يحلو للبعض أن يطلق على الحكومات التركية ذات الاتجاه الإسلامي في العقد الأخير مسمى «العثمانيين الجدد»؛ بدعوى سعيهم لإحياء أمجاد الدولة العثمانية، وهي تسمية تحمل اتهاما وتحريضا أكثر من كونها توصيفا صحفيا غير دقيق تاريخيا.

أما كونها تسمية تحريضية فلأن الموروث الثقافي الراسخ في أذهان الأجيال الأوروبية هو الكراهية الشديدة للدولة العثمانية التي كسرت الكبرياء الغربي بتحويل موقف الشرق من الدفاع إلى الهجوم، بالإضافة إلى العداء الديني الذي ترسخ أكثر بعد فتح القسطنطينية عاصمة أكبر وآخر إمبراطورية مسيحية ذات قداسة تاريخية.

بل إن ذات الموروث من الكراهية –وإن كان بشكل أقل شمولية وتعصبا- موجود أيضا لدى قطاعات غير قليلة في البلدان العربية ، جراء فترات التدهور التي عاشتها الدولة العثمانية وعانى خلالها كل مواطني الدولة في كل ولاياتها، وأيضا جراء موقف مقتبس غير مدروس حول تاريخ وحضارة الدولة العثمانية التي ألصقنا بها كل أسباب التدهور ولم نر لها أي أثر للتحضر.

هذا الموقف اتخذه معظم المستشرقين وتلامذتهم المستغربين، في ظل صمت مطبق من تركيا الكمالية التي لم تكن تقل عداوة للعثمانيين عن أوروبا والعرب، قبل أن تنفتح الدراسات على كنوز الأرشيف العثماني ليبدأ البعض في تعديل مواقفهم والتخفيف من تعصبهم.

وثمة سبب آخر للحالة التحريضية ضد العثمانيين الجدد، بل هو رعب يتجدد من التلميحات والتفسيرات الطوباوية للإسلاميين العرب حول «الخلافة» وإحيائها في الألفية الثالثة في نسختها التركية الأردوغانية العثمانية الجديدة.

بداية لابد من الإشارة إلى أن مسمى «العثمانيون الجدد» خاطئ تماما في إطلاقه على ذوي الاتجاه الإسلامي التركي الساعي –في تصورنا- إلى إحياء دور دولة الخلافة العثمانية؛ لأن هذا المسمى هو مصطلح تاريخي عثماني أطلق على أعضاء جمعية «تركيا الفتاة» أو ما سمي فيما بعد «الاتحاد والترق»، ومعظمهم من العسكريين المعارضين لحكم السلطان عبد الحميد الثاني «1876-1909»، بل وللاتجاه الإسلامي في الحكم.

وقد نشأت هذه الجمعية –كما هو معلوم- بشكل سري في إستانبول سنة 1865م، وحملت العديد من الأسماء مثل «الشبيبة العثمانية»، «جون تورك»، وكان أحد أبرز أهدافها هو إقامة حكم مشروطي؛ أي إعلان دستور عثماني وحياة نيابية على النسق الأوروبي.

وأعضاء الجمعية كلهم ممن تربوا في المدارس العلمانية التي أنشئت بعد التنظيمات، أو ممن أرسلوا في بعثات تعليمية إلى دول أوروبا –خاصة إلى فرنسا وإنجلترا- وعادوا محملين بثقافتها، مبهورين بنظمها، ويرددون مبادئ الثورة الفرنسية: الحرية – الإخاء – المساواة.

وقد اتخذت لنفسها برنامجا على غرار جمعية الكاربوناري الإيطالية، وسرعان ما كثر أعضاؤها حتى سيطر حزبها «الاتحاد والترقي» على الحكم في الدولة في الفترة من 1908 إلى 1918م، بعد نجاحه في الانقلاب العسكري على السلطان عبد الحميد الثاني، ويصادفنا هنا أحد الأعمال الأدبية باسم «العثمانيون الجدد» وصاحبه هو «أبو الضيا بك 1849-1913م» وهو واحد من رجال الدولة وأدبائها وصاحب المطبعة الشهيرة.

ولعل الاسم المناسب أكثر من حيث الواقع التاريخي والتوجه الفكري هو أن نسميهم «الحميديون الجدد» نسبة إلى السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين الكبار وصاحب المشروع الأيديولوجي السياسي «الجامعة الإسلامية»، الذي أراد من خلاله أن يجمع مسلمي العالم كله حول راية واحدة تحت مظلة الخلافة، وهو ما أثار رعبا حقيقيا في الأوساط السياسية والدبلوماسية الأوربية، رغم ما كانت تعانيه الدولة العثمانية من ضعف.


