الكل يبحث عن الخلود، لكن في كثير من الأحيان يتحول الأمر إلى لعنة، وقد عرف تايثونس حقيقة ذلك، فقد أحبته إيوس، إله الفجر عند الإغريق، وطلبت من زيوس كبير الآلهة منح حبيبها تايثونس الخلود، كي يبقيا معًا للأبد، وقبل زيوس طلب إيوس، فقد منح تايثونس الخلود لكن لم يمنحه الشباب، فشاخ تايثونس وخسر جماله وقدراته التي أحببته إيوس لها، فحبسته في غرفةً بقي يكلم فيها نفسه إلى الأبد.

ربما تكون هذه مجرد قصة، لكن في كثير من الأحيان تكون الحقيقة أغرب من القصص. فكثير من الكائنات الحية يعتبر خالدًا فعلًا، لكن بعكس تياثنوس بعضها يبقى فتيًا إلى الأبد.


الأشجار الخالدة

http://gty.im/76889493

الخلود يعني تجنب الموت تمامًا، وفعلًا هناك بعض العضيّات التي تمتلك هذه الخاصية. نعم، ربما يمكن أن تموت بسبب مرض أو التهامها من مفترس أو بسبب تغيّر مناخي هائل، لكن بعكس البشر، لا تموت هذه العضيّات بمجرد تقدمها في السن. إذًا هذه الكائنات الخالدة بيولوجيًا تموت فعلًا، لكنها لا تشيخ، تمامًا بشكلٍ معاكس لتيثانوس.

أحد هذه الكائنات هو أشجار الصنوبر البريستليكوني، فبعض هذه الأشجار قديم فعلًا، بعمر يصل ببعضها إلى 5000 سنة، أي في نفس الوقت الذي تم فيها بناء مدينة تروي في تركيا، ولم تكن السنين لطيفةً مع هذه الأشجار فعلًا، فقد تعرضت للبرق والثلج وتكسرت أغصانها خلال تلك السنوات اللا نهائية.

وهذا يعني أنّ هذه الأشجار تبدو فعلًا كبيرةً في العمر، لكن عندما تنظر إليها بقرب فتلك قصة أخرى مختلفة تمامًا. في 2001 تم نشر دراسة تقارن بين بذور وحبوب الطلع في أشجار الصنوبر البريستليكوني التي تصل أعمارها إلى 4700 سنة، ولم يجدوا أيّ تغيّر فيها خلال عمر الشجرة، بل إنّ النسيج الوعائي لها يعمل بشكلٍ مماثل في الأشجار كبيرة العمر كما في الأشجار الصغيرة.

ورغم أنّ الأشجار المُعمرة استهلكها سوء الجو وقسوة الطبيعة خلال تلك الفترة الطويلة من حياتها، إلا أنّها ما تزال فتيّة على الجانب الخلوي، ولم تدفع نسج تلك الخلايا فاتورة العمر المديد. لا أحد يعرف كيف تقوم تلك الأشجار بذلك، فتعميرهم الطويل هذا لم يُدرس كما ينبغي. لكن يعتقد بعض الباحثين أنها ميزة خاصة للخلايا الإنشائية (غير متمايزة) في هذه الأشجار.

هذه الخلايا تتواجد في جذور الشجرة وتعتبر أصلًا للخلايا الجذعية، التي تولد نمو الشجرة المستمر، ومن ذلك يبدو أنّ هذه الخلايا تبقى نشيطة وفتيّة لمدة طويلة. ومثل كل الخلايا الأخرى، تحدث الطفرات في هذه الخلايا، لكن تبقى الخلايا غير المتطفرة هي الأكثر؛ تنمو بشكل أكبر وأسرع لإصلاح الأخطاء التي تحصل أثناء النمو.

احتمال آخر هو وجود جزء في النسيج الإنشائي من الخلايا يسمى المركز الهامد. في هذا المركز تنقسم الخلايا بسرعة أبطأ، وهذا بدوره يفيد في خفض عدد الطفرات الخطرة أثناء الانقسامات، وبقاء هذا المركز يضمن بقاء نسخة صافية من الجينوم بدون أي طفرات لمدة طويلة جدًا. لكن رغم وجود هذا المركز، فإنّ هذه الحيلة ليست مفيدةً لكل النباتات الأخرى، لأنها تعيش وتموت بسرعةً كبيرةً أيضًا.

فقد تقوم موجة من الشيخوخة بكبح عمل النسيج الإنشائي بطريقة أخرى، فالخلايا والأعضاء النباتية تشيخ وتنقسم بسرعةً كبيرة، أكبر من السرعة التي يستطيع بها النسيج الإنشائي تعويض النقص الناتج. أما الأشجار والنباتات المعمرة، فهي تعيش باتزان أبطأ بكثير.


مينغ، الأكبر عمرًا

صورة لمينغ، الحيوان الأكبر عمرًا، 507 عاما كان عمره عند اصطياده في 2006

أما بالنسبة للحيوانات، فتلك قصة أخرى، فمعظمها لا يستطيع العيش أكثر من قرن قبل موته، لكن طبعًا يوجد استثناءات، كالحيوانات التي تعيش بشكل مستعمرات مثل الشعب المرجانية التي تعيش لمدة 4000 سنة، لكن الشعب المرجانية المفردة تعيش لسنوات فقط.

