يذكر الناقد الفلسطيني فيصل دراج في كتابه «الحداثة المتقهقرة» أن إحدى مآسي المثقف التنويري في العالم العربي تأتي «من مكر التاريخ الذي استولد مثقفًا عربيًا، ولم يستولد معه، أو له، طبقات اجتماعية تحتاج الثورة أو تحلم بها. ولذا بدا المثقف عاريًا أو شبه عار، معلقًا في الفراغ، ينوس بين جمالية المتمرد ويوتوبيا النقد الاجتماعي الشامل». ولعل ما نعيشه في العالم العربي عامة، ومصر خاصة، هو في أحد أوجهه، تجلٍّ للمأزق الذي يتورط فيه المثقف، محتضنًا ألوانًا من اليأس والعدمية المغلفة بسخرية لامبالية.

في إطار حوارات إضاءات مع رموز المعارضة والثقافة المصرية بمناسبة الذكرى السادسة لثورة يناير، كانت لنا تلك الجولة مع مثقف مصري عايش مآزق الثقافة والسياسة في مصر من داخلها، وانتهى محللاً عميقًا لجدليتها وحاملاً مرهفًا لتراجيديتها المؤلمة؛ هو محمد نعيم، الكاتب السياسي، والباحث السابق في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وعضو المكتب السياسي للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي سابقًا.


بقي المثقفون العرب عقودًا، ومن بينهم المصري، يشكون وقوعهم بين سندان الجماعات الدينية، ومطرقة النظام القمعي الذي لا يستجيب لطموح المثقف التقدمي، في مأساوية تحمّل القدر المسئولية كاملة، واتخذت تحليلاتهم لصعود الإسلام السياسي منحى مؤامراتيًا أحيانًا، باعتباره نتاج تحالف تم بين قوى الشر حول العالم، أمريكا والأنظمة العربية والجماعات الإسلامية، للإطاحة بالقوى المدنية أو التقدمية العربية. برأيك، هل يكفي هذا التحليل لتفسير هيمنة الإسلام السياسي على المجال العربي لعدة عقود، أم أن لديك رأيًا آخر؟

سأحدثك عن مصر فقط «علشان أكون بتكلم وأنا متأكد من كلامي».

هذه المقولات تأسست جذورها القوية في السبعينيات، وقتها كان الطور الساداتي من دولة يوليو يعلن بوضوح معاداته للشيوعية ويقدمها كخطر أول، ويغير من خياراته الإستراتيجية نحو التحالف الأوثق مع الولايات المتحدة، ويزيد من المكون الديني في خطابه وتصبح مصر دولة العلم والإيمان، وتتوثق علاقته بالملكيات العربية أكثر وأكثر، ولاسيما السعودية، ويوغل في النيْل من الناصرية من مواقع الخطابات التقليدية المحافظة، هذا ليس معناه بالطبع وجود مؤامرة مخططة ومحكمة بين نظام السادات والتيار الإسلامي، لكن تلاقي المصالح كان أكبر من أن تنكره العين على الأقل في السنوات ما بين نهاية حرب أكتوبر 1973 وزيارة السادات للقدس نوفمبر 1977.

وإذا ذهبنا بالأمر لمستوى عالمي ما، فنعم تحالفت بالفعل أمريكا وبعض الأنظمة العربية والجماعات الإسلامية في أفغانستان لمدة تقارب عشر سنوات، هذا ليس وهمًا وليس مفاجأة، ونتج عن هذا التحالف طور متطور من الحضور الإسلامي المسلح الذي أصبح لاحقًا رقمًا في المعادلة العالمية، وقادرًا على تهديد بلدان الغرب في عقر دارها. لم تكن الإمكانية الاسلامية تلك موجودة في السابق، وهذا الحضور الإسلامي المسلح الجديد لم يكن أبدًا ليصل لهذه المكانة بدون دعم وتدريب أنظمة عربية ورعاية دولية ما. ينسى البعض أن في عام 1996 حينما تمكنت طالبان من السيطرة على مقاليد الأمور في أفغانستان، لم يعترف بشرعية حكمها إلا بلدان هما السعودية والإمارات. نحن إذن لا نتحدث عن أسطورة تامة أو مقولات فصامية.

