خاضت مصر في الأعوام الأربعة الماضية مخاضا عسيرا سعيا لتحقيق أهداف ثورة قامت في 25 يناير 2011. فمنذ تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة البلاد دخلت السياسة الداخلية للدولة في تخبط ملحوظ بدءا من استفتاء 19 مارس 2011 مرورا بتعديل دستور 1971 المعطل حين ذاك، والبدء بانتخابات مجلسي الشعب والشورى، تلاها انتخابات رئاسية أسفرت عن فوز د. محمد مرسي ثم الاستفتاء على دستور جديد في ديسمبر 2012.

وما دام مرسي في السلطة سوى عامٍ حتى عُزل في 3 يوليو بعد تظاهرات 30 يونيو وإعلان ما يسمى ب«خارطة الطريق» بمشاركة القوى السياسية كافة. ومع بيان الثالث من يوليو عادت مصر للمربع واحد، حيث عُطّل دستور2012 وتم تشكيل لجنة مكونة من 50 عضوا لتعديله، وتم حل مجلس الشورى الذي كان قائما، وتم الاستفتاء على دستور جديد في يناير 2014. احتوت بنود الدستور الانتقالية نصوصًا تلزم بعقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية في حالة إقرار الدستور وفي مدة لا تزيد عن 6 أشهر[1].

وتبقى الانتخابات التشريعية هي الخطوة الأخيرة في تحقيق خارطة الطريق والتى تم الإعلان عنها في 3 يوليو 2013. ولأن البرلمان هو أحد أهم السلطات الثلاث التي تمنح صاحبها حق الرقابة والتشريع، يقوم التقرير على رصد شكل وخصائص السياق المحيط بالانتخابات البرلمانية القادمة في مقارنة بينها وبين انتخابات 2010. وقد وقع الاختيار على انتخابات 2010 لوجود خصائص متشابهة نفندها فيما يلي.


السياق القانوني: نحو تغيير إيجابي

ينظم القانون عمل كافة مؤسسات الدولة من أقلها سلطة إلى أكبرها. وفيما يخص انتخابات 2010 وبحسب دستور 1971م يقوم قانون مجلس الشعب، بتحديد عدد أعضاء المجلس، إلا أن الدستور قيد ذلك بقيد وهو ألا يقل عدد الأعضاء عن 350 عضوا، مخصصا نصفهم من العمال والفلاحين. وقد منح الدستور لرئيس الجمهورية حق تعيين عدد من الأعضاء بالمجلس لا يزيد على عشرة. وينظم عمل مجلس الشعب آن ذاك القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب وحدد في مادته الأولى عدد أعضاء مجلس الشعب بـ 444 عضوا منتخبين.

بعد الاستفتاء على الدستور الجديد في يناير 2014 تغير مسمى مجلس الشعب إلى مجلس النواب مع دمج مجلس الشورى في النواب

والجدير بالذكر هنا أنه قد تم تعديل قانون مجلس الشعب فى عام 2009، بعد مناقشة مجلس الشعب لهذه التعديلات، ووفق هذه التعديلات قسمت الجمهورية إلى دوائر انتخابية، لانتخاب 444 عضوا، كما تقسم إلى دوائر أخرى لانتخاب 64 عضوا، الخاصة بكوتة المرأة، وذلك لفصلين تشريعيين، على أن تجري الانتخابات فى الدوائر التى يقتصر الترشيح فيها على المرأة فى أول انتخابات لمجلس الشعب يتم إجراؤها بعد تاريخ العمل بهذا القانون.

وبالتالى يبلغ عدد أعضاء مجلس الشعب في انتخابات عام 2010 خمسمائة وثمانية عشر عضوا[2]. علاوة على ذلك كان القانون يتبنى النظام الفردي كنظام انتخابي.

بعد يونيو 2013، والاستفتاء على الدستور الجديد في يناير 2014، تغير مسمى مجلس الشعب إلى «مجلس النواب» مع دمج مجلس الشورى في النواب، حيث أصبحت السلطة التشريعية تتكون من غرفة واحدة فقط. وهناك ثلاثة قوانين منظمة للانتخابات هم: القانون رقم 45 لعام 2014 والخاص بمباشرة الحقوق المدنية والسياسية، والقانون رقم 46 لعام 2014 المنظم لعمل مجلس النواب وتكوينه، وأخيرا القانون الخاص بتقسيم الدوائر الانتخابية رقم 88 لعام 2015.

ووفقا للمنظومة القانونية الجديدة يدمج النظام الانتخابي الجديد بين الفردي والقائمة، حيث يمثل الفردي الثلثين أما القائمة يمثل الثلث الأخير. هذا بالإضافة إلى كون نظام القائمة المُقَر هو القائمة المغلقة المطلقة، بمعنى أن القائمة الفائزة بالأغلبية المطلقة (50%+1) تصعد كما هي إلى مقاعدها في المجلس. ويبلغ عدد الأعضاء وفقا للقانون 540 عضوا؛ 120 منهم يتبعون نظام القائمة و420 بالنظام الفردي، ويعين الرئيس 5% من الأعضاء.

