من بين العديد من التجارب الحزبية التي برزت خلال سنوات الثورة في مصر قبل عودة الجيش إلى السلطة في 3 يوليو، كانت تجربة حزب «مصر القوية» إحدى التجارب التي نجحت في اجتذاب قطاع عريض من الشباب في مصر، خاصة في الفترة التي تلت تأسيسه مباشرة خلال الشهور الأولى من حكم الرئيس الأسبق د. محمد مرسي، إلا أن التجربة عانت صدوعًا متتالية منذ ذلك الحين وإلى اليوم.م. محمد المهندس، أحد الوجوه البارزة للحزب التي تحظى بقبول وثقة قطاع عريض من شباب الحركات السياسية في مصر، في إطار حوارات إضاءات مع رموز المعارضة المصرية في الذكرى السادسة لثورة يناير المجيدة، كانت لنا معه تلك الجولة الحوارية.


م. محمد، سيطر على أجواء ما بعد عودة الجيش إلى السلطة في 3 يوليو بين النخب السياسية المصرية، الانهزامية والمزايدات، ولم نشهد مراجعات هادئة وجادة تبحث عن الجدوى والتطلع إلى المستقبل. من الملاحظ أن حزب مصر القوية كان إحدى التجارب التي سادتها الحيرة والتردد حتى صارت مضربًا للمثل في هذا الصدد، لماذا لم يستطع الحزب برأيك تجاوز الهزة وإعادة تنظيم الصفوف؟

لا أستطيع أن أنفي بالطبع واقع حزب مصر القوية المهتز رغم أني أزعم أنه -مقارنة بغيره من الأحزاب المصرية- أحسن حالاً واستقرارًا، وربما ثباتًا، في مواقفه السياسية منذ إنشائه وحتى اللحظة.

إزاء هذا الإقرار بواقع الحزب، فإنني أعزو ذلك لأسباب بعضها متعلق بالوضع السياسي العام في مصر منذ 3 يوليو 2013 والذي أغلقت فيه -عن عمد- كل مسارات العمل السياسي السلمي المعارض بحيث لم يعد هناك في الصورة السياسية -المصنوعة- إلا بعض مسارات ضيقة ومحددة لأحزاب لا تستطيع أن تفعل إلا أن تكون تابعة تمامًا للنظام القائم بكل سوءاته وتجاوزاته مع هامش صغير من الحركة هنا أو هناك، والبعض الآخر متعلق ببنية الحزب الداخلية التي أظهرت بعضًا من القصور والضعف في مواجهة تعقيدات الوضع السياسي العام.

في تقديري أن الوضع السياسي العام المغلق الذي نعيشه الآن هو الأكثر تأثيرًا بالسلب على كل الأحزاب التي تود أن تقوم بدور سياسي حقيقي في المجال السياسي، ومن ضمنها بالطبع حزب مصر القوية، وهذا ليس ناتجًا فقط عن قصور في هذه الأحزاب، ولكنه راجع إلى أن الأحزاب السياسية –بطبيعتها– لا تستطيع أن تعمل إلا في العلن بما يستدعيه ذلك من حاجتها إلى العمل في أجواء سياسية مفعمة بالحرية والديمقراطية حتى يمكنها أن تخاطب رجل الشارع بشكل مباشر أو من خلال الإعلام، وهي الأمور التي لا يمكن أن تتوفر في ظل نظام يسيطر على الإعلام ويمنع التواصل مع الجمهور بشكل مباشر كما هو حال النظام المصري الحاكم، ضف على ذلك أن أعضاء الأحزاب السياسية لم يجتمعوا إلا على رؤى سياسية مشتركة ولا توجد بينهم روابط عقدية أخرى وهو ما يؤدي بدوره إلى التفكك التدريجي لروابط الحزب ولعزوف طبيعي عن النشاط السياسي في ظل غلق المسارات السياسية!.

لذا، فلا فرصة حقيقية لتواجد حزبي فعال ومؤثر في ظل الأجواء السياسية الأمنية والمغلقة في مصر، والدور الأكبر المنوط بالأحزاب في الفترة الحالية هو أن تحاول -بمواردها المتاحة- أن تجتمع على نقاط توافقية عامة تسعى إلى الضغط على النظام بكل الأدوات السياسية السلمية المتاحة لفتح المجال العام أولاً قبل أي حديث عن انخراط عشوائي في انتخابات تتم هندستها بالكامل داخل جدران الأجهزة الأمنية.