لكن بعد ذلك أصبح الاستمرار في ترديد تلك المقولات -في رأيي- نوعًا من البؤس والكسل الذهني؛ لأن الجانب الآخر من الصورة، والذي يتم إنكاره دائمًا من غير الإسلاميين، هو أن التيار الاسلامى تيار طبيعي وشديد المحلية، وهو ابن طبيعي للدولة الإسلامية المعاصرة المسماة زورًا «بالعلمانية أو الحديثة»، ومنتج حتمي لميراثها الوطني الذي يحمل داخله مكونًا دينيًا غالبًا، وحديث العلمانيين عنهم باعتبارهم ردة ثقافية أو وافدًا غريبًا من دول الخليج هو نوع من الضلال، وقنابل دخان غرضها الهرب من استحقاقات المراجعة والنقد الذاتي الذي لم يقم بها اليسار المصري الملحق بالناصرية منذ أواخر السبعينيات. لقد قال لي المفكر محمد السيد سعيد (رحمه الله) ذات مرة أن المشكلة الرئيسية لأطياف اليسار من أبناء مرحلته هي عجزها عن التعاطي مع الواقع المادي الذي فرضه أنور السادات والاكتفاء بلعنه، وظني أن هذا المنطق توارثته الأجيال اللاحقة في علاقتها بدولة يوليو وأطوارها حتى ثورة يناير.


«اليسار مأزوم»، شعار يردد بقصد المكايدة أو بقصد الندب حتى صار مملاً. السؤال الأهم هو ما الذي ينقص اليسار المصري، أو بتعبير قد يكون أدق، القوى المصرية غير الدينية من جهة، وغير الليبرالية من جهة أخرى، لتكون تيارًا اجتماعيًا وفكريًا متماسكًا؟

مبدئيًا لا يوجد تيار اسمه القوى المصرية غير الدينية؛ هذا معنى يستبطن أن الصراع في مصر محوره الأول هو الصراع بين الدينيين والعلمانيين، وأنا ضد هذا الكلام تمامًا، هذه أجندة التيار الإسلامي وأجندة السلطويين الوطنيين في آنٍ واحد ويا للغرابة!، وهي أجندة زائفة وأكذوبة إذا أرادت اختصار مصر وأزماتها في حدود ذلك الجدال فقط.

ولكي أسهب في شرح فكرتي التي قد تبدو غريبة، فأنا أرى أن الطرفين يريان في مصر الحديثة دولة «علمانية أو تغريبية أو ليست إسلامية»، كل وزاوية نظره، فيطرح السلطويون الوطنيون هذا الطرح من أجل إعلان نفسهم حماة للدولة المدنية ومحافظين على وجودها، في حين يطرح الإسلاميون نفس الطرح لتعليل وجودهم كقوة تريد عودة الإسلام وتمكينه بعد أن صار غريبًا في دياره.

والأصل في رؤيتي هو أن الدولة المصرية المعاصرة دولة إسلامية بالفعل، وربما باستثناء فانتازايات العقوبات البدنية ووجود مظاهر غربية حداثية، فإن الشرع يهيمن على مفاصل الحياة الاجتماعية ميلادًا وزواجًا ومماتًا ومواريث، وعلى المستوى السياسي، وبالرغم من أن الفكرة «الجمهورية» بما تستتبع من إقرارها لبداهة مبدأ «الأمة مصدر السلطات» تبدو فكرة غير إسلامية؛ إلا أن منطق التقليد الإسلامي غالب على الوعي السياسي والحركي في أعماق الأعماق، ربما لا مجال لي هنا أن أنطلق في شرح ذلك تفصيلاً، لكن يمكنني الإشارة مثلاً لمدى كراهية البيئة الثقافية المصرية لفكرة «الحزبية» كمعنى وممارسة، باعتبارها تفتيتًا للأمة .

