«إذا فاز صادق خان في لندن، فسوف أركض عبر شارع ريجنت عارية…»؛ هكذا أعلنت الصحفية الإنجليزية كاتي هوبكينز على حسابها على تويتر عن احتجاجها الجذري على أن يتولى صادق خان البريطاني المسلم من أصل هندي، عمودية إحدى أهم عواصم العالم وتلك المدينة التاريخية التي قادت يوما العالم بأسره: لندن. صدمة كاتي هوبكنز لم تكن في الواقع أكبر من تلك التي واجهتها الجماهير العربية التي اعتادت أن مثل تلك الحقوق ترتبط بخصائص اجتماعية، كالدين والعرق والقومية وجنسية الأصول الاجتماعية، هي امتيازات لأصحابها دون سواهم ممن يحملون، نظريا فحسب، نفس الحقوق والجنسية القانونية.


المواطنة الحقوقية

لم يظهر مفهوم المواطنة citizenship كموضوع للدراسة السياسية حتى أربعينات القرن العشرين عقب الحرب العالمية الثانية، عندما قدم عالم الاجتماع الإنجليزي توماس هامفري مارشال T. H. Marshall دراسته الكلاسيكية بعنوان «المواطنة والطبقة الاجتماعية Citizenship and Social Class» عام 1950. حدد مارشال مفهوم المواطنة باعتباره يتكوَّن من ثلاثة أنواع من الحقوق: المدنية civil، والسياسية political، والاجتماعية social؛ محلِّلا تطورها التاريخي.

إن أهمية النموذج الذي يطرحه مارشال تبقى في تحويله موضوع المواطنة من مسألة هوية وقومية وانتماء ديني، إلى مسألة حقوقية وقانونية بالأساس.

تضمن الحقوق المدنية حماية الحريات الفردية والتي تشمل: حق التعبير، والاعتقاد، والملكية الشخصية والتعاقد، والحق في العدالة؛ وهي تلك المنجزات التي تم تحقيقها في القرن الثامن عشر. أما الحقوق السياسية فتتضمن الحق في المشاركة السياسية سواء بممارسة السلطة أو عبر انتخاب من يتولونها. وعلى الرغم من أن تلك الحقوق كانت موجودة في القرن التاسع عشر بالنسبة للبعض، إلا أن تحققها الشامل كان في القرن العشرين عندما شمل حق الاقتراع جميع البالغين بغض النظر عن مكانتهم الطبقية أو جنسهم (لم تحصل المرأة على حق التصويت في إنجلترا والولايات المتحدة سوى في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، بينما تأخّرت المرأة الفرنسية في حصولها على هذا الحق إلى العام 1944).

أما الإضافة الأبرز لدى مارشال فكانت تلك الحقوق الاجتماعية التي يعطيها تعريفا واسعا يمتد من الحق في الحصول على حد أدنى من الرفاه والأمان الاجتماعي، إلى الحق في عيش حياة متحضرة وفقا للمستويات المهيمنة على المجتمع. أتت تلك الإضافة من قبل مارشال في سياق نشأة دولة الرفاه Welfare State (نمط من الدول يلتزم بضمان تقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية كالخدمات الصحية والحد الأدنى من الدخل لمواطنيها) بعد الحرب العالمية الثانية. وقد ارتأى مارشال أن تطور المواطنة الاجتماعية كنظام لتحقيق المساواة جاء موازيا لتطور الرأسمالية كنظام من اللامساواة، لكن دون تقويض للرأسمالية، إذ أن المواطنة الاجتماعية تحل محل الصراع الطبقي عبر تقليل الفجوة بين الطبقات.

إن أهمية النموذج الذي يطرحه مارشال تبقى على الرغم من كل ذلك، في تحويله موضوع المواطنة من مسألة هوية وقومية وانتماء ديني أو عرقي أو حتى سياسي، إلى مسألة حقوقية وقانونية محايدة بخصوص الانتماءات العضوية للفرد سواء إلى عرقه أو ثقافته أو غير ذلك. فلم يعد سؤال المواطنة هو عن رؤى وعقائد مثالية ينبغي زرعها في أفراد المجتمع السياسي، وعليهم أن يلتزموا بها بدون شروط، وإنما سؤال المواطنة هو عن مجموعة من الشروط المادية التي يلتزم بها الفرد ويحصل عليها في الوقت نفسه.

