يحلم الأطباء بالسفر إلى الخارج لتكوين ثروة، بينما لا يفكرون في أثر ذلك على البلد. هم أصلًا بلا ضمير، لا يحضرون دوامهم الحكومي بانتظام لأنهم يهتمون أكثر بالعمل الخاص الذي يدر المال. هم على كل حال أطباء ضعفاء المستوى؛ ألا تصلك أخبار أخطائهم الكارثية كل يوم؟

هذه الاتهامات، وسواها كثير، تنصب على الأطباء، وبالأخص ممن يعملون في المشافي الحكومية، العامة منها والجامعية، لتحميلهم مسئولية الأزمة الصحية في مصر.

ومن الواضح أن وسائل الإعلام المصرية تنفُث كثيرًا في تسويق تلك الاتهامات فيما يشبه الحملة المنظمة، خاصةً في السنواتِ الأخيرة، التي يعزز انتشارها أيضًا إصرار معظم – إن لم يكن كل – مسئولي المحليات، كالمحافظين، ورؤساء المدن، وحتى موظفي الوحدة المحلية، على استعراض نفوذهم وصلاحياتهم ضد الأطباء، لا سيما في الوحدات الصحية والمناطق النائية، بشكلٍ يُصدِّرُ لدى عامةِ المصريين أن مشكلة الطب في مصر تنحصر في عدم التزام بعض الأطباء بالسهر في وحدة طبيةٍ نائية خالية من أية إمكانات طبية مفيدة.

لذا، سيكون لنا وقفاتٌ متتابعة مع مشكلة الطب في مصر، وأحد أخطر نتائجها، والمتمثلة في هجرة آلاف من خيرة الأطباء المصريين سنويًّا، لا لمجردِ تحسينِ الدخل لبضع سنوات، إنما بنيةِ الهجرة الدائمة بتذكرة ذهابٍ بلا عودة.

وقبل أن يُسارعَ البعض إلى اتهام الأطباء بالنفَس القصير، أو بالجحود تجاه البلدِ التي هيَّأَت لهم فرصة دراسة الطب، وما تفتحُه لهم – من المفترض – من مزايا مادية ومعنوية نوعية، مقارنة بمعظم الكليات والمعاهد الأخرى، سنبيِّنُ بجلاءٍ لماذا يفرُّ الأطباء من مصر، وذلك من واقع المعايشة لطبيبٍ مرَّ بكل تلك المراحل وما يزال، وله أصدقاءٌ مصريون من شباب الأطباء، يعملون في أربع قارات، من بريطانيا شمالًا إلى السودان جنوبًا، إلى عمان والمالديف واليابان شرقًا، وإلى كندا والولايات المتحدة الأمريكية غربًا، وبالطبع في كل قطاعات الطب في مصر، في الجامعات، وفي المعاهد التعليمية الكبرى، وفي مشافي وزارة الصحة بمختلف درجاتها، ومستشفيات القوات المسلحة والشرطة، وكذلك القطاع الخاص بكل مستوياته.

سنبدأُ بجولةٍ مع رحلة طالبٍ مصري عمرُهُ 17 أو 18 عامًا، متفوقٍ في الثانوية العامة، منذُ عبوره لأول مرة بوابةَ كلية الطب، حتى يصبح طبيبًا ذا تخصُّصٍ يمكنه ممارستَه ولو بالحد الأدنى، وهي رحلة تستغرقُ في أفضل الأحوال 10 سنوات لهؤلاء الأكثر اجتهادًا وتوفيقًا معًا، بينما قد تصلُ إلى حوالي 12 – 15 سنة لدى الغالبية العظمى.

أولًا: السبع العجاف

تبدأ دوامة الطب في ابتلاع خيرة الناجحين في الثانوية العامة المصرية بمجرد ظهور نتيجة التنسيق. يحرص الكثير من الطلبة على حضور دورات تمهيدية لأسابيع ينظمها في الغالب اتحاد الطلبة، أو مراكز الكورسات الخاصة، وذلك لكسر رهبة المصطلحات الطبية اللاتينية، التي لم يسبق لهم الاحتكاك بها، وللتعرف على مواد الدراسة المختلفة، وتجارب الطلبة الأكبر سنًّا.

منذ اللحظة الأولى في السنة الأولى، تبدأ المنافسة الشرسة للحصول على الدرجات، حيث إن المجموع النهائي الذي يتحدد وفقَه مسار مستقبل الطبيب داخل مصر، هو المجموع التراكمي لسنوات الدراسة الست جمعاء. وقد تغير درجة أو درجتيْن مسار حياة هذا الطبيب الشاب، وأسرته.