لكن وفقًا لما قصدته حالاً، فوفقًا لمازورة هذا الجدل، فإن الوطنيين السلطويين الذين يطلق عليهم مجازًا «ليبراليون» ما هم إلا جيوب برجوازية تريد الحفاظ على أنماط حياة غربية استثنائية ومترفة والتمتع بحريات حصرية لهم دون غيرهم، ولكن من داخل كنف وكيان الدولة الاسلامية المعاصرة بل إنني أرى في سقف الطموح الفعلي للأقليات الدينية هو مجرد ضمان عقد ذمة معاصر، هو طائفي ومللي بالتأكيد، ولكنه أكثر سماحة وأقل جلافة ومخاشنة مع الدولة الاسلامية المعاصرة. وعلى الجانب الآخر ما الإسلاميون وجماعاتهم المختلفة في نظري إلا فرقًا إسلامية داخل الدولة الاسلامية المعاصرة تريد الحشد والتعبئة بدعاية تقول بلا إسلامية الدولة أو عدم كفاية إسلاميتها مع أن برنامج الإسلاميين الفعلي والعملي واليومي في مصر كان محاربة المظاهر غير الإسلامية والبدع «الوافدة» و«الغريبة» و«غير الأصيلة» وليس استعادة الإسلام من قاع البحر البعيد.

للطرفين إذن مصلحة في استمرار جدل لا أساس مادي لاحتكار هيمنته على ما سواه؛ طرف يريد الحفاظ على دولة مدنية هي غير موجودة، ولم توجد أبدًا، ويراها سقف السقوف في تصوراته عن الحرية لأنهم طرف رجعي ومعادٍ للتمكين الاجتماعى لمن دونه في السلم الاجتماعي، وطرف آخر مهووس بحق يريد تأسيس دولة إسلامية هي موجودة ومتحققة بالفعل، وكانت وما زالت سبب كل خرابنا وبلائنا، وظني أن جدلاً كهذا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية لأن أساسه المادى واهٍ تمامًا، وظني أن هذا الجدل تتمناه وتريده الدولة الاسلامية الحاكمة المعاصرة طالما كانت هي موجودة وحية، وتظل معه حكمًا بين هذين المزاجين.

وفي التحليل الأخير، إشكال الدولة مع الإسلاميين ليس كونهم إسلاميين بقدر سعيهم للتمكين -كفرقة إسلامية داخل الدولة الإسلامية. الدولة الوطنية الإٍسلامية المعاصرة مشكلتها مع الإسلاميين هي أنهم في بعض الأوقات يتحولون إلى «خوارج»، وحين حكم الإخوان لسنة وشاركوا في السلطة لسنة قبلها، لم تكن التهمة الموجهة لهم هي أسلمة الدولة بل أخونة الدولة، فالدولة إسلامية بالفعل، يبدو كلامي متطرفًا «ولكن استحملني معلهش إنت اللي جيت تسأل».

أذكرك إذن بموضوعنا عن اليسار المصري.

من داخل هذه المقدمة الطويلة، أستطيع الولوج لسؤال اليسار المأزوم، وهو ليس سؤالاً مكايدًا على أي نحو، فاليسار مأزوم دائمًا منذ مولده لكن ظني أن هناك طريقتين للتعاطي مع سؤال أزمته تلك:

الطريقة الأولى هي تفحص أطروحات اليسار وأفكاره واختبار مدى سلامتها نظريًا ومدى تماسكها فكريًا، ورأيي أن هذا طريق يذهب إلى اللامكان؛ لأنه يمكن لأطروحات أن تكون وجيهة ومنطقية ومتماسكة ولكنها لا تملك حاضنة اجتماعية أو رافعة مادية تعضضها، والعكس صحيح تمامًا، حيث يمكن لأفكار محدودة ومفككة وغبية أن تُقوَّى وتتعزز بوجود المكونات المادية التي تستطيع الارتقاء بها لمصاف الأيديولوجيات المهيمنة.

الثاني وأنا أميل له، هو تفحص الإمكانيات التاريخية والشروط الموضوعية والأساس الاجتماعي، وكذا الأيديولوجيا المهيمنة للدولة التي نشأ فيها اليسار، ومنها يمكن أن نستنبط آفاقه وشروط حركته وإمكانياته الفعلية وعلى الأسس السابقة يمكن قول التالي:

