شارع علي مبارك وسط مدينة طنطا عاصمة محافظة الغربية القابعة في وسط الدلتا، تجمعات من مسيحيي محافظة الغربية متجهين إلى كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس المتواجدة في الشارع للاحتفال بـ«أحد الشعانين» والصلاة في الكنيسة كواحد من أهم الطقوس الدينية في الأحد السابع من الصوم الكبير، الأطفال يلبسون الثياب الجديدة وبيدهم الزعف احتفالًا بدخول المسيح إلى القدس ملكًا، كما استقبله أهالي القدس وقتها راكبًا على حمار تحقيقًا لنبوءةة زكريا بن برخيا:

لا تخافي يا ابنة صهيون، فإن ملكك قادمٌ إليك راكبًا على جحشِ ابن أتان
( يو 14 :12 )

توافد الجميع للدخول إلى القاعة للصلاة في حالة خشوع وفرحة وسلام لم تستمر.


صراخ وعويل بثكنة عسكرية

طنطا بعد الحادث (مصدر الصورة: عمرو موافي)

لم يلبث المحتفلون بالعيد كثيرًا، حتى انقلبت كل مظاهر الفرحة والعيد فجأة إلى صراخ وعويل، وتتحول التجمعات من الاحتفالات في الكنائس إلى تجمعات أمام المشارح والمستشفيات، ففي الساعة التاسعة وخمس دقائق بحسب شهود العيان كان الجميع على موعد مع الفاجعة، انفجار كبير يهز أرجاء مدينة طنطا، الجميع يتسارع لمعرفة ما حدث ليكتشفوا أن مصدر الانفجار هو الكنيسة، سكتت الترانيم واختفت ضحكات الأطفال، صمت رهيب مترقب يسيطر على الجميع ممزوج برائحة الدم الذي اختلط بمقاعد المصلين وزعف الاحتفال.

تجمعات من أهالي المدينة حول الكنيسة التي شهدت الانفجار ومستشفيات (طوارئ الجامعة، والأمريكي، والمنشاوي) التي خصصتها وزارة الصحة لاستقبال المصابين، أعلنت وزارة الصحة رسميًا وفاة 27 شخصًا وإصابة 78 آخرين جميعهم ممن كانوا متواجدين داخل الكنيسة للصلاة، وأعلن معهد ناصر بالقاهرة عن استقباله 10 حالات حرجة من مصابي الحادث.

تقع كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بشارع علي مبارك بوسط مدينة طنطا عاصمة محافظة الغربية القابعة بوسط دلتا مصر، في نفس الشارع تقع عدة منشآت حكومة وأمنية مهمة، فعلى بعد أمتار قليلة يقع مقر جهاز الأمني الوطني بالمحافظة وفرع البنك المركزي ومبنى الرقابة الإدارية، كما يقع مبنى المحافظة ومديرية الأمن ومصلحة الجوازات ونادي طنطا الرياضي.

وتعد المنطقة ثكنة عسكرية فكل الشوارع المحيطة به اتجاه واحد وتتواجد الشرطة في المنطقة بشكل مستمر أمام المنشآت الحكومية والكنيسة وفي دوريات أمنية مستمرة للشرطة المدنية وأفراد المباحث لإيقاف من يتم الاشتباه بهم، مما يجعل دخول قنبلة بهذا الحجم التفجيري أمرًا يستوجب الكثير والكثير من علامات الاستفهام.

تصوير عمرو موافي

تزيد علامات الاستفهام بالرجوع بالأحداث إلى تاريخ 29 مارس 2017 في ذلك اليوم أعلنت قوات الأمن بالغربية عن نجاحها في إبطال مفعول قنبلة كانت مزروعة داخل نفس الكنيسة التي حدث بها التفجير اليوم بناء على بلاغ تم تقديمه، لكن لم يتم الوضع في الحسبان أن يتم استهداف نفس الكنيسة مرة أخرى كما أخبرنا أحد أهالي المنطقة، فبعد تفكيك القنبلة انسحبت قوات الشرطة وكأن الأمر اعتيادي أن يتم تفخيخ الكنيسة قبل العيد بأيام، ولم يتم أخذ الأمر على محمل الجد من الأجهزة الأمنية، وعادت الأمور إلى طبيعتها مرة أخرى في الشارع وإزالة الحواجز الأمنية.

