في أمراضٍ عصبية عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر، التصلب المتعدد، الشلل الرعاش، اضطرابات النوم … إلخ. لكن ما يزال هذا الأمر على طاولة البحث العلمي الطبي.

بالنسبة لأمراض شرايين القلب، فإن تلك الحمية قد تكون مفيدة بشكلٍ غير مباشر، إذ يؤدي إنقاص الوزن إلى تقليل فرص الإصابة بأمراض الضغط والسكر، وهي من أبرز عوامل الخطر التي تؤدي إلى حدوث تلك الأمراض. كذلك أظهرت بعض الدراسات أن تبني تلك الحمية يساعد كثيرًا مرضى السكر من النوع الثاني، حيث يحسن كثيرًا من مقاومة خلايا أجسامهم للأنسولين، مما يزيد فعاليته، ويقلل جرعات العلاج الدوائي المطلوب للتحكم في الحالة.

لكن يثور خلاف طبي كبير حول اختلال الدهون بالدم، وهو أيضُا من عوامل الخطر الهامة. وُجِد أن نسبة الكولسترول في الدم ترتفع في الفترة الأولى من تطبيق تلك الحمية، لكنها تهبط تدريجيًا خلال الأسابيع التالية.

10. ما أهم المضاعفات الصحية للكيتو دايت؟

ينسى البعض – أو يتناسى – مع الذيوع الهائل هذه الأيام لتلك الحمية، ومع النتائج الأولية المُبهرة لها في إنقاص الوزن، أن لها آثارًا جانبية، وأنها لا تصلح للجميع، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة، مثل الفشل الكبدي المزمن، والقصور الكلوي، إذ يُنصَح هؤلاء بتحديد كمية البروتين والدهون اليومية، وزيادة الكربوهيدرات نسبيًا – خاصة مرضى الكبد – وهذا النقيض التام لما يفعله الكيتو دايت.

كذلك ينبغي على مرضى السكر الحذر الشديد أثناء تبنيها، حتى لا يتسبب النقص الشديد في كمية الكربوهيدرات في حدوث نوبات غيبوبة نقص السكر الخطيرة. وبالنسبة لمرضى الضغط، قد يمثل التسامح مع ملح الطعام في تلك الحمية مشكلةً في ضبط ارتفاع ضغط الدم.

اقرأ أيضًا: كيف تتعامل مع مريض السكري المقبل على غيبوبة؟

أما أكثر الآثار الجانبية شيوعًا، فهو حالة الخمول والكسل التي تسيطر على المرء في الأيام الأولى لتطبيقها، وما يصاحبها من انخفاض الأداء الرياضي، وصعوبة التركيز، واضطرابات النوم. ولذلك ينصح بعدم الانقطاع التام عن تناول الكربوهيدرات، للحفاظ على الحد الأدنى من توافر الطاقة للجسم، ولوظائفه الحيوية. كذلك قد يحتاج البعض لتناول الأقراص التي تحتوي على الأملاح المعدنية كالصوديوم والبوتاسيوم والماغنسيوم، لتعويض الانقطاع عن تناول الفواكه الغنية بها.

الخلاصة 

يمكن الاعتماد على الكيتو دايت لفترة محدودة، في الأسابيع الأولى من برنامج إنقاص الوزن، وذلك للحصول على نتائج سريعة تشجع على المواصلة. لكن لا بد أن يكون هذا بعد استشارة طبيب متخصص، لتنظيم الأمر، وتجنب حدوث أي مضاعفات، ولاختيار البرنامج الأنسب لكل شخص. لكن لا يمكن تطبيقها لفتراتٍ طويلة.