قبل أيام من الذكرى السادسة للانقلاب العسكري على الرئيس الأسبق محمد مرسي، لفظ الأخير أنفاسه الأخيرة في قاعة المحكمة، لتنتهي بهذه اللحظة قصة أول رئيس مصري انتُخب ديمقراطيًا مذ تأسست الجمهورية المصرية سنة 53، على يد ضباطٍ من الجيش.

وُلد محمد مرسي ابن محافظة الشرقية (في شمال مصر) سنة 1951، لأسرة متوسطة الحال، عمل والده بالزراعة واكتفت والدته بعناية المنزل والقيام على شؤون أبنائها الخمسة، السيد وسعيد وحسين ومحمد وفاطمة. انتقل محمد نهاية ستينيات القرن الماضي إلى القاهرة لإتمام دراسته للهندسة بجامعة القاهرة، وحصل على بكالوريوس الهندسة سنة 1975، خدم بعدها بالجيش المصري وأتم دراسة الماجستير سنة 78، وساعده تفوقه الدراسي في الحصول على منحة من الدولة للسفر والدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك حصل على درجة الدكتوراه من جامعة جنوب كاليفورنيا.

أثناء إقامته في الولايات المتحدة عمل مرسي مدرسًا مساعدًا في جامعة كاليفورينا، نورث ريدج، قبل أن يعود إلى مصر ويترأس قسم الهندسة بجامعة الزقازيق.


نائبًا في البرلمان

بدأت حياة مرسي السياسية بكونه عضوًا في مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين منذ 1995، ثم عضوًا في البرلمان بعد فوزه في انتخابات عام 2000، كثيرًا ما أشيد بأدائه الخطابي فكان متحدثًا باسم الكتلة البرلمانية للإخوان، وله مناوشات كلامية مع عدد من الوزراء في حكومات مبارك المتزامنة مع فترة وجوده في البرلمان.

تعرض مرسي للسجن مع عدد من قيادات الإخوان المسلمين عام 2006، ثم وُضع قيد الإقامة الجبرية في منزله، وقُبيل الثورة المصرية في 2011 اعتُقل مرةً ثانية مع عدد من القيادات الإخوانية، وخرجوا من السجن بعد اقتحامها إبان الثورة، ومن المواقف التي تذكر لمرسي أنه لما خرج من السجن بعد اقتحامه تقدم للدولة المصرية ببلاغ عبر قناة الجزيرة، يقول إنه و33 آخرون من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين لم يفروا ولم يقصدوا الهرب من السجن وأنهم فقط خرجوا بعدما اقُتحم السجن عليهم من قِبل الأهالي.

على صعيد السياسة الخارجية، إبان عمله كنائب في البرلمان رفضه لمشروع حل الدولتين، الفلسطينية والإسرائيلية. عام 2001 أعلن محمد مرسي استنكاره لحادث استهداف برج التجارة العالمي، لما أوقعه من الضحايا المدنيين الأبرياء، لكنه في الوقت ذاته انتقد استغلال الولايات المتحدة للحادثة والمضي قدمًا لغزو أفغانستان والعراق، وقال مرسي في حينها إن الولايات المتحدة لم تقدم للعالم أية أدلة على أن من نفذ هذه العمليات كانوا مسلمين.


مرشحًا رئاسيًا

لم يكن اسم محمد مرسي مطروحًا من البداية، لما أعلنت جماعة الإخوان المسلمين نيتها الدفع بمرشح للرئاسة في مايو/ آيار من العام 2012، لكن شاءت الأقدار أن يُستبعد مرشح الجماعة المهندس خيرت الشاطر، وتقوم الجماعة رسميًا بالدفع بمرشحٍ بديل، هو الدكتور محمد مرسي.

فاز محمد مرسي من جولة الإعادة أمام الفريق أحمد شفيق، فوزًا حازه مرسي بشق الأنفس وبفارق ضئيل جدًا عن منافسه وزير الطيران الأسبق الفريق أحمد شفيق، بنسة 51.73%.

خاض محمد مرسي منذ اللحظات الأولى له في الحكم حربًا ضروسًا مع مؤسسات الدولة، فأعاد البرلمان يوم 8 يوليو/ تموز 2012 بعدما حلّته المحكمة الدستورية قبل ذلك التاريخ بقرابة الشهر. قرار الإعادة تراجع عنه مرسي بعد ثلاثة أيام فقط من صدوره (يوم 11 يوليو) مؤكدًا التزامه بقرار المحكمة الدستورية والقانون.