وقد تعرَّض نموذج مارشال مع تأزُّم دولة الرفاه في الثمانينات، وصعود النيوليبرالية الاقتصادية التي تجرِّد الدولة من أي التزام اجتماعي تجاه مواطنيها، ثم مع صعود الحركات النسوية وغيرها من الفئات الثقافية كحركات الحقوق الجنسية وحقوق الأقليات في التسعينات، إلى نقد أدَّى إلى تعميق ذلك الجوهر الحقوقي للمواطنة. فبينما اتهمت النيوليبرالية تلك الرؤية الاجتماعية باعتبارها تحقق مساواة غير عادلة بين المتفوقين المجتهدين وبين الكسولين، ركّزت الحركات الثقافية على حقوق الأقليات وأصحاب الأفكار المتنوعة المختلفة التي تتقاطع مع الثقافة السائدة في المجتمع.

أدَّى هذا السياق من الجدل النظري والاجتماعي حول المواطنة وحقوقها إلى ثمار ثقافية وسياسية واجتماعية متنوِّعة، إذ أصبح المجتمع أكثر تقبُّلا للمختلفين إثنيا أو دينيا أو ثقافيا. وعلى الرغم من كل أوجه النزعات المحافظة المعادية لهذا التنوع، وعلى الرغم من كل أوجه تلاعب النخب السياسية والاجتماعية والثقافية، والتي قد تضر بتلك المساواة، بقيت تلك المنجزات بمثابة أحلام إذا ما قورنت بالحالة العربية.


العرب: من الجمهورية إلى الطائفية

ارتبط انتقال المواطنة إلى العالم العربي بازدهار نمط من الوطنية الجمهورانية التي أخذت طابعا ليبراليا في مصر وسوريا قبل عهد الانقلابات العسكرية في الخمسينات، ثم طابعا اشتراكيا فيهما إضافة إلى العراق والجزائر وليبيا في الستينات. أما في الملكيات، فقد ظلَّ التنظيم الاجتماعي أكثر تخلُّفا من طرح موضوع المواطنة (ربما باستثناء المغرب)، التي اختُزلت في مجموعة من الامتيازات الاجتماعية على العمال الغرباء وإلى عطايا يقدمها النظام/الأسرة الحاكم.

وفي الأخير مُسخت المواطنة إلى مطالبة بتفويض النظام السياسي دون مساءلته، والذي يقوم بدوره بتعيير المواطن بالخدمات الرديئة التي يقدمها إليه.

وقد تحوَّلت المواطنة كذلك في الحكم الجمهوري بعد فشل التحديث الاجتماعي الذي التزم بتقديم خدمات اجتماعية واسعة للمواطنين، إلى التزام مطلق بالانتماء للدولة، الذي يعني واقعيا الخضوع الكامل غير المشروط للنظام الحاكم، بلا مقابل حقوقي. فالفساد الذي نخر جسد مؤسسات الدولة أدى إلى ترهلها وعجزها عن تقديم خدمات حقيقية، لتبقى هياكل ممسوخة تقدم خدمات رديئة ذات جدوى محدودة. وأما الحقوق السياسية والمدنية فقد طولب المواطن منذ البداية بتوقيع نهائي بالتنازل عنها. وفي الأخير مسخت المواطنة إلى مطالبة بتفويض النظام السياسي دون مساءلته، بينما يقوم النظام بدوره بتعيير المواطن بالخدمات الرديئة التي يقدمها إليه. بل إن الوطنية تحوَّلت إلى فزَّاعة شوفينية يستخدمها النظام ضد المعارضة السياسية أو الفئات الاجتماعية الساخطة أو الأقليات عند اللزوم.

ومع تفتت بعض الأنظمة الحاكمة، صارت المحاصصة الطائفية وربما الحرب الأهلية، هي الواقع المسيطر على عدد من البلدان، أهمها: العراق، وسوريا، واليمن (كانت لبنان أصلا منذ نشأتها مجالا لمثل ذلك الاضطراب). والملاحظ أن تلك الأنظمة لم تكن أنظمة عنصرية المنطلق بحق، فمن المجازفة تعريف نظام البعث في العراق مثلا باعتباره نظاما سنيا، أو كذلك نظام علي عبد الله صالح في اليمن باعتباره نظاما شافعيا، على الرغم من أن كليهما قد أدارا سياسات طائفية بامتياز ضد الشيعة في العراق، والحوثيين في اليمن، على الترتيب.