مستقبل الإسلام وسلفية «سكاون بلنت»

السلطان عبد الحميد الثاني

المدهش في المسألة أن الدبلوماسي والنبيل ورجل الدولة والرحالة الإنجليزي الشهير «سكاون بلنت» ناقش مسألة الخلافة هذه من عدة اتجاهات ليفندها وينفي مشروعيتها عن العثمانيين، ويبدو أنه جمع كل اعتراضات الكارهين لعودة الخلافة -الآن في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين- وحشدها في كتابه «مستقبل الإسلام»[1].

ولا نقول إنهم هم الذين يرددون آراءه؛ لأن بعضهم يعترض أساسا على كون الدولة العثمانية دولة خلافة، لأسباب بعضها موضوعي وفقهي يقبل الجدل، وهو أن «الأئمة من قريش»، ولأسباب غير موضوعية لها جذور من الخلافات السياسية التي تدعمها اختلافات مذهبية –وليس العكس- وهو ميل العثمانيين إلى التصوف، والذي اعتبرته السلفية النجدية أن العثمانيين «أصحاب بدعة» وأنهم «قبوريون»، وفي المقابل اعتبرهم العثمانيون أصحاب مذهب متعصب ومخالف للمذاهب الإسلامية، وأطلقوا عليهم مسمى «الوهابيين».

أما «الانكشاريون الجدد» فهو الاسم الأليق بجنرالات الاتحاد والترقي الذين دبروا حادثة 31 مارس أو «الحادثة الارتجاعية» وأوهموا الشعب أن السلطان أراد التراجع عن الدستور الذي أعلن عنه منذ عام واحد فقط، والعودة عن الحكم النيابي.

هذه الحادثة المدبرة أو «التمثيلية» التي قام بها رجال الاتحاد والترقي كانت عبارة عن أحداث تمرد قام بها بعض الجنود ضد ضباطهم الذين يقومون بتصرفات منافية للشريعة الإسلامية، وطالبوا بإبعاد بقية الضباط التابعين للاتحاد والترقي عن مناصب الدولة وعن الجيش، وعلى الفور كانت هذه الأحداث ذريعة قوية لأن تتقدم كتائب الجيش التابعة لهم من قاعدتهم «سلانيك» وتنضم إليها أيضا قوات غير نظامية من رجال العصابات المسلحة غير الأتراك «اليونانيين–الصربيين– البلغاريين».


الانكشاريون الجدد

جاء جيش الحركة إلى إستانبول بقيادة «محمود شوكت باشا»، واستطاع السيطرة على العاصمة بعد أن رفض السلطان السماح لجيشه النظامي بمواجهة هذه الكتائب حقنا للدماء، واجتمع مجلس المبعوثين ليتخذ قراره، ثم يجبر شيخ الإسلام على إصدار فتوى خلع السلطان.

جدير بالذكر أن الوفد الذي أبلغ السلطان بقرار خلعه كان على رأسه اليهودي «إيمانويل قراصو» عضو مجلس المبعوثين ورئيس المحفل الماسوني في «سلانيك»، أما جيش الحركة فكان قائده محمود شوكت باشا، وأركان حربه هما الضابطان عزيز علي المصري ومصطفى كمال «أتاتورك».

بعدها سيطر الجنرالات الثلاثة «أنور– طلعت– جمال» على مقاليد الحكم، وصار نظام الحكم في الدولة بمثابة ملكية دستورية، والسلطان فيها مجرد رمز «يملك ولا يحكم».

وبعد الفشل الذريع الذي أصاب حكومات الثلاثي (أنور– طلعت–جمال) في كل تحركاتهم، وبعد تأرجح أيديولوجيتهم بين الإسلامية والدستورية والطورانية والاستبدادية، انكشفت الخديعة الكبرى التي راح ضحيتها الوطنيون الذين عارضوا الحكم المركزي للسلطان عبد الحميد، ولهثوا وراء المشروطية، عندما اكتشفوا أنهم تخلصوا من حاكم فرد ليأتوا بدلا منه بكتائب من الانكشارية الجدد في زيهم الأوروبي وفكرهم العلماني وأيديولوجيتهم الماسونية ونهمهم للسلطة والنفوذ والمال.