بهذه الروح يدخل طالب الطب كلَّ امتحان، وكل لجنة شفويٍّ، أو عملي، حتى لو كانت تمثلُ امتحانًا قصيرًا بخمس درجات في نهاية فصلٍ دراسي صغير. ولا يكاد يمر أسبوعيْن دون امتحانٍ أيًّا كان حجمُه. ولا تسلْ عن إجازة نصف السنة، فغالبًا ما يعقبُها امتحان 10%.

في السنوات الأربع الأولى، يكون هناك عُطلة في نهاية العام قد تصل إلى شهريْن تزيد أو تقصُر قليلًا، بعد موسم امتحانات آخر العام الذي قد يصل في كل سنةٍ منها  إلى شهرين، على اختلافٍ بين الجامعات وبعضها. لكن في السنتيْن الكبيستيْن الأخريَيْنِ، تتقاصرُ العطلة إلى حوالي الشهر، وتتأخر عن الصيف، فالدراسة في السنة الخامسة تتجاوز مدتها السنة، وقد تصل فترة الامتحانات إلى 4 أشهر، وتصل في السنة السادسة إلى 14 شهرًا، منها حوالي 6 أشهر من الامتحانات.

وما سبق يتحدث عن الطالب الذي يدخل امتحانات الدور الأول دون تأجيل. لكن يدفع طولُ المناهج، والتوترُ، والضغطُ النفسي، وضمانُ الحصول على درجاتٍ أعلى، أعدادًا غير قليلة من الطلبة للتأجيل إلى الدور الثاني، فيكون ثمنُ هذا ضياعَ فترة الراحة القصيرة بين السنوات وبعضها.

وبالنسبة لطول المناهج، فلن يقلَّ متوسطُ الصفحات التي يحتاج الطالب إلى استذكارها – على اختلاف المصادر والجامعات – في السنة الواحدة عن 3 آلاف! ورغم اتجاه الكثير من الجامعات تدريجيًّا لترك الأسئلة المقالية الطويلة، وتفضيلِ الأسئلة القصيرة، وأسئلة الاختيار من  متعدد – وهذا في العموم أفضل – فإنه يتطلب استيعاب الطالب لتفاصيل ودقائق المنهج، وهذا ليس بالمهمة اليسيرة أبدًا، إذ تحتاج للمذاكرة لعدة ساعات يوميًّا طوال أيام السنة ، كما أن لديْنا عددًا غير قليل من أعضاء هيئة التدريس غير المؤهلين فنيًّا أو نفسيًّا للتدريس، والذي يحتاج إلى مهاراتٍ خاصة في استيعاب الطلاب، وفي طرق تقديم المادة العلمية.

خلال العاميْن الماضييْن، شُرِع في تطبيقِ نظامٍ جديد وتعميمه في الجامعات كافة، يُسمى نظامَ 5  و 2، حيث تصبح سنوات الدراسة 5 بدلًا من 6، وتصبح فترة التدريب العملي (سنة الامتياز) عاميْن بدلًا من عام. لكن ما يزال أمامنا أكثر من 5 أعوام قبل أن تتخرج أول دفعة لهذا النظام، وما يزال هناك ارتباكٌ ظاهر في شكل المناهج، وطريقة الامتحان. 

ثانيًا: رحلة البحث عن تخصص

اتخصصت ولا لسه يا دكتور؟ طب هتتخصص امتى؟!

لا شك أن ذلك من أشد الأسئلة إزعاجًا لطلاب الطب، وللكثيرين من حديثي التخرج. لا يعرف الكثير من غير الأطباء ما يكتنف عملية اختيار التخصص من عوائق، ومصاعب شتَّى.

بعد ستة أعوام ونصف من أول أيام الدراسة بالعام الجامعي الأول تظهر نتيجة الدور الأول لامتحانات السنة السادسة، ويعرف الطلاب الترتيب التراكمي المبدئي (غالبًا ما تغيرُ نتائج التظلمات والقضايا المرفوعة أمام المحاكم منه قليلًا). لكن رغم ذلك، فباستثناء الأول على الدفعة، ليس بمقدورِ أي طالب أن يضمن تخصُّصَه على وجه الدقة.