1. أن الدولة في مصر منذ الاحتلال البريطاني وحتى تاريخه، تُكنّ عداءً أيديولوجيًا صليبيًا للشيوعية، ولا مجال للهزل أو السهو في ذلك، كان هذا من زمن سعد زغلول الذي نكل بالحزب الشيوعي الأول كأي طاغية، مرورًا بجمال عبد الناصر الذي كان يعذب الشيوعيين ويدجنهم بينما كان صديقًا مقربًا ومموَّلا من الاتحاد السوفييتي، وحتى الزمن الذي يُمزَّق فيه جسد باحث إيطالى شيوعي شاب اسمه جوليو ريجيني لمجرد شبهة اتصال بحركة عمالية مطلبية بدائية. ليس الأمر مجالاً للهزل كما قلت، فلقد كانت الشيوعية ومنذ اللحظة الأولى، وبالقانون، جريمة في حد ذاتها، وعلى أحزابها أن تكون تحت الأرض، وعزو الأمر للنفور الثقافي منها وربطها بالإلحاد ليس منطقيًا جدًا لأن كثيرًا من البلدان الإسلامية كانت فيها حركات شيوعية حرة ونشطة وجريئة.

2. وعطفًا على النقطة الأولى وشروطها، تأتي النقطة الثانية، وهي أن اليسار كان دائمًا ابن حالة الاستثناء الحركي التي فيها من الانتفاض الجماهيري والحراك الشعبي وحلحلة شرعية الدولة؛ وكلها أوضاع استمرت فترات زمنية قصيرة، وانتهت دائمًا بهزائم مرحلية تطول أو عملية احتواء وتدجين قاسٍ.

اليسار المصري الفاعل هو ابن انتفاضة العمال والطلبة عام 1946 والتي بُتِر حراكها وارتبك على مدى ست سنوات انتهت بانقلاب عسكري جاء في 1952 ليضع حدًا لتفكك الدولة وانتفاء شرعيتها، واحتوت واحتالت حركة الضباط الأحرار على أجندة حركة 1946، وجاءت ببرنامج النقاط الست، فكانت الناصرية كأقصى تجلٍ للحس اليساري للدولة المصرية. بعد ذلك جاءت الحركة الطلابية بين 1968 و 1973 في طورها السلمي الديمقراطي، والتي أُجهضت بقيام حرب أكتوبر، واحتاج الأمر لعشرات الأعوام حتى جاءت ثورة يناير لتنفجر منها إمكانية يسارية جديدة وواسعة.

تلك هي البيئات التاريخية التي يمكن لليسار أن ينفذ منها بإمكانية جادة، ولكنها بيئات استثنائية ومآلها كان الهزيمة أو الاحتواء بقدرة الدولة على استرداد شرعية قمعها مرة أخرى، فما يحدث فعليًا هو بزوغ يسارٍ نشط لجيل وثّاب يعقبه أعوام طوال من أحاديث نوستالجيا التجربة المبتورة.

3. النقطة الثالثة تجيب على سؤال ينتج من النقطة الثانية، وهو سؤال: ولماذا إذن لم يستطع اليسار خلال فترة الانتفاضة القصيرة أن يؤسس أساسًا لنفسه كي يكون قابلاً للعيش والاستمرار والرسوخ في فترات الجذر والقمع؟، ولهذا السؤال إجابات مختلفة، ولكن أبرزها في رأيي هو أن اليسار ينشأ في حاضنة اجتماعية ليس لديها القدرة والطاقة على تحمل طروحاته للنهاية ولحدودها الصادقة. اليسار هو في التحليل الأخير ابن للطبقة الوسطى المحظوظة، وتبشيره بالمشروع الاجتماعي الجامع محدود بوطنية هذا المشروع وبتسامح البرجوازية معه، ومهما كان اليساريون متجردين ومثاليين وكفاحيين، فهم في النهاية يعون العالم من موقعهم الاجتماعي. هذا وعليه، فإن الأساس الاجتماعي لليسار في مصر لا يستطيع أن يكون جذريًا.

