في بداية تدريباتي للغة العربية كان يحدق فيّ أربعة رؤوس يهودية سوداء، ولحسن الحظ في دروس «سفر التكوين» كانت الغالبية للمسيحيين!
يوليوس فلهاوزن في خطابه لصديقه فرديناند جوستي!

في ديسمبر 2013 صدر في توبنجن بألمانيا مجلد يحوي 1050 خطابًا من خطابات يوليوس فلهاوزن ( Wellhausen 1844 – 1918) مما ألقى أضواء جديدة على حياته وأعماله في المجالات البحثية الثلاثة التي برع فيها: تاريخ العهد القديم، وتاريخ المسيحية المبكر، وتاريخ صدر الإسلام.

وقام المحرر – رودولف سميند – بتريب الخطابات تاريخيًا في خمسة فصول تمثّل المراحل الفكرية لفلهاوزن نفسه: مرحلة جوتنجن الأولى حتى سنة 1872، ومرحلة جريسفالد حتى 1882، ومرحلة هال حتى 1885، ومرحلة ماربورج حتى 1892، ومرحلة جوتنجن الثانية حتى 1917. ثم قدم المجلد بمقدمة تحكي قصة الخطابات وكيفية جمعها وترتيبها، وألحق به عدة ملاحق مفيدة حول حياة فلهاوزن ومحاضراته وكتاباته، وقائمة لكلمات الرثاء بعد وفاته، ومعجما يُعرف بمن أُرسلت إليهم الخطابات أو وردت أسمائهم فيها.


التلمذة اللاهوتية

ولد يوليوس فلهاوزن في 17 مايو 1844 في مدينة هاملن قرب هانوفر بشمال ألمانيا، وكان أبوه قسيسًا لتلك المدينة الصغيرة. وبعد أن انتهى فلهاوزن من دراسته الثانوية بدأ، كما هو متوقع من ابن لقسيس، دراسة اللاهوت وذلك في جامعة جوتنجن القريبة، حيث درس أيضًا اللغات العبرية والآرامية والعربية. وآنذاك تأثر فلهاوزن بأستاذه هاينريش إيفالد Ewald 1803 – 1875) وبكتابه المعروف (Geschichte des Volkes Israel) أي «تاريخ بني إسرائيل» الذي طبع طريقة فلهاوزن في دراسة التاريخ، فجعله يتجنب الخوض في التفاصيل والتركيز على الخطوط الأساسية لحركة التاريخ والقوى المؤثرة فيها.

وفي سنة 1866 حدث شقاق سياسي بين فلهاوزن وأستاذه، فبعد انتصار مملكة برُوسيا الألمانية على النمسا تمكنت بروسيا من فرض شروطها في «معاهدة براغ» وضمت إليها هانوفر وهيسن وفرانكفورت. وقد رفض إيفالد هذا الضم، ولكن فلهاوزن الشاب رفض موقف أستاذه واعترض على وصفه لبسمارك بأنه «وغد مخادع»!

وهذه النقطة تحديداً تمثل مفتاحاً لفهم فلهاوزن وأعماله، فالرجل ومنذ البداية ذو منزع قومي بسماركي، وهو منزع أثّر ولا ريب على نظرته للتاريخ ودور الفكرة القومية فيه، سواء التاريخ الألماني أو العبراني أو العربي، وهذا ما سنعود إليه لاحقاً.

وبعد الصدامه اضطر فلهاوزن لترك جوتنجن والانتقال إلى هانوفر، ومن هناك كتب في مارس عام 1866 إلى أستاذه جوستاف تايشموللر بأنه يعمل كمدرس خصوصي، ويواصل دراسة العربية والعبرية، ويحاول تحسين مستواه في الإنجليزية واللاتينية. ويعلن عن شوقه للعودة لجوتنجن، لأن كل خططه المستقبلية تتعلق بها (خطابات، ص 3). وفي هانوفر تعرف في سنة 1867 على ألبريشت ريتشل (Ritschl) الذي اقترح عليه أن يهتم بنظريات كارل هاينريش جراف ( Graf) حول مصادر العهد القديم والتي يرى فيها أن مجموعة القوانين تالية لأسفار الأنبياء (خطابات، ص 480). ويبدو أنه نجح في هذه المهمة إذ عاد إلى جوتنجن سنة 1868 وأصبح مدرسًا مساعداً في معهد جوتنجن اللاهوتي، فتمكن من الانتهاء من رسالته للدكتوراة سنة 1870 بموضوع حول «القبائل والأسر العبرية تبعا لسفر العدد»، ثم من رسالة الأستاذية سنة 1871 بموضوع عن «نص سفري صموئيل» (Der Text der Bücher Samuelis). وأصبح بالتالي أستاذاً متفرغاً في جامعة جوتنجن، وكان في السابعة والعشرين من عمره!


