بهذه المناسبة العظيمة، أتوجه بالشكر والتقدير للسيد موسى مصطفى موسى، والذي خاض وأعضاء حملته الانتخابية منافسة وطنية شريفة ومتحضرة، دللت على ما يتمتع به من حس وطني عالٍ وأداء سياسي راقٍ.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلمته بعد الفوز بولاية ثانية، 2 إبريل/نيسان 2018


ملاحظات أولية

تمكّن عبد الفتاح السيسي من حسم منصب رئاسة الجمهورية والظفر بولاية ثانية، بعد حصوله في الانتخابات الرئاسية على نسبة 97.08% من الأصوات الصحيحة، مقابل 2.92% للمرشح الرئاسي موسى مصطفى موسى.

من القاهرة إلى جنوب سيناء

محافظة القاهرة تصدرت محافظات الجمهورية من حيث عدد الحضور (2.580.030)، وكذلك عدد الأصوات الصحيحة (2.332.074)، وعدد الأصوات الباطلة (247.956)، وهي كذلك المحافظة التي حظي عبرها المرشحان على أعلى أصوات: عبد الفتاح السيسي (2.255.243)، وموسى مصطفى (76.831). وهو ما يعود إلى أنها المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية، وصاحبة أكبر عدد مسجلين في الكشوف الانتخابية، وكل ذلك رغم أن نسبة المشاركة في المحافظة بلغت حوالي 35%، وهي نسبة منخفضة مقارنة بنسب المشاركة في باقي المحافظات.

بينما جاءت محافظة جنوب سيناء في المركز الأخير، من حيث الحضور والأصوات الباطلة، والأصوات الصحيحة لكل من المرشحين، وذلك نتيجة أنها تحوي على أقل عدد مسجلين في الكشوف الانتخابية.

نسب المشاركة في المحافظات

تراوحت نسب المشاركة في المحافظات بين 29% و59%، حيث سجلت محافظتا أسوان وقنا أقل نسب مشاركة (29.82% و29.96%، على الترتيب). بينما سجلت محافظات الوادي الجديد وجنوب سيناء والغربية نسب المشاركة الأعلى (58.76% و51.68% و50.98%، على الترتيب).

ربما إذا نظرنا إلى الإحصائية الخاصة بمحافظتي أسوان وقنا بشكل منفرد، كان يمكن أن نفسر ونقول إن هذا يعود إلى موقعهما الجغرافي، الذي نأى بهما عن مركز الدعاية الانتخابية المكثفة، ولكن تواجد المحافظتين الحدوديتين (الوادي الجديد وجنوب سيناء) في إحصائية الأكثر مشاركة يدحض هذا الادعاء.

التفسير الأوّلي ربما يقودنا إلى وجود حالة من عدم الرضا النسبي بين أبناء محافظتي قنا وأسوان عن أداء الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى جانب عدم إحكام قبضة الدولة على مفاصل المحافظتين. بينما نجد الحال مختلفًا تمامًا في محافظة الوادي الجديد، التي تُحكم الدولة عليها قبضتها الأمنية بشكل كبير، ويكفي أن نذكر أنه في تواريخ 12 ديسمبر/كانون الأول 2016، و 32 يناير/كانون الثاني 2017، و 30 مارس/آذار 2017، تم القبض على حوالي 18 موظفًا حكوميًا بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين. وهي حوادث لم تجد لها مثيلاً، على الأقل من حيث كثافة عدد المقبوض عليهم في باقي المحافظات مقارنة بحجم سكانها. ناهيك عن القوة التنظيمية لحزب النور هناك، الذي نجح في عمليات الحشد المنظم التي قام بها على مدار أيام الانتخابات، ويبدو أنه الأمر غير المتوفر بالصورة الكافية في محافظتي أسوان وقنا.

الأصوات الباطلة

سجلت محافظات بوسعيد والسويس وشمال سيناء أعلى نسبة من الأصوات الباطلة إلى إجمالي عدد الحضور، وذلك بنسب 15.2% و13.9% و13.2%، على الترتيب. ونظرًا إلى أن إبطال الصوت يحمل في طياته رسالة سياسية، مفادها عدم الرضا عن المشهد الانتخابي، وربما المشهد السياسي برمته، نستنتج أن هناك أزمة نسبية تواجه النظام في محافظات القناة (بورسعيد والسويس).

وكذلك ينطبق الأمر على محافظة شمال سيناء، التي تشهد حاليًا عمليات عسكرية مكثفة في إطار الحرب على الإرهاب، ولكن تحمل عملية إبطال الصوت في شمال سيناء دلالة أقوى؛ نظرًا لمحدودية نسبة المشاركة (التي بلغت 30.84%) من جهة، ولصعوبة الظروف الأمنية هناك من جهة أخرى.