ورغم أن الانكشارية كانوا قديما إحدى الدعائم الرئيسة في بناء صرح الدولة العثمانية وامتداد فتوحاتها وسعة رقعتها وسبب هيبتها في نفوس جيرانها، بل كان نظامها العسكري الصارم في برامجه التربوية والتعليمية والتدريبية هو الرافد الأساسي لإمداد الدولة بكوادر قادرة على إدارتها وحفظ كيانها والرقي بمستقبلها وتقديم نموذج راقٍ للأجيال القادمة؛ إلا أن انحلال هذا النظام ودبيب الفساد في أرجائه كان سببا أساسيا في تدهور الدولة وتعرضها كثيرا لخطر الزوال.

وربما استغرقت محاولات إصلاح الانكشارية أو التخلص منهم نحو قرن من الزمان، لكن الفساد الناتج عنهم قد تسرب إلى كافة مناحي الحياة في الدولة، بالإضافة إلى ما كانت تعانيه من عوامل ضعف، وتحديات داخلية وخارجية.

وكما كانت القوات الانكشارية هي ذروة سنام الأمر في الدولة العثمانية بجهادهم، كانوا أيضا هم دابة الأرض التي أكلت منسأة سليمان –عليه السلام- فاكتشف الناس موته، الذي حدث بالفعل منذ قليل.

لم تكن الوقعة الخيرية «14 يونيو 1826م» وإلغاء الانكشارية والقضاء على ما تبقى من متمرديهم هو النهاية، بل إن «العساكر المنصورة المحمدية» والجيش الجديد أيضا ولد من رحم الفساد ، فإذا كان فساد الانكشارية جاء من تراخي نظامهم التربوي والإداري والتعليمي فإن طلاب المدارس العسكرية –وهم ضباط الجيش وقواده- كانوا المسرح الرئيسي الذي مورست عليه الأفكار الوافدة.

ثم تشبع روادهم بهذه الأفكار والممارسات من منابعها عن تلقيهم العلم والفكر ومبادئ الثورة – دون تصدير- من أكثر الدول عداء ومكرا للدولة العثمانية، فرنسا وإنجلترا . وقبل ذلك كله كان التسامح المفرط غير المبرر من الدولة العثمانية في احتضان يهود الدونمة، وما بثه الرعايا اليهود من مؤامرات الماسونية.


الحصان الأسود

لم تكن أيضا نهاية الاتحاد والترقي بفرار زعمائه عقب الهزيمة المروعة في الحرب العالمية الأولى ودخول الحلفاء إلى عاصمة الخلافة الإسلامية، ثم اغتيال هؤلاء الثلاثة على أيدي شباب العصابات الأرمنية – جراء الاتهامات العدائية الرائجة ضدهم والمتعلقة بقرار تهجير الأرمن والذي اعتبروه إبادة جماعية.

جاء أتاتورك إلى سدة الحكم بأسلوب «الحصان الأسود» أو ذلك الفارس الذي لا يعرفه أحد ولا يتوقع بطولته أحد، وسرعان ما يمتلك أتاتورك المزيد من الشهرة والثقة والقوة فيعلن الجمهورية من أنقرة، ثم يتخذ قرارات أشد جرأة وقوة في تبديل هوية الدولة، ليقوم بإلغاء السلطنة -أول نوفمبر/تشرين الثاني 1922- ، ثم إلغاء الخلافة (3 مارس/آذار 1924)[*].

مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية وأول رئيس لها

ثم المزيد من القرارات الانقلابية، ليس أولها إلغاء أحكام الشريعة وقوانينها، وليس آخرها إلغاء الحروف العربية ومفرداتها أو ما عرف في التاريخ التركي الحديث باسم الانقلاب الحرفي 1928 ثم الانقلاب اللغوي 1932، مرورا بإدانة الدولة العثمانية وموروثاتها وتاريخ سلاطينها، وعدم التعامل بالدين واستبداله العلمانية بالإسلام[2].

كانت هذه الإجراءات والقرارات المصيرية –التي حاولت إلغاء الهوية– قد قوبلت بمعارضة شعبية وكذلك من لدن بعض رجال الدولة من أنصار ومعاوني أتاتورك، لكنه سرعان ما تخلص من معارضيه وفرض قوانينه عبر إجراءات قمعية[3].