وتنقسم مصر في نظام القوائم إلى 4 دوائر، اثنتين منها مكونتين من 15 مرشحا لكل منهما، والاثنتين الأخرتين مكونة من 45 مرشحا لكل منهما، ليكون مجموع أعضاء نظام القائمة 120 عضوا. وقد خصص القانون كوتة لكل من الشباب والمرأة وذوي الاحتياجات الخاصة والمسيحيين والمصريين المقيمين بالخارج[3]. أما النظام الفردي فوفقا لقانون تقسيم الدوائر الانتخابية يقسم إلى 205 دائرة.

علاوة على هذا كله فقد استحدث قانون مباشرة الحقوق السياسية والمدنية «المفوضية العليا للانتخابات» محددا تشكيلها، ومهامها والتي تجاوزت فكرة التنظيم؛ لتكون أداة مراقبة ومتابعة للإعلام لعدم الإخلال بشروط النزاهة والمساواة بين كافة المرشحين.

كما نظم القانون نفسه طريقة التصويت سامحا للمصريين المقيمين بالخارج بالمشاركة بالتصويت والترشح. فضلا عن تنظيم عملية الدعاية الانتخابية وتحديد مدتها وسقف تمويلها، وكافة العقوبات التي تقرها اللجنة في حال مخالفة آليات الانتخاب منذ بدء الإجراءات وحتى إعلان النتائج النهائية.


السياق السياسي: نحو تأميم المجال العام

لا شك أن السياق السياسي الذي جرت فيه الانتخابات التشريعية في 2010 يختلف تماما عن الانتخابات التشريعية في 2015، سواء كان ذلك من ناحية شكل وطبيعة وسلطات السلطة التنفيذية أو من ناحية خصائص الحياة الحزبية. فقد جاءت انتخابات 2010 في نهاية الأعوام العشر الأخيرة من حكم مبارك والتي شهدت حراكا وانفتاحا سياسيا بعد فترة من الصمت.

وقد يعود هذا الحراك لبعض العوامل الخارجية كضغوط الغرب لدفع مصر نحو تبني أطروحات تبلور الديمقراطية كنظام لادارة الدولة، وأبرز ما يؤيد هذا التحليل هو تعديل المادة 76 من الدستور والتي كانت بدورها تسمح بانتخابات رئاسية بدلا من الاستفتاء. في المقابل ظهرت كيانات وجماعات معارضة جديدة وذات شعبية محدودة مثل حركة كفاية و6 أبريل والجمعية الوطنية للتغيير وغيرها من الحركات الاجتماعية.

كذلك كانت هناك ضغوط داخلية عبرت عنها التظاهرات والحركات الاحتجاجية لتعكس السخط والتمرد الشعبي. وأتت هذه الاحتجاجات في بدايتها فئوية إلى أن تحولت إلى مطالب اقتصادية واجتماعية.

والجدير بالذكر هنا هو استمرار مد حالة الطوارئ قبل انتخابات 2010 وتعديل 34 مادة في الدستور في أبريل 2007، وكان أبرز ما يخص الانتخابات هو تأسيس هيئة عليا للانتخابات يقوم مجلسي الشعب والشورى باختيار أعضاءها ومن ثم إنهاء الإشراف القضائي، وكانت التعليلات المزعومة وقتها تدور حول ما صاحب انتخابات 2005 من مشاحنات واتهامات بين القضاة فيما بينهم، وبين القضاة والحكومة[4].

وتأتي انتخابات مجلس النواب في 2015، ليتغير فيها السياق السياسي والقوى الفاعلة، فتندثر إحداها وتصعد أخرى. حيث تبدء الانتخابات التشريعية إجراءاتها وسط مناخ أثبت قدرة الشعب على التغيير من خلال مروره بانتخابات رئاسية لمرتين وسط مساحة، كانت مفتقدة، من الحرية.

وانتهت سلسلة التغيير إلى سلطة تنفيذية على رأسها الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» والذي جاء فور الإطاحة بـ «د. محمد مرسي» في يوليو 2013، وحل جماعة الإخوان التي ينتمي إليها الأخير واعتباراها منظمة إرهابية بحكم قضائي. وهو الحكم الذي به تم القضاء على المستقبل السياسي – القريب على الأقل – للجماعة. يضاف إلى ذلك تراجع تأثير التيار الديني أو الإسلام السياسي على القرارات السياسية وازدياد تأثير المؤسسة العسكرية في معطيات المعادلة السياسية.

كما تشهد الساحة السياسية انسحاب بعض الشخصيات التي كانت فاعلة كـ «د. محمد البرادعي» وذلك بعد تقديمه الاستقالة من منصب نائب رئيس الجمهورية «عدلي منصور» للشؤون الخارجية فور أحداث فض ميداني رابعة والنهضة.

