قبل عدة أيام لفت خبر عن القمر انتباه الكثيرين من محبي العلوم في الوطن العربي، حينما أعلن باحثون من وكالة الفضاء والطيران الأمريكية «ناسا» بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية أن الغلاف الجوي يمتد لمسافة كبيرة جدًا خارج الأرض، بحيث يشمل القمر نفسه بداخله، لكن ليس بنفس كثافته بالطبع كما قد تعتقد، نحن لا نتحدث هنا عن هواء على القمر بالتأكيد، وهذا ما تقوله الدراسة.


أين ينتهي الغلاف الجوي؟

في الواقع، لطالما حير السؤال عن حدود الغلاف الجوي للأرض الباحثين داخل هذا النطاق، وعلى الرغم من أن «خط كارمان Karman»، على ارتفاع مائة كيلومتر فقط من سطح البحر، يمثل الحد الفاصل بين الغلاف الجوي والفضاء الخارجي، لكن إجابة هذا السؤال لا تنتهي هنا؛ وذلك لأن الغلاف الجوي لا ينتهي فجأة، ولكنه يصبح أكثر رقة بشكل تدريجي مع الارتفاع. أما خط كارمان فيستخدم فقط، من قبل الاتحاد الدولي للملاحة الجوية، لتوضيح الحد الفاصل بين الأنشطة البشرية الهوائية (الطيران) وغير الهوائية (مركبات الفضاء).

يتكون الغلاف الجوي للأرض من عدة طبقات، على سبيل المثال هناك التروبوسفير والذي يمتد حتى 20 كيلومترًا بالأعلى، وهو النطاق الذي تسافر خلاله الطائرات، يليه الستراتوسفير وهنا تحترق الشهب، ثم الميزوسفير وفي هذا النطاق يمكن أن ترى بالونات اختبار المناخ، لكن يمكن أن نصل صعودًا إلى ما يسمى الثرموسفير وهو ما يمتد حتى حوالي 700 كيلومتر فوق سطح الأرض وفي تلك النقطة يمكن أن ترى مكوكات الفضاء.

أعلى الثرموسفير يوجد ما يسمى بالـ «إكسوسفير»، ويعني الطبقة الخارجية الأكثر رقة للغلاف الجوي، وكان التساؤل الدائم عن سمك هذه الطبقة الأخيرة هو محط انتباه الباحثين من مرصد سوهو لدراسة الشمس وغلافها التابع لوكالة الطيران والفضاء الأميركية والوكالة الأوروبية.


هالة أرضية!

اهتم باحثو الدراسة الجديدة بالأساس بفحص ما يسمى بـ «الهالة الأرضية» (Geocorona)، وهي سحابة من الهيدروجين ذات كثافة قليلة تمثل الأجزاء الأعلى لطبقة الإكسوسفير، وتغلف كوكب الأرض، في العام 1972 تمكن رواد الفضاء من المركبة أبولو 16 بالفعل من التقاط صورة لتلك الهالة.

الهالة الأرضية، من التقاط روّاد المركبة أبولو 16 (ناسا)

في تلك النقطة تتدخل إحدى الأدوات العلمية الموجودة على متن المركبة «سوهو»، وهي أشبه بكاميرا حساسة للغاية تدعى «سوان» يمكن لها التقاط أثر الهيدروجين حينما تثيره أشعة الضوء القادمة من الشمس في ظاهرة تسمى (ألفا لايمان Lyman-Alpha) هنا توصل الباحثون إلى أن سمك هذه المنطقة من الغلاف الجوي يمتد لمسافة 630 ألف كيلومتر أعلى سطح الأرض، ما يشمل القمر الذي يوجد فقط على مسافة 385 ألف كيلومتر تقريبًا.

لكن الأكثر لفتًا للانتباه في هذه الدراسة هو ما يمكن أن نسميه بـ «قوة الأرشيف»، لقد انطلق المرصد «سوهو» للفضاء قبل أكثر من عقدين في العام 1995، وحصل على البيانات الخاصة بالهالة الأرضية في الفترة بين 1996 و1998.

لكن على الرغم من ذلك، ظلت تلك البيانات كجزء من أرشيف البيانات الخاص بالمركبة إلى أن تمكن فريق بحثي روسي من الحصول عليه من أجل دعم أبحاثهم الخاصة بهالة الأرض.


البحث عن حياة

الهالة الأرضية، غلاف الأرض الجوي، الأرض، القمر

وتأتي الدراسة الجديدة لتخدم نطاقًا فلكيًا آخر هامًا وهو ذو علاقة بالبحث عن الماء على الكواكب الأخرى، ذلك لأن الهالات الكوكبية الهيدروجينية تظهر فقط في الكواكب التي تحوي بخار ماء قريبًا من السطح، ما يعني أن رصدها هو إشارة مباشرة لوجود مياه.

ولأن الهالة الكوكبية تمتد لمسافات شاسعة خارج الكوكب في دائرة ضخمة، سوف يتمكن الباحثون في التلسكوبات المختصة فيما بعد من رصدها بصورة أفضل.

كذلك فإن الكشف الجديد سيساعد التلسكوبات الأرضية والفضائية على ضبط معاييرها للرصد، حيث ستضاف قيمة كثافة ذرات الهيدروجين في تلك الهالة الكوكبية إلى قواعد بياناتها حتى لا تقوم بضمها للإشعاع الذي تحصل عليه من الأجرام البعيدة كالمجرات.

في النهاية، فإن الحدود والخطوط الفاصلة هي فقط نقاط اعتباطية وضعها البشر بين الأشياء من أجل تسهيل العمل، ينطلق ذلك بداية من أدق العلوم وصولًا إلى الفارق بين العلوم نفسها كأن تقول أن هناك «فيزياء» و«كيمياء».

يستخدم ذلك فقط لتوضيح الحدود الفاصلة بين نطاقين من أجل الطلبة في المدارس والجامعات، أما في النطاقات الأعلى تخصصًا فلا توجد فروق واضحة، بل قد يحصل كيميائي على نوبل في الفيزياء أو العكس.