أستاذا للعهد القديم

بواسطة أغوست ديلمان (Dillmann)، تلميذ إيفالد، تم ترشيح فلهاوزن كأستاذ نظامي للعهد القديم في جامعة جريسفالد (Greifswald) ولذا يشكره فلهاوزن في خطابين متتاليين في إبريل 1872 (خطابات، ص 9 – 12). وبعد أن حاز موافقة الجامعة كتب في سبتمبر 1872 لوزير الثقافة البروسي كي يوافق على تعيينه، وقد حدث هذا؛ لذا يكتب إلى الوزير في الشهر التالي طالباً منه أن تتحمل الوزارة تكاليف انتقاله إلى جريسفالد (خطابات، ص 13).

وفي 16 أكتوبر 1872 يكتب فلهاوزن لأستاذه ديلمان ليخبره أنه استُقبل في جامعة جريسفالد بكل الترحاب، ويعترف له بانتمائه العاطفي والفكري لجامعة جوتنجن، وأنه لم يشعر بمثل هذه القوة إلا في جريسفالد (خطابات، ص 14). وفي سنة 1875 تزوج فلهاوزن من مارية ليمبرشت ابنة هاينريش ليمبرشت أستاذ الكيمياء بجامعة جريسفالد، ورغم استمرار الزيجة إلا أنهما لم يرزقا بأطفال.

وفي عام 1876 أصبح أوليرش فون فيلاموفيتز أستاذاً في جامعة جريسفالد، وعن طريقه تعرف فلهاوزن على مثله الأعلى المؤرخ المعروف تيودور مومزن (Mommsen)، والد زوجة فيلاموفيتز. وكان مومزن متأثراً في فهمه للتاريخ بالتأويلية الألمانية، وهذا ما أثر في فلهاوزن بقوة رغم محاولته تجنب الفلسفة التي وصفها مرة بأنها غير خصبة على الإطلاق، وكان يمدح اليهود القدماء «بأنهم لم يتفلسفوا»؛ لأن «الفلسفة الحقيقية هي ألا تتفلسف» (خطابات، ص464)، وهذه تحديدا إحدى نقاط قوة فلهاوزن!


طفرة فلهاوزن

في جريسفالد بدأ فلهاوزن مرحلة جديدة ومهمة في تاريخ الدراسات النقدية للكتاب المقدس. فأصدر في عام 1874 دراسته حول «الفريسيين والسدوسيين»، ونشر في سنة 1876 كتابه «تكوين الهكساتوخ» (Die Composition des Hexateuchs). و«الهكساتوخ» مصطلح فلهاوزني يقصد به: الأسفار الستة الأولى من التوراة. أي الخمسة الأولى التي تسمى «البنتاتوخ» بالإضافة إلى «سفر يشوع» وهو يظن أن النبي يوشع هو من قام بتحرير الهاكساتوخ. وفي سنة 1877 نشر فلهاوزن كتابه (Geschichte Israels) أي «تاريخ إسرائيل القديمة»، وقد أعاد نشره (سنة 1879) بعد تنقيحه وتغيير عنوانه إلى (Prolegomena zur Geschichte Israels) أي «مدخل إلى تاريخ إسرائيل القديمة».

وكانت دراسات نقد الكتاب المقدس حتى عصره قد انتهت إلى تحديد أربعة مصادر رئيسية استخدمت في صياغة أسفار التوراة. الأول منها يسمي «المصدر الألوهيمي” (Elohimi)؛ لأنه يستخدم لفظة «ألوهيم» للدلالة على الألوهية. ثم «المصدر اليهوي» (Jehovist) ويستخدم لفظة «يهوه» للدلالة على الألوهية. وأخيراً «توراة الكهنة» (Pristercodex) وتشمل قوانين الكهانة في اليهودية. وأخيرا «المصدر التثنوي» (سفر التثنية) الذي نشر كوحدة متكاملة في عصر الملك يوشيا (641 – 609 ق.م). ويعد هذا العصر – بسبب الإصلاحات الدينية التي حدثت فيه – عصراً فارقاً في تاريخ العهد القديم، والظن أن المصدرين الأولين سابقان عليه بينما تأخرت توراة الكهنة عنه.