أول سنة بعد التخرج، هي سنة التدريب الإجباري المعروفة بسنة الامتياز، وللأسف لا يوجد نظام قوي لحسن استغلال تلك السنة، فتتباين كثيرًا استفادة الأطباء منها، وغالبًا ما يقضيها طبيب الامتياز في القيام بمهامٍ تُعرَف بـ «الديرتي»، وهي المهام غير المفيدة له، كأن يصحب الحالة أثناء قيامها ببعض الأشعات، أو أن يحضر بعض أكياس الدم من البنك، أو القيام بالغيار على الجروح لانشغال نائب الجراحة  … إلخ.

والأكثر وعيًا هم من يستغلون تلك السنة في خطط السفر، وذلك بمذاكرة المعادلة الأمريكية، أو البريطانية، أو الشهادات المطلوبة في اللغات. وكذلك من يستغلُّونها في الترويح عن أنفسهم بما حُرِموه في أثناء الدراسة.

بعد سنة الامتياز، يأتي التكليف في وحدات الرعاية الأساسية، والمعركة السنوية مع وزارة الصحة، التي تريد تغطية العجز في الأماكن النائية ولو بإجبار الأطباء، وبحدٍ أدنى من المزايا، فيتوافق هؤلاء على الإضراب عن التسجيل على موقع الوزارة، وتحاول النقابة التدخل، فتقدم الوزارة بعض التنازلات … إلخ. 

يحدث التوزيع قُربًا وبعدًا وفق الترتيب التراكمي، ويكون هناك استثناءات الطبيبات المتزوجات، لتتمكن من الحصول على تكليف في وحدة صحية قريبة. وبالتالي فالأطباء الذكور من غير الأوائل غالبًا ما يقضون تلك الفترة في المحافظات النائية، كأقاصي الصعيد، والوادي الجديد، وسيناء … إلخ. وحتى هذه اللحظة، الطبيب ممارسٌ عام بغير التخصص. فمتى يأتي التخصص؟!

في معظم الجامعات، يكون هناك سنويًّا حوالي 100 مكان لنيابات الجامعة، تُوزَّع خلالَها التخصصات وفقَ الترتيب التراكمي بأسبقية الاختيار. تُعقد جلسة توزيع النيابات بعد أشهر قليلة من بداية التكليف، ويبدأ العمل بعدها بأسابيع. وهؤلاء هم الأسرع في الحصول على  تخصص، وإن عجز الكثير منهم عن اختيار التخصص الذي يريدون لأن الأعلى درجاتٍ قد ظفروا به.

أما الغالبية العظمى من أطباء التكليف، فينتظرون شهورًا إضافية من أجل حركات نيابات مستشفيات وزارة الصحة، والتي تُوزع أيضًا وفق المجموع التراكمي، وغالبًا ما يضطر بعضهم لقضاء ما قد يصل إلى عاميْن في التكليف، حتى يظفر بتخصصٍ يريده، أو على الأقل لا يكرهه كثيرًا. لكن تميل الأكثرية إلى الحصول على أي تخصص – لاسيما التخصصات الأصعب كالطوارئ والعنايات المركزة، والتي تتوافر لها حركات نيابة مُلِّحة نظرًا للعجز الكبير فيها – وذلك تعجُّلًا للخلاص من فترة التكليف قليلة العوائد التعليمية والمالية.

ثالثًا: وما أدراك ما النيابة!

النيابة، أو فترة الطبيب المقيم، هي الفترة التي يتعلم فيها الطبيب أهم ما ينبغي عليه تعلمه في التخصص، وهي حقيقةً لا مجازًا كالأساسات في بناء البيت.

وكما يوحي الاسم، فإن الطبيب يقضي تقريبًا في المستشفى وقتًا أكبر مما يقضيه في البيت، لا سيما إن كان من سعداء الحظ (!) الذين ظفِروا بنيابةٍ في الجامعة أو في أحد المعاهد التعليمية أو مستشفيات وزارة الصحة الكبرى، حيث يحظى بفرصةٍ أكبر للتعلم، مع ضخامة أعداد المرضى المترددين. وتتراوح معظم النيابات في مصر بينَ 3 و 5 سنوات. بعد تلك السنوات، تكون قد قطعت شوطًا جيدًا في أساسيات تخصصك، وأصبحتَ قادرًا على التعامل مع أشهر حالاته المرضية.