أي أن هناك شريحة غير بسيطة من المواطنين (10.192)، والذين يعانون مؤخرًا، ومن الطبيعي أن يكونوا غير مبالين بالعملية الانتخابية (المحسومة نتائجها مسبقًا)، ذهبوا إلى صناديق الاقتراع لإيصال رسالة إلى الدولة، مفادها عدم الرضا عن سياساتها.


جهود حشد قياسية: والنتيجة؟

انتخابات الرئاسة 2018
انتخابات الرئاسة 2018
مقارنة انتخابات 218 بالانتخابات السابقة
مقارنة انتخابات 218 بالانتخابات السابقة

شكك الكثيرون في مدى نزاهة العملية الانتخابية التي شهدتها مصر خلال الأيام القليلة الماضية، وكان الحال كذلك في انتخابات 2014، وفي معظم الاستحقاقات الانتخابية منذ 2013.

وقد انصب التشكيك بصفة رئيسية حول «نسب المشاركة» في الانتخابات، وهي محور المعركة الحقيقية.

فمنذ البداية، لم يكن هناك مواطن مصري (مؤيد أو معارض) يساوره الشك في فرص نجاح عبد الفتاح السيسي بفترة رئاسية ثانية، وذلك لأسباب متعددة، لا يسمح المجال هنا لتناولها.

ومع ذلك، تعامل النظام بحزم شديد مع كافة من أعلنوا عن نيتهم للترشح للانتخابات الرئاسية، رغم أن أكثرهم تأثيرًا وشعبية لم يكن يمتلك فرصة حقيقية للظفر برئاسة الجمهورية. وكذا أصر النظام على إجراء الانتخابات على مدار 3 أيام، في تكرار لتجربة 2014، وفي مخالفة صريحة لكل الأعراف الانتخابية العالمية والتاريخية.

وبعد إزاحة كافة المرشحين، بشكل مباشر أو غير مباشر، تقرر لرئيس حزب الغد موسى مصطفى موسى الترشح للانتخابات. وبالمثل، تم استيفاء أوراقه وإجراءاته القانونية في زمن قياسي، ما أثار الشكوك واللغط.

وكان تواجد مرشح حزب الغد ضروريًا لاستكمال المشهد الانتخابي، ولكن النقطة الأهم هي أن شعبيته «شبه المنعدمة» كانت تتوافق مع أهواء النظام، الذي كرس كل أدواته الإعلامية والأمنية والمؤسسية لدفع المواطنين، بكافة طوائفهم، للمشاركة في العملية الانتخابية، وتأييد الرئيس عبد الفتاح السيسي سرًا وجهرًا (داخل صندوق الانتخاب وعبر الدعاية الانتخابية)، وذلك لضمان الوصول إلى أعلى نسبة مشاركة، وبالضرورة نسبة نجاح عريضة للرئيس.

فالنظام المصري خاض هذه الانتخابات لغرض واحد؛ وهو تخطي نسب المشاركة والتأييد الذي حصل عليه عام 2014، أو الوصول إلى ذات النسب على أقل تقدير، حتى يتمكن من التباهي بها خارجيًا، ويثبت أن شعبيته لم تنخفض، رغم كافة الصعوبات الاقتصادية والأمنية التي واجهتها البلاد على مدار السنوات الأربع الماضية، بل على العكس ارتفعت وازدهرت.

ورغم كل ما سبق، وكافة الجهود القياسية للدولة في عمليات الحشد، والتي لا تشهد مثيلاً لها في أي استحقاق انتخابي سابق (حتى في عهد مبارك)، بلغت نسبة المشاركة في انتخابات 2018 حوالي41.05%، وهي النسبة الأدنى على الإطلاق من بين الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية التي جاءت أعقاب ثورة يناير 2011.

وإذا أخذنا في الاعتبار بعد المشاهدات اليومية والشهادات الفردية التي تحدثت عن عملية تنظيم «التصويت الإجباري» في الانتخابات داخل المؤسسات الحكومية. فيمكن القول إن نسبة المشاركة الحقيقية كانت لتتراجع بشكل كبير، لولا التدخل الحكومي.

وما يؤكد ذلك، وصول نسبة الأصوات الباطلة (إلى إجمالي الحضور) إلى نسبة قياسية وهي 7.27%، مع انتشار الرسائل السياسية الساخرة من هذه الأصوات الباطلة، والتي انتشرت صورها على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي كل الأحوال، انطوت صفحة الانتخابات الرئاسية إلى غير رجعة، وبات الشغل الشاغل للمواطن المصري مصير الأحوال الاقتصادية في قادم الأيام.