وعن الإجراءات الأمنية الموجودة بالكنيسة يقول أحد شهود العيان ممن كانوا موجودين قبل الحادثة، إن بوابات كشف المعادن لم تكن تعمل ووجودها كان مجرد صورة، وأن الشرطة المدنية لم تكن موجودة بالشكل الملائم بعد التهديد الذي شهدته الكنيسة منذ أيام، وأن من كانوا يقومون بتفتيش الداخلين للكنيسة هم الكشافة فقط والتواجد الأمني وصفوه بالعادي، وأن هذه الحادثة كان يمكن أن يتم تفاديها لو أخذت التهديدات على محمل الجد من الأجهزة الأمنية التي تراخت في أدائها لعملها، وأما عن أسر شهداء الحادثة فقد امتنعوا عن الإدلاء بأي تصريحات للصحافة بسبب حالة الفجأة والغضب وهستيريا البكاء التي تلازم الجميع منذ سماع خبر الحادثة.

توجه الجميع بعد التفجير مباشرة إلى المستشفيات التي انتقل إليها القتلى والمصابون من الحادث، منهم من أتى فزعًا لوجود ذويه أو أحدهم داخل الكنيسة، ولا يعرف إذا كان قد لقي مصرعه أم مصابًا، وبقية المحتشدين أتوا من أجل المساعدة في التبرع بالدم للمصابين، أما عند الكنيسة فقد تجمع عدد كبير من الأهالي والشباب المسيحيين الغاضبين مما حدث محملين الأجهزة الأمنية المسئولية التقصيرية عن الانفجار، وعند قدوم مدير أمن الغربية اللواء حسام الدين خليفة والمقال على إثر الواقعة قام المحتشدون بالاعتداء عليه وطرده من محيط الكنيسة.

قام وزير الداخلية بزيارة عاجلة لمحافظة الغربية بعد الحادثة للاطمئنان على الأوضاع الأمنية، وأثناء الزيارة قام بإقالة مدير أمن الغربية اللواء حسام الدين خليفة وعدد من القيادات الأمنية بالمحافظة وتعيين اللواء طارق حسونة مدير أمن جديد للغربية، في دليل على الاعتراف بالتقصير الأمني المتسبب في الحادث.


امتداد التفجيرات إلى شمال مصر

لم ينتهِ أحد الشعانين الحزين الدامي عند هذا الحد بل امتدت التفجيرات من وسط الدلتا لشمال مصر، حيث شهدت مدينة الإسكندرية انفجارًا مروعًا بعد حادث طنطا بساعات قليلة، فقد قام أحد المجهولين يحمل حزامًا ناسفًا بحسب تصريحات وزارة الداخلية بمحاولة دخول الكنيسة المرقسية بوسط المدينة أثناء إلقاء البابا كلمته.

وعند محاولة رجال الأمن منعه من الدخول قام بتفجير نفسه أمام الكنيسة، مما تسبب في وقوع 16 قتيلاً و47 مصابًا منهم ملازم شرطة بحسب وزارة الصحة، وبرغم تشابه حادثة طنطا مع حادث الإسكندرية، لم يقم وزير الداخلية بإجراء أي تغيير في الهيكل الأمني بالإسكندرية ولا في وزارة الداخلية نفسها.

بعد ساعات من الحادث أعلن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تبنيه لتفجيري طنطا والإسكندرية عن طريق وكالات الأنباء العالمية، لم تكن هذه أول حادثة لاستهداف المسيحيين من قبل التنظيم الإرهابي، ففي الحادي عشر من ديسمبر 2016 وقع انفجار في الكنيسة البطرسية بالعباسية بالقاهرة، راح ضحيته 29 شخصًا وأصيب 31 آخرون بسبب عبوة ناسفة تزن 12 كيلو جرامًا، بعدها قام التنظيم بإعلان مسئوليته عن الحادث وقال التنظيم إن التفجير تم بحزام ناسف ارتداه أحد أفراد التنظيم وفجر نفسه داخل الكنيسة، وأعلن التنظيم في نفس الإصدار أن العمليات ضد النصارى (على حد وصفهم) لن تتوقف وأن التنظيم يتوعدهم بأشد الوعيد.

