في اتساق مع هوايتها مؤخرًا بإصدار القرارات الملكية الحاسمة عند الفجر، أصدر العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، ملك المملكة العربية السعودية، فجر اليوم الأربعاء، قرارًا ملكيًا بإعفاء الأمير محمد بن نايف من مناصبه كولي للعهد ونائب لرئيس الوزراء ووزير للداخلية، وتعيين الأمير محمد بن سلمان محله وليًا للعهد.

كانت إرهاصات الإطاحة ببن نايف واضحة منذ فترة طويلة تمتد لما يزيد عن العام، ظهر خلالها الحرص على تلميع الأمير محمد بن سلمان وتقديمه إلى الولايات المتحدة في صورة الأمير الشاب صاحب المشروع التحديثي في السعودية، والمنفتح على الخارج، والمعتدل – بحسب الوصف الأمريكي – في رؤيته لموقف المملكة من القضية الفلسطينية.

ما كان مستبعدًا هو أن يستسلم محمد بن نايف للقرار، خاصة وأنه يتمتع بسطوة أمنية داخل السعودية وغيرها من دول مجلس التعاون الخليجي، ورثها عن والده الذي تولى وزارة الداخلية السعودية على مدى أكثر من ثلاثة عقود، كان ولده محمد هو ساعده الأيمن خلالها. لكن ما ظهر خلال الأيام الماضية، هو أن محمد بن نايف يفضل الابتعاد عن الصدام مع الملك وابنه، ولا يظهر تذمرًا من تهميشه أو محاولة لتدعيم بقائه في السلطة.

على كل حال، لم يدع بدر العساكر، مدير مكتب محمد بن نايف، فرصةً للمحللين لتوقّع رد فعل محمد بن نايف على القرار، فقد نشر قبل قليل على حسابه على تويتر فيديو، يظهر فيه محمد بن نايف مبايعًا محمد بن سلمان لولاية العهد في قصر الصفا بمكة:


وجه المملكة، بل وجه المنطقة، يتغير

القرار يغير وجه المملكة التي عُرِفت بنمط خاص جدًا في توريث الملك، حيث كانت هي الملكية الوحيدة ربما التي تنتقل فيها السلطة إلى الأخ الأصغر عوضًا عن انتقالها إلى الابن الأكبر، أي كانت ملكية أفقية لا عمودية. القرار الأخير يحوّل السعودية غالبا إلى ملكية عمودية، على الرغم من تعديل نص المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم في السعودية، بإضافة شرط يمنع أن يكون الملك وولي العهد من فرع واحد من أبناء عبد العزيز؛ لكن انتقال السلطة إلى جيل الأحفاد، يعني أن تعديل ذلك الشرط الذي أضيف غالبًا لترضية سائر فروع العائلة، بات غالبًا مسألة وقت.

لم يتجاوز ولي العهد الجديد، والملك المنتظر قريبًا، الأمير محمد بن سلمان، كذلك الثانية والثلاثين من عمره، فهو ليس فحسب من جيل الأحفاد في العائلة السعودية الحاكمة، بل هو من أصغر أعضاء هذا الجيل؛ ما يعني انتقال العائلة المالكة عمليًا إلى جيل أبناء الأحفاد، الأمر الذي يظهر في تعيين الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف بن عبد العزيز، محل عمه محمد بن نايف، في منصب وزير الداخلية.

ليس وجه المملكة فحسب هو ما يتغيّر، بل وجه المنطقة. فالأمير محمد بن سلمان قد عُرِف منذ ظهوره في الأضواء وزيرًا للدفاع خلفًا لوالده، ووليًا لولي العهد سابقًا، بطموحه غير المحدود الذي ظهر في طرحه رؤية اقتصادية جديدة للسعودية عرفت بـ «السعودية 2030»، وتبنّيه عملية «عاصفة الحزم»، أكبر عملية عسكرية تخوضها المملكة في تاريخها. كما ظهر طموح الأمير الشاب في صفقات التسليح التي عقدتها المملكة مع السعودية بأرقام هائلة، ليست غريبة على الأمير بالنظر إلى ما عُرِف عنه من بذخ في حياته الشخصية.

الأهم من ذلك، هو ما ظهر بعد الأزمة الخليجية مؤخرًا بفرض الحصار على قطر، من تقارب بين الأمير السعودي الشاب، ونظيره الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان. الأميران يحملان راية مواجهة الثورات العربية، وخاصة الإسلاميين، وفرض التطبيع مع إسرائيل وإنهاء القضية الفلسطينية، والدعوة إلى طرح نسخة معدّلة من الإسلام تتماشى مع القيم الأمريكية لمواجهة العنف والتطرف الإسلامي، وهي رؤية قريبة حد التطابق مع رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الداعم القوي للأميريْن الخليجييْن.

بإعفاء محمد بن نايف، يكون تدشين المحور السعودي-الإماراتي قد استوى، وتنتظر المنطقة ما سيسفر عنه استقرار ذلك التحالف التاريخي ورؤيته الجذرية في القضاء على أعدائه الثلاثة: الثورات العربية، المعارضة الإسلامية، والمقاومة الفلسطينية.