كتاب «خطابات يوليوس فلهاوزن»

أما الطفرة التي أحدثها فلهاوزن بكتابيه فتتمثل في النتائج التي توصل إليها، والتي حدد بها الخطوط الرئيسية لتاريخ تطور طقوس العبادة (الأماكن والأضحية والأعياد) لدى بني إسرائيل، وقد وجد فلهاوزن أن هذه الطقوس مرّت بثلاثة عصور رئيسية: عصر الأنبياء الكبار، وعصر السبي البابلي وما تلاه. وفي البداية كانت طقوس العبادة غير متمركزة في مكان محدد، ثم حاول سُليمان تركيزها في هيكل أورشليم، ولكنه لم ينجح؛ لأن الشعبَ استمر في ممارسة طقوسه على المرتفعات، وبعد السبي وضياع هذه المرتفعات تم تركيز ممارسة الطقوس في الهيكل الثاني دون غيره، فالهيكل كما يرى فلهاوزن لم يكن مقدساً عند اليهود طوال الوقت ولكن فقط في عصر التفكك والضياع [1].

وبناء على هذا التوصيف أعاد فلهاوزن النظر في أسفار التوراة، لإعادة فهمها وتوزيعها على مراحل تطور الطقوس، وقد وجد في هذه الأسفار بالفعل طبقات لغوية وأدبية تتناسب والمراحل الثلاث لتطور الطقوس، وتمكن بالتالي من تقديم تواريخ دقيقة إلى حد كبير لزمن تأليف المصادر الثلاثة التي استخدمت – إلى جانب المصدر التثنوي – في الصياغة النهائية للتوراة، فقال بقدم «المصدر اليهوي» وأنه ألف فيما بين سنتي (950 – 850 ق.م) في مملكة يهوذا بهدف تعظيم بيت داوود والدعوة لمركزية العبادة في هيكل أورشليم، وفي هذا المصدر يأخذ «يهوه» سمات إنسانية. أما «المصدر الإلوهيمي» فألف بين سنتي (850 – 750 ق.م)، في السامرة ولذا كان ضد تركيز العبادة في هيكل أورشليم، ويقول بإمكانيتها في أي مكان، فالإسرائيليون القدماء لم يكونوا ينتمون جميعاً لهيكل أورشليم ولم يقدسوه إلا في وقت متأخر [2]. وفي هذا المصدر يتواصل «إيلوهيم» مع البشر فقط من خلال الوحي بالرؤى أوعن طريق الملائكة؛ ولأن «المصدر التثنوي» كتب في عصر الملك يوشيا فإن فلهاوزن يحدد لذلك سنة 623 ق. م بالضبط، أي السنة التي وجد فيه حلقيا الكاهن «سفر الشريعة» والذي يمثل جزءا أساسياً من المصدر التثنوي.


اتهام فلهاوزن بمعاداة اليهودية والمسيحية

يعد صدور الكتابين رأى البعض أن فيهما عنصر معاد للسامية وللمسيحية أيضاً، وكان فرانز أوفربيك (Overbeck) – صديق نيتشة المقرب – ممن يتهمون فلهاوزن بمعاداة اليهود، حيث أخذت عليه أشياء عدة مثل قوله بأن قداسة الهيكل متأخرة؛ ولأنه أعرب صراحة عن عدائه للأجزاء الكهنوتية (للحاخامات اليهود والرهبان الكاثوليكيين على حد السواء) فكل هذه في رأي فلهاوزن إضافات متأخرة إلى دين الأنبياء الأصلي.