السنة الأولى هي الأقسى، فأنت الأصغر سنًّا – تُسمى الجونيور – والذي يتحمل معظم الأعباء الجسدية والإدارية، وبالطبع النصيب الأكبر من النوبتجيات، وعليك الرجوع في كل كبيرةٍ وصغيرة إلى من هم أكبر منك من النواب والأخصائيين، والاستشاريين. وبالطبع أنت دائمًا في وجه المدفع، فأنت الذي يقابله الجمهور الغاضب المنفعل وجهًا لوجه في كل ساعة، وبالتالي فأنتَ الأكثر عرضة للاعتداءات، وكذلك أنت دائمًا محط النقد والاتهام بالتقصير ممن هم أكبر منك من الأطباء.

وأنت مطالبٌ في وقتك القصير خارج المستشفى، بأن تذاكر جيدًا من أجل امتحانات الحصول على درجة الماجستير، وأن تجهز رسالتَها، أو النجاح في امتحانات الزمالة … إلخ، وأن تقرأ في تخصصك لتقرِن المعلومات النظرية بالخبرة العملية، وكذلك أن تقوم بواجباتك الدينية والأُسرية والاجتماعية، وأن تحاول ألا تنسى هواياتك المحببة، وأن تُحاول كذلك ألّا تُصابَ بالاكتئاب، وإن أُصِبتَ به ألا يتطور إلى مضاعفاتٍ أخطر. لكن على أرض الواقع، لن تقوم بشيءٍ مما سبق كما ينبغي، إنما ستمارس حقك البدهي في تعويض ما حُرِمتَه من النوم في المستشفى، لا سيما إن كنت من أصحاب التخصصات المتصلة بالطوارئ. وبالطبع لا تسلْ عن العمل الخاص في تلك الظروف.

ولدينا خبر سار، ستحصل على راتبٍ أكبر من فترة التكليف، قد يتجاوز أحيانًا 3 آلاف جنيه بقليل (أقل من 200 دولار شهريًّا!)

رابعًا: الدوران في الساقية السرمدية

مبروك، أنتَ الآن طبيب شاب – عمرُك في حدود الثلاثين – ذو تخصص. والآن تريدُ كأي إنسان طبيعي أن تتزوج وتنفق على أسرتِك، وقد تكون بالفعل بمعونةٍ جوهرية من أهلك قد تزوَّجْت، وأصبحت في غاية الحرج من استمرار اعتمادك عليهم، بل قد تكون الأمور قد انقلبت، وأصبحوا هم بحاجة إلى الدعم المادي والمعنوي من ابنهم الطبيب الذي طالما فخروا به.

تغُرُّك الآمال بأنه طالما قد ولَّت أيام النيابة، فإنك ستستعيد السيطرة على حياتك ولو جزئيًّا، لكنك ستجد أنَّ المهام المطلوبة منك قد كبُرَت معك، وأن حياتَك أمست أكثر فرارًا منك.

ماديًّا، أصبحتَ بحاجة لاستغلال كل يومٍ خارج جدول المستشفى الحكومي أو الجامعي، في العمل الخاص، والذي غالبًا ما يتطلب السفر إلى القاهرة من أجل نوبتجياتٍ في مشافيها الكبرى بمقابل ماديٍّ أعلى، لأن المرتب الحكومي بالكاد يمكن أن يسدَّ رمقَ أسرتك. وإذا كنت تحب العمل المستقل وقررتَ تأسيس عيادة مبكرًا، فستضطر للبدء في القرى والنجوع البعيدة، حتى لا يغضب عليك من هم أكبر سنًا، ويعطلونكَ دراسيًّا، لا سيما إن كنت من أعضاء التدريس بالجامعة.

تعليميًّا، عليك الحصول على درجة الدكتوراه الأكثر صعوبة، أو الاتجاه للزمالات الأجنبية من أجل السفر بعض أن ضقت ذرعًا بالطب في مصر، أو محاولة اقتناص فرصة للحصول على بعثة لتتعلم بشكلٍ أفضل. وبجوار هذا عليك أن تقرأ في تخصصك بعمقٍ أكبر، وأن تجدَ لنفسك تخصصًا فرعيًّا تحبه وتجيده داخل تخصصك العام.

وهكذا ستجدُ سماءَكَ دائمًا ممطرة، وطريقُك مسدودٌ مسدود، أو في أحسن الأحوال مفروشٌ بالمصاعب أو العوائق، التي كلما حاولت فكَّ ضفائر تعقيداتها، فستجدُ أنكَ مفقودٌ مفقودٌ … يا ولدي.