بدأت بعدها موجة من المطالبات من ناشطين مسيحيين بتشديد الحراسات على الكنائس وخاصة في أوقات التجمعات الكبيرة والمناسبات مثل الأعياد، كما تم توجيه التهم للأجهزة الأمنية بفشل خطتهم لمكافحة الإرهاب وعدم جدواها بل وتسببها في انتشار وتوسع التنظيم الإرهابي عملياته وانضمام أفراد جدد لهم.


أين الأمن؟ سلسة من الانتهاكات ضد المسيحيين

خارج الكنيسة بطنطا بعدسة: عمرو موافي

لم تتوقف الانتهاكات بحق المسيحيين واستهدافهم من قبل التنظيم، ففي فبراير 2017 قام أفراد التنظيم باستهداف المسيحيين المقيمين بمدينة العريش بمحافظة شمال سيناء معقل التنظيم في مصر ومقر العمليات العسكرية ضده، مما تسبب في نزوح قسري للأسر المسيحيية في المدينة لمحافظة الإسماعيلية خوفًا من الذبح والاستهداف.

تعتبر أحداث اليوم هي الأشد عنفًا من نوعها والاكثر دموية، كما توعد التنظيم في إصداره بعد حادثة الكنيسة المرقسية في ديسمبر 2016، فهل فشلت الخطة الأمنية لمكافحة الإرهاب أم أن الخطط القديمة لم تعد تجدي نفعًا وعلى الدولة إعادة النظر في ملف التنظيمات الإرهابية مرة أخرى بعد انتقال المعركة من شمال سيناء إلى قلب التجمعات السكنية واستهداف المدنيين الواقعين تحت حماية الشرطة، وهل مد حالة الطوارئ هو علاج الأزمة أم على الدولة النظر في أسباب انتشار الإرهاب؟

كما يقول مينا ثابت الباحث في شئون الأقليات في مصر، إن على الدولة أن تقوم على الفور باتخاذ إجراءات أمنية جديدة وممنهجة، وأيضًا فتح الحوار مع الشباب، حيث إن من أسباب التطرف، حالة الإحباط الموجودة في أوساط الشباب، والإحساس بانعدام الحريات لدى فئة الشباب مما يجعلهم فريسة سهلة لهذه التنظيمات.

وفي ذات السياق يقول المخرج جون ميلاد، إن على الكنيسة أن تبتعد عن محاولة زجها في العملية السياسية، مما يجعلها هدفًا لكل من له صراع مع السلطة، كما شدد على ضرورة فتح المجال العام للتعبير عن الآراء لدى فئة الشباب حتى لا يتجه إلى التطرف كوسيلة للتعبير عن غضبه من الإحباطات المتكررة، وإن السياسة الأمنية الحالية أثبتت فشلها بالوقائع حاليًا، وإن أقل ما يمكن اتخاذه الآن من إجراءات، هو إقالة الحكومة أو على الأقل وزير الداخلية وجميع القيادات الأمنية.


حالة من الغضب وسط حداد الدولة

بدأ أسبوع الآلام كما يسميه المسيحيون بـ«بأحد شعانين أسود» تم الإعلان في نهايته عن حداد لمدة ثلاثة أيام على أرواح الشهداء الذين سقطوا، وبلغ مجموعهم 52 قتيلاً بين أطفال وسيدات وشباب وذلك قبل أيام من زيارة البابا فرانسيس بابا الفاتيكان لمصر والذي خرج اليوم في عظته بخطاب تعزية للمصريين وللبابا تواضروس وقام بالصلاة من أجل مسيحيي مصر.

ولكن هل يكفي الحداد، وهل سيكون هذا هو آخر حداد على أرواح المصريين أم ستكون هذه بداية لصراع جديد للتنظيم داخل المحافظات بعد انتشار أفراده بهذا الشكل، وهل ستجدي الخطط الأمنية نفعًا هذه المرة، وهل ستتخذ الدولة موقفًا مغايرًا وصريحًا هذه المرة غير التعزية والحداد والشعارات الرنانة؟ كل هذه الأسئلة وأكثر رددها اليوم المسيحيون المتجمهرون أمام الكنائس والمستشفيات بعد الحوادث الأليمة.

وما تزال الأسر المسيحية تعيش حالة من الغضب العارم والخوف من القادم الذي ربما لا يبشر بالخير في ظل تصاعد مثل تلك العمليات ضدهم تحديدًا، وحتي الآن لم يتم الإعلان من وزارة الداخلية عن تفاصيل التحقيقات التي تباشرها الأجهزة المختصة بصدد أحداث اليوم.