أقدم الكائنات الحيوانية المعروفة هو أحد الرخويات المعروف بمينغ، والذي وصل عمره إلى 507 سنوات قبل أن يموت عندما وجده البيولوجيون في آيسلاندا في 2006. لقد مات مينغ، لكن ربما كان خالدًا بيولوجيًا – مثل أشجار الصنوبر السابقة – ففي كثير من الخلايا الحيوانية، تقوم الجزيئات التي تحوي الأوكسجين بالتفاعل مع الأغشية مسببة ظهور جزيئات صغيرة تؤدي إلى إيذاء الأجزاء الأخرى من الخلية.

ومرة أخرى، أظهرت دراسة في 2012 أنّ بعض الخلايا تملك أغشية تستطيع تحمل هذا الضرر وتقاومه، وربما هذه كانت حالة مينغ، أي أنّ خلاياه عاشت مدةً أطول كشجر الصنوبر البريستليكوني. مينغ هو أكبر الحيوانات عمرًا حتى الآن، وبما أنّه محار فيستطيع العلماء عدّ خطوط النمو على محارته، كما يقوم علماء الأشجار بحساب عمر الأشجار بعد الحلقات النمو على جذعها.وبما أن معظم الحيوانات لا تحمل مثل هذه الخطوط على جسمها، فربما يوجد ما هو أقدم من مينغ، لكننا لم نعرفه حتى الآن.

http://gty.im/138597864

على سبيل المثال، الهيدرا، وهي حيوان صغير الحجم، بسيط التكوين، قريب لقنديل البحر، ومعظم الحيوانات الصغيرة كالهيدرا لا تعيش كتلك الكبيرة فهي تموت بصورةٍ أسرع، لكن بشكل مفاجئ استطاع أحد العلماء أن يُبقي أحد الحيوانات حيًا لأربع سنوات. بل إن الأكثر عجبًا هو أنّ هذه الهيدرا بقيت فتيّة كاليوم الأول من التجربة، وربما يجعلها هذا خالدةً حيويًا أيضًا.

مرةً أخرى يعود السر إلى الخلايا الجذعية، فهيدرا تحمل كمية كبيرةً من هذه الخلايا في جسمها الصغير، وكلها بقدرة كبيرة، فهي تستطيع إعادة إنماء أقسام كبيرة من جسم الهيدرا بعد خسارتها.

تستطيع الهيدرا بواسطة قواها التجديدية أنّ تقوم بحيلة أكثر خطورة، التكاثر. تتكاثر الهيدرا بالانقسام، فهي لا تتكاثر جنسيًا، بل تقوم بإنماء نسخ أخرى من نفسها. فهي تستخدم ثلاثة أنواع من الخلايا الجذعية لإنتاج جميع الأنسجة التي تشكل الحيوان الكامل، وتشترك تلك الأنواع الثلاث بشيء واحد: بروتين FoxO، وربما يكون هو المفتاح الأساسي في حرب الهيدرا ضد الشيخوخة، لكن كيفية حدوث ذلك غير معروفة حقًا.

لكن كل ما نعرفه أنّها تعمل كمحرر في الخلايا، تقوم بحساب التكامل بين الإشارات الخلوية المختلفة وربما حتى بعض الإشارات التي تتلقاها من المحيط الخارج الخلوي. ربما تكون FoxO آلية شاملة تعمل ضد الشيخوخة عبر المملكة الحيوانية كاملةً، وحتى البشر يحمل بعض النسخ منها، وهي موجودة في الأشخاص الذين يحتلفون بعيد ميلادهم المائة.

لكن حتى البشر ذوي الـ 100 عام ليسوا خالدين بيولوجيًا، على الأقل ليس كما في الهيدرا. لكن أيضًا فإن قناديل البحر ليست خالدةً كما الهيدرا، ولنعرف الفرق علينا أن نعرف القليل عن هذه القناديل. عندما تلتقي النطاف والبيوض في قنديل البحر، فإنّها تشكل يرقات صغيرة، ولكنها لا تكبر ببساطة إلى قنديل بحر بالغ، بل ترتمي على حافة قاسية لتصبح كائنًا رخويَّ الجسم مشابه للبوليب.

في معظم الأحيان تنتج هذه البوليبات نسخًا أخرى من نفسها، مثل الهيدرا، لكن في بعض الأنواع فإنّ البوليب يتطور لشيء آخر، فهي تطور ذكر أو أنثى قنديل البحر، الذي ينمو لقنديل بالغ ويقوم بإنتاج نطاف أو بيوض للتكاثر مرةً أخرى.