وفي ظل أن من يُسمَّوْن بالليبراليين المصريين هم في الحقيقة حفنة من السلطويين المهاويس بالمكياج الغربي، يجد اليسار نفسه هو المدافع الفعلي عن ما يجب أن يدافع عنه الليبراليون. وإذا أضفنا إلى ذلك طبيعة الحاضنة الاجتماعية لليسار، سنجد أن اليسار عمليًا هو التيار الليبرالي الحقيقي في مصر؛ بمعنى أدق، اليسار يحمل وزرين على كاهله: الأول هو أنه وريث الليبرالية الوحيد، بكل قيمها الحرياتية التأسيسية الأولى، وهو المعبر عن المزاج الديمقراطي الحقيقي داخل الطبقة الوسطى، والوزر الثاني هو أنه المتحدث باسم فئات اجتماعية أكدح، هو لا يستطيع تمكينها، ولم يختبر أبدًا طريق التمكين ذلك، وأن مشروعه الاشتراكي محدود في مصر بمدى توافقه -وليس صراعه!- مع برجوازية هي لسوء حظه شديدة اليمينية وذاتية التدمير.


في نطاق أوسع، لماذا فشلت المعارضة المصرية في تنظيم صفوفها في سنوات الثورة، وما زالت إلى اليوم فاشلة في ذلك، رغم أن النظام الذي تكوَّن بعد 30 يونيو تأزم بشدة في وقت أسرع مما توقع خصومه؟

اللافت في هذا السؤال هو أنه يستبطن معنىً واضحًا يقول بأن الإخوان ليسوا معارضة!، و كما لو كان الأخوان لم يكونوا منظمين!، وظني أن الإخوان المسلمين تنظيميًا كانوا تنظيمًا بالغ النجاح بأي معيار عالمي وبفارق مخيف عن أي كيان محلي آخر.

ولكن من هذا الاستبطان غير المقصود يمكننا أن نجد الإجابة؛ وهي أن المعارضة التي ولدت بعد 2011 ولدت في بيئة تتعامل بداهة مع وجود الجيش والإخوان كطرفي حكم، وعليهم أن يَعدُوا خلف تلك الحقيقة ويغالبوا هذا الأمر الواقع الذي فُرِض بدءًا من لجنة صبحي صالح والبشرى واستفتاء 19 مارس.

في أعقاب الثورة التي شارك فيها الجميع؛ كان تكرار اجتماع أقصى اليمين وأقصى اليسار مرة أخرى لهو أمر من المستحيل، ووقتها كان صوت العقل يطالب بألا تتعمق الأسئلة كي لا يحدث الاستقطاب، وكأن تعريف الثورة هو التوافق بين الأضداد من أجل منع تعميق الصراع، وكأن حدود الثورة المرجوة هي مجرد عملية عقلنة لصياغة التعايش المشترك. بعد يناير نشأ حزب جل قيادته من شباب شديدي الإخلاص للثورة ولتجربة يناير، وهو حزب العدل، ولعله كان الحزب الوحيد الذي كانت قيادته كلها شابة. حزب العدل كان يرى أن المعبر الحقيقي عن الثورة هو أن تكون في المنتصف تمامًا بين أطراف اليمين واليسار. امتلك هؤلاء الشباب جرأة الادعاء بتمثيل الثورة، وبتبني الوسطية في كل شيء في ذات اللحظة، ولم يكن هذا الطرح اللاهاجس غير واعٍ بما حدث لاحقا .

لكن على مدى لا يزيد عن السنتين من مارس 2011 حتى يونيو 2013، بما فيه من أحداث شديدة التلاطم والإرباك، ماذا كان يمكن أن يفعل عبد المنعم أبو الفتوح مثلاً أكثر من الذي فعله؟، أسس حملة رئاسية شابة وحوّلها إلى حزب. ماذا كان في وسع حزب ناشئ كالتيار المصري أن يفعل وهو يجد عضوه عبد الرحمن هريدي وعضو مجلس الشورى يُطرَد من القاعة ويُضرَب لمعارضته الإخوان؟، الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي ماذا كان يفعل أكثر من أن يؤسس نفسه ثم أن يشارك في كل محفل انتخابي في إمكانه المشاركة فيه ويرضى بنصيبه من الجماهير وأن يدعم شرعية العملية الديمقراطية حتى اللحظة التي فرض فيها الإخوان دستور 2012 بمنطق المغالبة، فذهبت مصر إلى طريق الانقلاب المحتوم.