الأغوات.. وجزاء سنمار

مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية وأول رئيس لها

ولعل هذه الإجراءات التي تمثل عبثا غير مسبوق في مصير هوية الشعب تستدعي من ذاكرة التاريخ العثماني ما عرف بـ «دور الأغوات»؛ أي عصر رؤساء الانكشارية الذين تلاعبوا بمصير السلطنة في تولية وعزل وإعادة تنصيب وإعدام السلاطين، فشهد منتصف القرن السابع عشر –وفترات أخرى- المزيد من المواجهات بين القوى داخل السراي والدولة والجيش العثماني.

وفي خضم أحداث «دور الأغوات» وانتظار البطل المخلص القادم من الأناضول لينقذ العاصمة – كما ادعى جيش الحركة أيضا في خطابه – يجدد السلطان محمد السادس وحيد الدين «1918-1922 آخر سلاطين العثمانيين» ذلك الموقف التاريخي، فبعد احتلال الحلفاء للعاصمة وعقد «هدنة موندروس»، أراد السلطان مغادرة إسلامبول إلى سامسون ليقود حركة المقاومة بنفسه من هناك لإخراج القوات المحتلة وتحرير البلاد.

لكن استقر رأي كبار رجال الدولة حينئذ على المناورة، ووضع الثقة في مصطفى كمال «أتاتورك» حيث يعلن السلطان موقفه المناهض لحركات المقاومة ليجنب الدولة والعاصمة انتقام القوات الغازية والإنجليز تحديدا، ثم يدعم مصطفى كمال بالمال والسلاح والرجال والفرمانات السرية التي توحد معه كل حركات المقاومة.

وقد كان؛ إذ قام الأتراك بملحمة شعبية في المقاومة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن ثمرات التضحية والنصر ما كان ليتركها رجل الحرب والسلاح ، حيث اتهم السلطان بلخيانة العظمى ونفى كل آل عثمان خارج حدود تركيا لسنوات طويلة، وبقي السلطان الأخير متهما بالخيانة.

وقد قام الأديب الكبير «نجيب فاضل قيصه كورك» بنشر كتابه «وحيد الدين» ليكتب فيه الحقيقة كاملة، بشهادات كبار الضباط الموالين والمعاصرين لأتاتورك، ويبرئ ساحة السلطان المظلوم وأسرته[4]، وليضع تهمة جديدة في لائحة الاتهامات الموجهة إلى الانكشارية المتعصرنين في الزي الأوروبي والقبعة العلمانية، بسيف لا يقتل إلا الفكر، ولا يبتر إلا الوعي.


* إن تغيير نظام الحكم والمجتمع من الدولة العثمانية إلى دولة تركيا الجمهورية قد حدث بشكل حاسم على يد مصطفى كمال أتاتورك ، و لم يكن هذا التغيير في الدولة مفاجئًا ؛ بل كان أتاتورك آخر حلقة فيه . لقد كان لأتاتورك المثقف أفكاره وثقافته التي كونته ، وبالتالي كونت الجمهورية التركية . انظر ، محمد حرب : المثقفون والسلطة .. تركيا نموذجا ، دار البشير ، القاهرة ، 2017م .
المراجع
  1. سكاون بلنت : مستقبل الإسلام ، ترجمة وتقديم : صبري محمد حسن، دار الجمهورية، القاهرة، 2010م.
  2. غازي مصطفى كمال : نطق ، أنقرة ، 1927 ، صفحات : 405 ، 507 – 510 ، 609 – 611 ، 494 ، 495، 514 ، 508 . 504 . 508.، نقلا عن : ماجدة مخلوف (تقديم وترجمة وتعليق) : الخلافة في خطاب أتاتورك ، مركز بحوث آسيا ، جامعة الزقازيق ، 2001م ؛ وانظر أيضا :
  3. أحمد نوري النعيمي : تركيا بين الموروث الإسلامي والاتجاه العلماني ، دار زهران للنشر والتوزيع، الأردن، 2011م ؛ السيد حسين عثمان الطنوبي : الحركة الكمالية والعلمانية في تركيا 1918 – 1930 ، رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية الآداب ، جامعة الإسكندرية ، 1982.
  4. نعمة موسى جبلي : السلطان محمد وحيد الدين من خلال المصادر التركية .. مع ترجمة كتاب "وحيد الدين" لنجيب فاضل قيصه كورك ، رسالة ماجستير نوقشت في كلية الآداب جامعة عين شمس ، 2011م .