من قنديل إلى بوليب

خلود حيوانات مينغ

معظم قناديل البحر تستطيع عكس السلسلة التكاثرية في مرحلةً لكن يتوقف ذلك عند وصولها لمرحلة البلوغ الجنسي، هناك لا يمكن عكس الساعة مرةً أخرى، لكن في حالة القنديل الخالد بيولوجيًا، فهذه الساعة تعود للوراء مجددًا، أي يستطيع القنديل النشيط جنسيًا أن يعود إلى حالة البوليب الفتي مرةً أخرى.

ومثل جميع الكائنات الخالدة بيولوجيًا، فإنّ هذه الحيلة لم تكتشف آليتها حقًا حتى الآن، ولكن يبدو أنها تتضمن نسخة معقدة من العملية المسماة «التحول» أو «الانسلاخ» وهي العملية التي تتحول في الدودة إلى فراشة بالغة.

لا تشبه القناديل البحرية الحيوانات الأخرى، ولذلك يبدو انشطارها وتكوينها لنسخ من نفسها وخلودها غريبًا لنا. وربما ترتبط هاتان الخاصتان معًا، فربما تلعب الخلايا الجذعية دورًا كبيرًا في خلود الحيوان، ولذلك لا بد لمخزون كبيرٍ منها ليكون الحيوان خالدًا. ولكن على الوجه الآخر لهذه العملة، فإنّ عملية تكاثرية مبنية على التكاثر الجنسي ستصبح طريقًا نحو الموت المبكر بخسارة هذه الخلايا متعددة القدرات.

لكن حتى الحيوانات التي تتكاثر جنسيًا تستطيع أن تكون خالدةً بيولوجيًا، مثل سرطان البحر الأمريكي. فمعظم الحيوانات تتوقف عن النمو عند وصولها للبلوغ الجنسي، لكن ليس الأمر كذلك بالنسبة لسرطان البحر الأمريكي، فهو يستطيع أن يعيد إنماء أطرافه عند خساراتها أيضًا! وربما تعود فترة الحياة الطويلة لهذه السرطانات بسبب طريقة عمل الحمض النووي الخاص بها. تحمل الصبغيات الطويلة في الخلايا الحيوانية قطعًا خاصةً تسمى التيلوميرات، وتساهم تلك التيلوميرات في حماية الحمض النووي.

عندما تنقسم الخلايا، فإن هذه التيلومرات تقصر شيئًا فشيئا، لأن عملية النسخ لا تصل إلى نهاية الصبغي نفسه، وكلما قصرت التيلومرات، تقصر مدة الحياة، لكن سرطان البحر الأمريكي يؤخر ذلك بواسطة إنزيم التيلوميراز الذي يحافظ على طول قطعة التيلومير، وحسب دراسة أجريت في 1998 فإنّ هذا الإنزيم موجود في جميع أعضاء السرطان، مما يبيقيه فتيًا، أيّ في النهاية، لا يشيخ سرطان البحر بالطريقة العادية التي نشيخ بها، لذلك فهو خالد بيولوجيًا.

للوهلة الأولى تبدو هذه الحيلة مناسبة لأي عضيّة خلوية لتأخير الشيخوخة، لكن لا يوجد دليل قوي على استخدام هذه الخدعة من قبل النباتات الخالدة أو الحيوانات المعمرة مثل قنديل البحر.

بالتأكيد تحمل الثدييات إنزيم التيلوميراز، وهو فعال في خلايا HeLa في البشر، الخلايا البشرية المكتشفة أولًا في مجال الخلود. لكن في هذه الحالة للأسف، فإن الأخبار سيئة للغاية. سميت هذه الخلايا على اسم هينريتا لاكس، التي توفيت جراء سرطان عنق الرحم في 1951، ويبدو أن إنزيم التيلوميراز ساعد السرطان على النمو والانتشار. لكن ليست الخلايا السرطانية هي الخلايا الخالدة الوحيدة فقط في البشر، فالخلايا الإنتاشية (التي تعطي الخلايا الجنسية) هي خالدة أيضًا، وهي التي تعطينا الأطفال، لكن هل كل الأطفال صغار العمر؟ ليس الأمر كذلك بالنسبة للنعجة دولي.

استنسخت دولي من خلايا غدد الثدي الخاص بالنعجة، وهي ليست كالخلايا الإنتاشية، خالدة، فلذلك ولدت دولي مسنةً، فقد كانت التيلوميرات في خلاياها قصيرةً بالفعل وقد شاخت بسرعةً كبيرة، ثم اضطر العلماء لإنهاء حياتها بسبب مرض في الرئتين بعد وصولها سن السادسة.

وللأسف نحن لا نعرف كيفية إعادة الساعة للوراء في خلايانا الإنتاشية،ربما تكون أنزيمات التيلوميراز عاملًا هامًا، لكنها ليست الوحيدة، وهذا يعني أننا بعيدون جدًا عن معرفة الطريقة التي نعيد فيها الخلايا للوراء. لكن بالرغم من موتنا القادم باستمرار، وشيخوختنا المستمرة في التطور، إلا أن الميزة الخاصة بخلايانا الإنتاشية تسمح لنا، بطريقة أو بأخرى، أنّ نبقى خالدين عن طريق ذريتنا.

المراجع
  1. The Animals and Plants that can live for ever