تسابقت الصحف لإحصاء القرارات الملغاة من قبل الرئيس مرسي، نتيجة لعرقلة أجهزة الدولة قراراته، ونتيجة أخرى لضغط الشارع المستمر عليه، وهجوم النشطاء وشباب الثورة عليه مع كل قرار يرون فيه تنازلًا عن مكتسبات الثورة.

وبعدها بشهر (12 أغسطس/ آب) دفع الرئيس مرسي وزير الدفاع، المشير طنطاوي، ورئيس الأركان، الفريق سامي عنان،دفعهما للاستقالة من منصبيهما بعد حادث إرهابي وقع في رفح المصرية، وصفت وسائل الإعلام هذه الخطوة بذروة الصراع على السلطة في مصر بعد ثورة يناير، لكنها تجاهلت الدولة العميقة التي أخذت بزمام السلطة بالانقلاب على الرئيس في يوليو 2013.

نوفمبر/ تشرين الأول، في أتون الحرب على الدستور الجديد الذي كان قيد الإعداد من الجمعية التأسيسية،أصدر الرئيس مرسي إعلانًا دستوريًا يحصن قراراته من المتابعة القضائية، جلبت هذه الخطوة اللعنة على رئاسة مرسي، بمعارضة مدنية ومظاهرات لم تهدأ إلى نهاية فترة مرسي الرئاسية خلافًا لمعارضة أجهزة الدولة العميقة التي بدأت منذ اليوم الأول لرئاسته.

خارجيًا، اتسمت سياسة مرسي بالمبادرة، وفي مشهدين غابت عنهما الدبلوماسية وحضرت الأيديولوجيا، وقف الرئيس مرسي مع المقاومة الفلسطينية موقف الداعم والمؤيد أمام الاعتداء الإسرائيلي في 2012، ودفع برئيس وزرائه لزيارة قطاع غزة لحظة الهدنة التي تمت برعاية مصرية، في مشهد لم يحدث من قبل. وفي مشهد مماثل تعاطف الرئيس مرسي مع الثورة السورية باعتبارها امتدادًا للربيع العربي، وقطع العلاقات مع النظام السوري، كما فتح الباب على مصراعيه أمام اللاجئين السوريين الفارين من مأساة الحرب.


مرسي سجينًا

انتهت المعركة على السلطة في مصر في لحظة الثلاثين من يونيو، لحظة استغل الجيش احتجاجات بعض القوى المدنية المعارضة للرئيس مرسي، ودفع ببعض المأجورين لتأجيج حالة الاحتقان إلى اللحظة الحرجة. انقلب الجيش برئاسة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي على الرئيس مرسي معلنًا اعتقاله وانتقال السلطة إلى رئيس انتقالي «رئيس الدستورية العليا، عدلي منصور»، فتأججت مظاهرات المؤيدين لمرسي وعمت شوارع القاهرة.

قضى النظام الجديد على تجمعات المؤيدين لمرسي بمجزرة راح ضحيتها مئات القتلى وآلاف الجرحى والمعتقلين. تعرض مرسي للسجن الانفرادي منذ اللحظة الأولى ولاقى صنوف التنكيل الجسدي والمعنوي، وجرى طمس اسمه من محتلف السجلات التشريفية للدولة، ورغم خضوعه للمحاكمة مدة ست سنوات لم تدنه المحاكم المصرية في قضية تخل بالشرف أو التقصير في مهام عمله كرئيس للجمهورية، إلا بعض التهم الهزلية أمثال التخابر مع حركة حماس والتخابر مع قطر وخلافهما من التهم التي لا يمكن إلصاقها برئيس في بلد جمهوري، يمسك الرئيس حصرًا بملفاتها الخارجية.

وفي الأخير توفي الرئيس الأسبق محمد مرسي أثناء إحدى جلسات المحاكمة 17 يونيو/ حزيران، قبل أيام من حلول الذكرى السادسة للانقلاب عليه، توفي مرسي في ظل ظروف غير آدمية، ممنوعًا من زيارة أهله إلا في مناسبات نادرة، ولقاء هيئة المحامين المسؤولة عن الدفاع عنه!