في الواقع، ما حدث هو أن غياب المواطنة الحقيقية قد أدى إلى تحوُّل الطائفة إلى محضن سياسي بديل عن الأمة السياسية، استفادت منه نخب هي علمانية، أو للدقة غير مؤدلجة وغير متدينة، ووظفته كقوى سياسية تخدم صراع سلطة أهلي غير منتهي. وإذا كانت الظروف التاريخية في سوريا قد أدَّت إلى تكوين نخبة عسكرية علوية، فإن الظروف التاريخية نفسها حالت دون سيطرة الأكراد على الجيش في العراق والتي كانت قد تحققت بالفعل في انقلاب 1936 بقيادة الضابط الكردي بكر صدقي، إذ تمكَّن الضباط السنة الكبار (نوري السعيد وجعفر العسكري) لاحقا من استعادة السيطرة خاصة في ظل ظروف الحرب العالمية الثانية. والمقصود أن الطائفية لم تكن تعبر عن مأزق وعي ديني بالأساس، كما تم تناولها باستمرار، وإنما عن تحديث مشوَّه فشل في بناء الأمة السياسية والدولة وأسلمها بالتالي إلى نخب عسكرية وانتهازية وظفت سياسات هوية طائفية لخدمة صراعاتها على السلطة (بشارة (2009): 18 وما يليها).


الإسلاميون: الأمة ضد المواطنة

لطالما نظر الباحثون الغربيون إلى المواطنة، كما لغيرها من مفاهيم وموضوعات السياسة، كمحض اختراع غربي تعود أصوله إلى العبقرية الإغريقية. وعلى الرغم مما في تلك النظرة من تمركز غربي حول الذات وإقصاء للآخر حضاريا ونزوع إمبريالي للهيمنة عليه، إلا أن هذا التمركز لا يخلو من فائدتين ينبغي التوقف عندهما:

الأولى هو أن تلك المفاهيم، وعلى الرغم من نشأتها الحديثة، تقبل الرد على الحضارات القديمة للاستفادة منها في فهم تلك الحضارات وللاستفادة من تلك الحضارات (الحي الفاعل منها) في بناء وتطوير تلك المفاهيم اجتماعيا. فالغرب إذ يسقط مفاهيم طوّرها تاريخيا في حداثته على الواقع اليوناني، يؤسس بذلك لإمكانية اكتشاف جذور للجانب القيمي المطلق من تلك المفاهيم في حضارات أخرى كاكتشاف التأسيس لتقدير الإنسان وإعطائه حقه السياسي والاجتماعي ضمن الكيان السياسي في الحضارة الإسلامية.

والثاني هي أن ارتباط التحقق الحديث لتلك المفاهيم بالسياق الغربي هو حقيقة ينبغي الالتفات إليها عند البحث في إمكانية تطبيق تلك المفاهيم الحديثة، إذ أن الانقلاب على الإجراءات الحديثة التي أبدعتها الحداثة الغربية لتحقيق تلك القيم والمفاهيم لطالما كان سبيلا لتبرير أنظمة استبدادية مشوهة، كما أن تلك الإجراءات أو الشكل الحديث لتلك المفاهيم والقيم هو الصورة التي تفرض نفسها اليوم واقعيا واجتماعيا على كافة الأمم البشرية التي دخلت الحداثة بإرادتها أو رغما عنها عبر الاستعمار.

فالتعامل مع غير المسلمين باعتبارهم ذميين في السياق الحديث، وتجريدهم، وكذلك المرأة، من الحقوق السياسية، أدَّى إلى موقف إسلامي سلبي تجاه مسألة المواطنة.