لقد كان في مصر وضع ثوري بالفعل، ولكنه كان فوق طاقة كل الفاعلين، والانتفاضة تحولت إلى ثورة بالفعل ولكن ليس لأن الفاعلين الينايريين كانوا ثوارًا راديكاليين، بقدر ما كانت الدولة من التفكك وانعدام الشرعية بالشكل الذي خلق وضعًا ماديًا أنتج معه وعيًا وإمكانية ثوريين محسوسين داخل بعض أطراف الوجود الاجتماعي، ولكنهما كانا وعيًا وإمكانية بدون أي حاملة أفكار ثورية أو لنقل تجاوزًا: نظرية ثورية، وما إن استردت أوصال الدولة عافيتها حتى أجهزت على ذلك الوضع الثوري الملقى في الشارع، مرة بمساعدة الإخوان المسلمين، ومرة لاحقة فوق جثثهم.


ماذا يمكن للنشطاء والمثقفين والشباب السياسي المعارض في مصر أن يفعلوا للاستفادة من التأزم الذي يعانيه النظام اليوم؟

يحتاج التيار الثوري الديمقراطي نقدًا ذاتيًا عنيفًا يستخدم فيه كل الأدوات والنصال الحادة، لكن مع هذا النقد نحتاج للتعاطي مع ما أعتبره ثلاث صدمات متتالية عانت منها مصر في السنوات الست الأخيرة:

الصدمة الأولى هي أن الناس كانت «بتتكلم» عن ثورة ستحدث أو تغيير كبير سيقع بدءًا من 2005 دون أي استعداد جاد لاستحقاقات هذا التغيير. قامت تلك الثورة وكانت كالصدمة غير المتوقعة، فجاءت استحقاقات الحدث الجلل صادمة وسريعة ومربكة ومحرجة وكاشفة «للجميع دون استثناء».

الصدمة التالية وهي أسرع وأكبر من الأولى، كانت عدم تخيل أي فاعل محلي أو دولي «الثورة – الجيش – الأمريكان – العوام – الإخوان أنفسهم»، أن الإخوان أضعف وأبسط وأقل قوة وهيمنة وقدرة على الضبط وتنفيذ التصورات مما تخيلوه وتصوروه عنهم طوال عقود طويلة، وهذا سواء من موقع العداء أو الرجاء.

الصدمتان السابقتان حطمتا تمامًا اللياقة الحركية والنفسية والحضارية للطبقة الوسطى، ولاسيما أجنحتها التقدمية، فكانت الصدمة الثالثة هي عدم تخيل وتصور أن «الطبقة الوسطى المصرية ونخبتها» على هذا القدر من الهشاشة والغلب والاستعداد المفتوح للسقوط الحر.

ثم تسألني أنت الآن عن اللحظة الراهنة وإمكانيات التأسيس لمعارضة منها. حسنًا، سأقول لك أننا ما زلنا نعيش تداعيات تفويض 26 يوليو 2013 إلى الآن، وليس هناك خطوة للفعل السياسي إلا بعد سحب هذا التفويض بنفس قوة وعنفوان بدايته. لكن، وفي نفس الوقت، علينا أن نتصالح مع حقيقة أن القوى الديمقراطية في مصر هي قوى مسالمة ووديعة بالفعل، ولها طاقتها في تحمل كلفة القمع بحكم بنيتها التنظيمية الضعيفة أصلاً، وهي لا تعمل بنطاق واسع إلا في إطار ديمقراطي وتوافقي مع الدولة قبل أي شيء، ومع ذلك، وها هي الآن، تقدم التضحيات تلو التضحيات فقط لفتح مساحات ضيقة للعمل وليس لمجرد وضع نفسها كبديل للنظام.

لكن علينا أن نبدأ من التصالح مع فكرة أن الثمن الذي يُدفع لقاء تفويض 26 يوليو 2013 هو فوق مستوى الاستيعاب، والخسائر والعطب والإهدار والعبث والانتهاك الذي ينهل من البلد لا مثيل له في أي زمن مضى، سواء ماديًا أو رمزيًا، والإشكال هنا هو أن التفويض لم يتوقف عند حدوده الأولى التي كانت قاسية وعنيفة بالفعل، بل تمادى لمستويات ظني أننا لسنا مدركين لأبعادها من حيث استباحة الاجتماع المدني في مصر في أشد أشكاله بساطة. نحن وسط مأساة بالفعل، لكن هذا هو عالمنا الذي نتحرك فيه ومنه.

أما كيف ومتى ففي الحوار القادم.