قدم الحزب نفسه منذ اليوم الأول كنموذج لتجاوز الاستقطاب الإسلامي-العلماني، لكن ما حدث واقعيًا هو أن الحزب بدا ككيان فاقد للهوية، حتى أعضاؤه ليس لديهم استيعاب للمركب الذي يعبر عنه. ما أسباب ذلك؟، وهل لعب غياب الخطاب الفكري والمثقفين الذين يعبرون عن عمق الفكرة دورًا في ذلك؟

أختلف بالطبع مع توصيف الحزب بأنه «كيان فاقد للهوية»، فأفكار الحزب الأساسية المكتوبة والمنشورة تعبر عن هوية واضحة ومواقفه السياسية عبرت بشكل موضوعي عن تلك الهوية المكتوبة؛ فالحزب ينتمي إلى مدرسة يسار الوسط في الجانب الاقتصادي من حيث قناعته بدور واضح للدولة في توزيع الثروة بين عموم المواطنين، بما يعنيه ذلك من فرض ضرائب تصاعدية ومن حيث حقوق كل المواطنين في الحصول على تعليم وصحة مناسبَيْن دون تفرقة مبنية على الدخل المادي، وعلى الحق في السكن والعمل الملائم، ومن حيث حتمية قيام الدولة بتوجيه فرص الاستثمار وتقديم دعم للصناعة والزراعة. أما في المجال الاجتماعي فالحزب لا ينكر أنه مع مرجعية الشريعة الإسلامية -مع الأخذ بأيسر ما فيها- في سن قوانين الأحوال الشخصية مع رفض الحزب لأي تدخل في مساحات الحريات الشخصية للمواطنين فيما يتعلق بممارساتهم الشخصية ودعم الحزب المطلق لحرية التعبير والحق في التجمع العام.

رغم هذه الهوية التي أستطيع أن أزعم أنها واضحة، إلا إنني لا أنكر أن هذه الهوية تحتاج إلى جهد أكبر في تفصيلها وتجذيرها بحكم أنها تقدم في إطارها العام صورة مختلفة عن الصورة التقليدية للأحزاب المصرية المنقسمة بين أحزاب إسلامية يمينية وأحزاب علمانية يسارية أو يمينية، ولا أنكر كذلك أن نسبة معتبرة من أعضاء الحزب لم يجتمعوا تحت راية فكرية للحزب وأن ما جذبهم للحزب بشكل أساسي هو إعجابهم بشكل عام -دون تفاصيل دقيقة- بشخض رئيس الحزب والمرشح الرئاسي السابق د. عبد المنعم أبو الفتوح، وهو ما أدى إلى ظهور بعض التباين في المواقف بين أعضاء الحزب ذاته.

لذا، فما زال الحزب -في نظري- في حاجة إلى بذل جهد كبير مطلوب في تعميق رؤيته الفكرية، وإلى نشر تلك الرؤية بين عموم أعضائه ونقلها إلى جمهوره بشكل صحيح وغير ملتبس، وهو ما لن يتأتى سوى بتفاعل مع المفكرين والسياسيين والاقتصاديين القريبين من أفكاره الأساسية.


كان واضحًا قبل 30 يونيو أن الإطاحة بالرئيس د. محمد مرسي ومن ورائه جماعة الإخوان المسملين، سيعقبه عودة قوى نظام مبارك وبعض الجهات غير الداعمة للديمقراطية إلى السلطة، وفي ذلك إضرار بكافة النظم السياسية، وهو ما حصل بالفعل. لماذا فشلت القوى السياسية في مصر، سواء الإخوان المسلمين وحلفائهم، أو خصومهم بمختلف اتجاهاتهم، في استيعاب ذلك ومحاولة مواجهته؟