لقد رفض الإسلاميون الحضارة الغربية، ورفضوا معها تلك المفاهيم، وحاولوا في المقابل أن يستنهضوا المدونة التراثية للإجابة عن تساؤلات حديثة لم توضع تلك المدونة للإجابة عنها. فالتعامل مع غير المسلمين باعتبارهم ذميين في السياق الحديث، وتجريدهم بالتالي من الحق في الولايات، أي من الكثير من الحقوق السياسية إحدى المكوِّنات الأساسية للمواطنة، مع خلاف إسلامي-إسلامي في تحديد ما هي تلك الولايات بالضبط، كذلك الحال بالنسبة للمرأة، أدَّى إلى موقف إسلامي شديد السلبية تجاه مسألة المواطنة. كما أن عدم الاعتراف بالأبعاد التاريخية والجغرافية للشعوب العربية المختلفة، في سبيل السخط على التقسيم الاستعماري للدول العربية، لم يؤسس لوحدة بديلة في الحقيقة، بقدر ما صبَّ في صالح عجز الإسلاميين عن الإسهام في بناء دول وأمم عربية متماسكة قادرة على امتلاك قرارها وتحقيق التعاون والوحدة المثمرين.

وفي الحقيقة، فإن ما يسبق ويلي كل ذلك، هو أن تلك المواقف من الإسلاميين قد جعلت نموذجهم الحضاري في مرتبة أدنى كثيرا إنسانيا من النموذج الغربي الذي لطالما وجهوا إليه سهام النقد. فبين نموذج يتيح التعددية الثقافية، ولا يسمح للدولة بالتغول عليها أو على المساحة الشخصية للفرد وحقوقه المدنية والسياسية، ونموذج يفرز الأفراد سياسيا على أساس معتقدهم الديني، وينظر إلى الحريات بريبة كبيرة، من الطبيعي أن تلجأ البشرية إلى النموذج الأول. كما أن الولع بتلك الأبعاد الثقافية، ومعالجتها بخفة، قد صرف الإسلاميين عن قضايا راهنة كالحقوق الاجتماعية للمواطنة، والتي يعاني الفرد العربي من غيابها.

بل أكثر من ذلك، فقد نظر كثير من الإسلاميين إلى محاولات إعادة قراءة التراث الإسلامي قراءة عصرية باعتبارها محاولات استسلامية أمام الحضارة الغربية ونموذجها، دون البحث في دوافع تلك المحاولات ورهاناتها (اقرأ:تيار الوسطية: نصف قرن من البحث عن الذات). والواقع، أن قدرا كبيرا من الرفض قد ارتبط بهاجس إسلامي محافظ تقليدي من كون مواطنة واسعة قد تسهم في تفكيك الثقافة الجامعة المميزة للأمة، والتي تلقي كذلك بطابعها على الدولة. والواقع، أن هذا الهاجس يستحق الالتفات إليه في حال ما إذا طرحت المواطنة باعتبارها أيديولوجيا تعادي القومية أو الثقافة الجامعة؛ الأمر الذي قد يهدد وحدة وتماسك الأمة والدولة. غير أن المواطنة كمسألة حقوقية لا تعني واقعيا أكثر من قيمة ذات بعد قانوني على الصعيد الداخلي، لا أيديولوجية دولة. وهنا يبرز الدور الذي قد تلعبه الأقليات في دفاعها عن حقها في المواطنة، لا عبر المظلومية، بل عبر تأكيد انتمائها للأمة السياسية وثقافتها.


إن ما يلفتنا إليه فوز مرشح مسلم ذي أصول هندية في إنجلترا، ومن قبله مرشح أسود في أمريكا، أنه وعلى الرغم من كل ما احتاجا إليه برجماتيا للتأثير في الجماهير من تبني آراء معينة واستبعاد أخرى، فقد استطاع أفراد لا ينتمون إلى الأغلبية الدينية أو الثقافية أو العرقية، الحصول على حقوقهم المواطنية كاملة دون إخلال بمجرد التزامهم في المقابل بواجباتهم القانونية دون اشتراط تنازلهم عن أي من شئونهم الثقافية أو الهوياتية. وهو الأمر الذي يبرز كذلك في الالتزام بالتجنيس القانوني دون شروط، في مقابل التصور العربي والإسلامي عن الجنسية باعتبارها إيمانا كاملا بشروط ثقافية محددة، وإعلان ولاء مبدئي وأحادي للدولة، وخروج من القناعات الفردية بشكل كامل للانغماس في أمة متجانسة بشكل كامل لا تعرف الاختلافات.