وعلى جانب المجتمع المدني بات من الواضح تأثير الحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني في الضغط على السلطة التنفيذية لتحقيق ما تربو إليه. بيد أن محاولات النظام الحالي للضغط على تلك المنظمات من جهة وتوجيه الحياة السياسية والرأي العام من خلال قصر تحريك الحياة السياسة على السلطة الحاكمة وأصوات النخبة المؤيدة للنظام من جهة أخرى، يسير بالمجال العام نحو التأميم.


الإعلام: ازدياد النفوذ

الإعلام أحد الأدوات الهامة والتي انتقلت من كونها ناقلا للأخبار والمعلومات فقط إلى أقصى دور لها وهو تشكيل الرأي العام

إن كان ذلك هو المناخ السياسي بشكل عام في الفترتين، فمن الجدير ألا ننسى علاقة الإعلام بالسلطة خلال الفترتين أيضا. فالإعلام أحد الأدوات الهامة والتي انتقلت من كونها ناقلا للأخبار والمعلومات فقط إلى أقصى دور لها، وهو تشكيل الرأي العام. في نهاية عهد مبارك، بشكل عام، زادت أعداد القنوات الخاصة زيادة مضطردة بالنسبة لأول عهده ولسابقيه. وقد كان السبب في ذلك ما تحول إليه العالم بفعل العولمة، بالإضافة إلى كثافة المطالبات بحرية الرأي والتعبير والتي يعد الإعلام أحد أدواتها بل أهمها.

ومع كثرة القنوات والصحف الورقية بدأ ظهور التيار المعارض للحزب الوطني الحاكم إعلاميا سواء كان أصحابه أحزاب أو حركات اجتماعية أو شخصيات عامة، وازداد ذلك مع طرح «د. محمد البرادعي» كبديل للرئيس مبارك، وتحالف العديد من الكيانات المعارضة لحكم مبارك ملتفين حول البرادعي. وبرغم هذا الظهور لم يكن ذلك دليلا على تطبيق السلطة لمبدأ حرية الرأي والتعبير في الإعلام على اختلاف أشكاله.

ففى تقرير المراجعة السنوية لحرية الصحافة، أعلنت مؤسسة فريدم هاوس أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أظهرا تراجعا حادا في حرية الصحافة عام 2010 قبل اندلاع الثورات وذكرت حينها صحيفة الجارديان البريطانية أن مصر صنفت في قائمة الدول التي لا تتمتع بحرية الصحافة[5].

وفي الإطار نفسه تأتي الأداة الإعلامية لتطور وتصل إلى أعلى درجاتها في عام 2015، حيث تتنتقل من مهمة العرض والتحليل إلى تشكيل الرأي العام، وهو ما ظهر قبل عزل «د. محمد مرسي»، سواء أن كانت مؤيدة له أم معارضة، واستمر الأداء ذاته من بعده.

ولكن تغيرت سياسات الدولة تجاه الإعلام، حيث أغلقت القناوات الدينية بدعوى تحريضها على الفتنة داخل المجتمع، وبدأت رؤوس أموال رجال الأعمال تتدخل في الإعلام، حيث ظهرت قنوات إعلامية لبعض رجال الأعمال لتتبنى توجها واحدا بدأ في وضع مصر تحت قيود «مؤامرة كونية»، إلى التنكيل بثورة 25 يناير[6]، وتأييد وتدعيم المؤسسة العسكرية وذلك قبل وبعد انتخاب «عبد الفتاح السيسي» رئيسا.

ويبدو ذلك جليا فى تصريحات الرئيس السيسي والذي قطع فيها بأنه لا وسيط بينه وبين الشعب، في إشارة إلى البرامج التي تدافع عنه وتتحدث باسمه. ونتج عن ذلك توجه العديد من الأصوات المعارضة إلى البرامج المذاعة عبر الإنترنت والمواقع الإلكترونية للتعبير عن آراءهم نظرا للتضيق الإعلامي الحاصل والذي إن لم يكن سببه سياسات الدولة، فلن يخلو من مصالح رجال الأعمال أصحاب القنوات الخاصة.

في الجزء الثاني نتناول حال القوائم الانتخابية وسيناريوهات انتخابات 2015.

المراجع
  1. دستور جمهورية مصر العربية، باب الأحكام الإنتقالية، المادة (230)
  2. أحمد خميس كمال، انتخابات مجلس الشعب 2010: الممارسات والدلالات والتركيبة السياسية، موقع الأهرام الرقمي، 1 أكتوبر 2011
  3. قرار بقانون مجلس النواب رقم 46 لعام 2014، المادة رقم (3) و (5)
  4. أماني مسعود وغادة موسى وآخرون، كمال المنوفي «محرر»، دراسة تحليلية لانتخابات مجلس الشعب 2010، القاهرة، برنامج الديمقراطية وحقوق الإنسان، 2011، من ص 15 – ص 18
  5. بوابة الأهرام، 2 مايو 2011
  6. مصطفى بسيوني، جريدة السفير اللبنانية، 24 يناير 2015