الأوْلى –في نظري– أن نقول بشكل واضح وبلا تردد إن المسار الذي اتخذه الإخوان وحلفاؤهم قبل الرئاسة وبعدها في التعامل مع الثورة ومطالبها والتعاطي مع أركان الدولة المصرية كان سيؤدي حتمًا إلى عودة دولة يوليو 1952 إلى سدة الحكم بشكل أعنف وأقوى مما كانت عليه؛ لأن ذلك المسار القاصر انشغل بصراع هوياتي فارغ ومصطنع لم تكن الثورة في حاجة إليه في مراحلها الأولى بأي حال من الأحوال من جهة، ولأن ذلك المسار اعتمد –بناء على أوهام لا أساس لها- على أن الرئيس وأعوانه قادرون ببعض المناورات والتنازلات على تحييد أهم مؤسسات دولة يوليو على الإطلاق بعيدًا عن الصراع السياسي، وهو ما أدى في النهاية إلى ضياع الثورة وانتقال السلطة بأريحية تامة وبرضا شعبي -للأسف- إلى مربع الثورة المضادة!.

كل هذا لا ينفي بالطبع مسؤولية دور معارضي الإخوان وخصوصًا جبهة الإنقاذ في الوصول إلى مرحلة هزيمة الثورة بسبب قبولهم بالتحالف –غير الموزون- مع الثورة المضادة واستدعائهم للجيش إلى الصراع السياسي بشكل انتهازي صارخ!.


سيطرت الانهزامية على الوسط السياسي المصري بعد 30 يونيو، هل هناك إمكانية لتجاوز ذلك خلال الفترة القادمة خاصة مع تأزم النظام المصري والوضع الاقتصادي الخطير الذي تمر به البلاد واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية القادمة واهتزاز الثقة بالنظام بعد قضية تيران وصنافير؟، وماذا ينقص المعارضة المصرية للاستفادة من كل ذلك؟

الانهزامية ما هي إلا نتيجة طبيعية جدًا لحالة التخبط والتوهان التي عاش فيها كل المنتمين إلى ثورة يناير منذ قيامها وحتى إعلان الهزيمة الصريحة للثورة في لحظة إعلان بيان 3 يوليو والتي تبعتها لحظة التفويض التي قضت على أي أمل في عودة سريعة لمسار الثورة.

في تقديري أن هذه الانهزامية ستستمر ما لم تستطع القوى السياسية القائمة التوافق على أجندة سياسية واضحة للتعامل مع بطش النظام وغلقه للمجال السياسي، وإلا فإن البديل سينشأ من خلال قوى جديدة قادرة على تجاوز خلافاتها السياسية والأيديولوجية وغير مثقلة بإرث الخلاف بين القوى السياسية التقليدية.

أرى أنه لا يمكن أن تكون الانتخابات الرئاسية القادمة مدخلاً للتغيير إلا إذا استطاعت القوى السياسية أولاً أن تجتمع على أجندة سياسية؛ لأنه لا يعقل منطقًا أن يتمكن العاجزون عن التوافق على قضايا عامة من التوحد خلف شخص واحد افتراضي في معركة سياسية كبيرة بحجم انتخابات رئاسية في مواجهة مرشح الدولة.

من يظنون أنه يمكن نسخ نماذج تشيلي والأرجنتين والبرازيل وحتى جامبيا بالتوحد خلف شخص واحد في انتخابات 2018 واهمون في تقديري؛ لأن تلك النماذج لم تنجح في فرض إرادة شعوبها إلا بعد أن استطاعت قواها السياسية أولاً التلاقي على أرضية سياسية مشتركة قبل الانتخابات أو الاستفتاءات!.

عجز النظام القائم وفشله في ملفات كثيرة اقتصادية أو سياسية لا يعد سببًا كافيًا لإمكانية تغييره بشكل سياسي؛ لأن الشعب لم يجد في مقابلته -حتى الآن- معارضة سياسية قادرة على التوافق في شكل وآليات معارضته، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار ذلك النظام واستمرار سياساته الفاشلة التي قد تؤدي بدورها إلى تزايد حالات الفوضى أو الجريمة ولكنها لن تؤدي إلى تغييره في القريب!.


أخيرًا، رغم أن معظم التغيرات الإقليمية والعالمية لا تصب في صالح التحول الديمقراطي، هل ترى أن بإمكاننا الاستفادة من تلك التحولات بطريقة أو بأخرى؟

يجب أن نعتمد على أنفسنا وعلى الاستناد إلى قدراتنا الذاتية في تحسين واقعنا الداخلي في بدء مسار التغيير؛ لأن الظاهر أن التحولات الإقليمية والدولية الحالية لا تصب في اتجاه مصالح شعوب هذه المنطقة.