وأعرف أن البعض بحث في خطابات فلهاوزن عما يؤيد اتهامه بمعاداة السامية، وكان مما وجدوه جملة في خطاب كتبه لفرديناند جوستي سنة 1901 نصها كما يلي: «في بداية تدريباتي للغة العربية كان يحدق فيّ أربعة رؤوس يهودية سوداء، ولحسن الحظ في دروس “سفر التكوين” كانت الغالبية للمسيحيين» (خطابات ص403). والحقيقة أن فلهاوزن لم يكن معادياً لليهودية على الإطلاق، وكثيرا ما كان كرر هنا أن «المسيح لم يكن مسيحياً وإنما يهودياً». ونعرف من الخطابات أيضاً أنه زار فرانز أوفربيك في بازل، وقد قال صديقه اليهودي هيرمان كوهين (Cohen) في تحية الوداع أنه كان ضد كل أشكال كراهية البشر خاصة الشكل القومي الألماني لكراهية اليهود.

ومما يؤيد ذلك معركته الغاضبة مع اللاهوتي الألماني إدوارد ماير (Meyer) حول كتاب الأخير (Die Entstehung des Judentums) (هال 1896). وهي المعركة التي ينظر إليها اليوم على أنها معركة بين اتجاه التأريخ القومي (يمثله فلهاوزن) واتجاه التأريخ الكوني أو العالمي (يمثله ماير). فتفكير فلهاوزن التاريخي يجعله يرى الدين التوراتي في كل مراحله بوصفه ظاهرة يجب أن تفهم على حقيقتها من داخلها، وفي ضوء تطور الأمة وتطورات طقوسها الجامعة، التي جعلت لها مكانة إلى جوار اليونان القديمة، أما وضع هذه الأمة وتاريخها في سياق عالمي كما فعل ماير الذي فهم تطوراتها على أنه نتيجة لتأثيرات خارجية ورد فعل عليها، فإن هذا يحولها من أمة فاعلة إلى أمة سلبية أو مفعول بها [3].


التخلي عن تدريس اللاهوت

كذلك أثارت كتابات فلهاوزن نقاشات حادة بين رجال اللاهوت المسيحي الذين اتهموه بمعاداة المسيحية، وكان فلهاوزن بدوره وبطريقته الفردية الخاصة، وكنتيجة عملية لأبحاثه، ينتقدُ نوعية الإيمان الذي تنشره الكنيسة ككل، ويصفه بأنه إيمان طفولي في إله دائم الطيبة والعطف، والحقيقة كان لدى فلهاوزن ميل وإرادة لعدم التكيف مع مجال اللاهوت المسيحي، وكان هو نفسه واعياً بذلك لذا يقول: «أصبحت مع مرور الوقت وكلما تقدمت في السن أكثر جذرية، وفقط ينقصني القليل كي أكون ديمقراطيا اجتماعيا. أريد فقط أن أنقذ من فرديتي وذاتيتي كل ما يمكني إنقاذه» (خطابات، ص 267). ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه قرّر التخلي عن تدريس اللاهوت، وعلل ذلك فقال: «أصبحت لاهوتيا لأنني مهتم بالتناول العلمي للعهد القديم، ولكن تبين لي بالتدريج أنني كأستاذ للاهوت واجبي العملي إعداد الطلاب للخدمة في الكنيسة البروتستانتية. ولأنني لم أعد أريد القيام بهكذا عمل، فقد أصبح كوني أستاذا للاهوت أمرا يقلق ضميري» (خطابات، ص 98-99).

ويبدو لي أن إرادة التحول من اللاهوت إلى الاستعراب قد واتته أثناء رحلته إلى عواصم الاستشراق الكبرى، ليدن وباريس ولندن، في صيف سنة 1880، وفي 5 إبريل 1882 كتب إلى وزير الثقافة البرويسي ليذكره أنه طلب في 1880 أن ينقل لإحدى كليات العلوم الإنسانية (خطابات، ص 487). وبعد أن تجاهل وزير الثقافة طلبه الجديد، ترك فلهاوزن عمله في جريسفالد سنة 1882 وذهب إلى جوتنجن حيث حصل على أستاذية جديدة في اللغات السامية. وعقب ذلك أعلنه الوزير أستاذاً للغات الشرقية في جامعة هال (Halle) وهكذا أصبح أكبر متخصص ألماني في دراسات العهد القديم أحد أهم الفاعلين في مجال الدراسات العربية والإسلامية وهو ما سنخصص له مقالتنا التالية.


[1] Wellhausen: Prolegomena, P. 17ff.[2] Wellhausen: Prolegomena, P. 195.[3] Hinz Liebeschütz: Das Judentum im deutschen Geschichtsbild von Hegel bis Max Weber. Siebeck, Tübingen 1967, P. 277.