في خمس دقائق كاملة ألقى الفريق سامي عنان حجرًا في مياه السياسة المصرية الراكدة. أعلن ترشحه لانتخابات الرئاسة المصرية المزمع انعقادها في مارس/آذار القادم. ورغم أن الحديث عن ترشحه للرئاسة ظل لأيام مسار جدل وريبة، فإن ظهوره الواثق قطع الشك باليقين. ووضع المشهد الانتخابي «البارد» على نارٍ أشد من الجمر.

عنان البالغ من العمر سبعين عامًا تدرّج في أروقة المؤسسة العسكرية المصرية، حتى تقاعد في أغسطس/آب من العام 2012، وهو العام الذي حكم فيه الرئيس المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي. شهد عنان حرب أكتوبر 73 ومن قبلها حرب الاستنزاف. كان يعمل -حينها- ضابطًا على بطارية الصواريخ -السوفيتية الصنع- سام-6.

عمل قائد كتيبة في الفترة بين عامي 1981 و85، تبعها كقائد فرقة، إلى أن انتقل إلى المغرب كملحق عسكري عام 1990. عاد من المغرب عام 1993 قائدًا لفرقة عسكرية. تدرج بعدها في المناصب القيادية حتى وصل إلى قيادة قوات الدفاع الجوي بين عامي 2001 و 2005، وبعدها رئيس أركان للقوات المسلحة بقرار من الرئيس الأسبق مبارك، إلى أن تقاعد عام 2012.


معين مبارك الذي لا ينضب

تلقت دولة مبارك ضربةً خاطفة في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني لعام 2011، في خضم رياح التغيير التي اجتاحت العالم العربي تيمنًا بثورة الياسمين التونسية، فما كان من الرئيس الأسبق إلا تنحى عن السلطة في الحادي عشر من فبراير/شباط مع تعالي موجة الاحتجاجات الشعبية، واختفى عن المشهد إلا في مناسبات قليلة تعرض فيها للمحاكمة القضائية.

وكان الظهور السياسي الأول لدولته متمثلًا في ترشح الفريق أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في عهد مبارك، ضمن أحد عشر مرشحًا آخرين لمنصب الرئيس، كان أبرزهم الدكتور «محمد مرسي»، مرشّح جماعة الإخوان المسلمين، والدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح، والأستاذ حمدين صباحي، الناشط اليساري. استطاعت دولة مبارك أن تحشد لصالح الفريق شفيق، ما مكنه من مواصلة السباق والانتقال إلى جولة الإعادة، بعدما حل ثانيًا بنسبة 23.6%. خُتمت الجولة الثانية بخسارة شفيق بفارق ضئيل عن منافسه محمد مرسي، وحاز من الأصوات 48.2%.

كان انقلاب الثالث من يوليو/تموز لعام 2013 حدًا فاصلًا لتوغل الكثيرين من أبناء مبارك في حياة مصر السياسية والاقتصادية. وفي إطار الخط العام لسياسات الرئيس السيسي، غير الحزبية، تمتعت المؤسسة العسكرية بصلاحيات لا محدودة في المجالين الاقتصادي والسياسي. وكان هذا التوسع على حساب طيف كبير من رجال الأعمال، ممن نمت ثرواتهم في ظل النظام السابق، إذ يبدو أن السيسي كان رافضًا لأي دور سياسي من قبل رجال الأعمال. وبلغ الأمر ذروته في نوفمبر/تشرين الثاني بالقبض على رجل الأعمال صلاح دياب، والتحفظ على أموال عدد من رجال الأعمال الآخرين، من بينهم صهر الرئيس الأسبق مبارك «محمود الجمال»، وآخرين بتهم التربح غير المشروع والاستيلاء على المال العام.

وفيما صوّر له إعلام النظام على أنه التطبيق الفعلي لسيادة القانون، كان الهدف الضغط على رجال أعمال مبارك واجترارهم لدفع مبالغ مالية إلى خزانة الدولة، وهو ما تحقق لاحقًا، بإجراءاتٍ تصالحية أُعلن عنها إجمالًا دون تفصيل.

ويُرجع بعض المتابعين صدام السيسي المبكر برجال أعمال مبارك إلى تخاذلهم عنه في الانتخابات الرئاسية السابقة، والتي فاز بها باكتساحٍ وثقة شديدين، مآلهما بالأساس إلى هشاشة منافسه وحصار المجال العام في ذلك الوقت، لكن ما شهدته الانتخابات من عزوفٍ جماهيري عن المشاركة -ما اضطر اللجنة العليا للانتخابات لمد فترة التصويت يومًا ثالثًا- كان محرجًا لنظام السيسي الذي روج لجماهيريته «غير المسبوقة» في الفضاء المحلي والإقليمي.

جاءت الانتخابات الرئاسية الحالية لتشهد جدلًا حول قبول السيسي كرئيس لفترة ثانية، وما شهدناه أن دولة مبارك – سواء في إطارها المنظم الذي عرفناه لسنوات خلت، أو ممثلَة في الأفراد – قدمت مرشحين للرئاسة. كان الفريق أحمد شفيق قد أبلغ وكالة الأنباء الدولية «رويترز» عن نيته خوض السباق الرئاسي في التاسع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أعقبه بيان متلفز أذاعته قناة الجزيرة الإخبارية، وكان شفيق كمن ألقم النظام المصري الحالي حجرًا ثقيلًا.

اقرأ أيضًا:شفيق: أول تهديد حقيقي لعرش السيسي

ألقى شفيق بيانه من الإمارات، التي لجأ إليها بعدما خسر الانتخابات الرئاسية 2012. أعلن بعده أن إقامته قد حُددت من قبل النظام الإماراتي دون أسباب واضحة، وانتهى به المقام إلى أن سلمته الإمارات لبلاده، حيث أقام في أحد فنادق القاهرة، وعاد إلى رشده وتراجع عن فكرة الترشح أمام الرئيس السيسي. لكن حجرًا أثقل منه أُلقي مساء الجمعة التاسع عشر من يناير/كانون الثاني.


إذا ضربت فأوجع، فإن الملامة واحدة

الفريق سامى عنان يعلن رسميا إعتزامه الترشح لرئاسة الجمهورية 2018

الفريق سامى عنان يعلن رسميا إعتزامه الترشح لرئاسة الجمهورية 2018

Gepostet von ‎أخبار مصر 2018‎ am Freitag, 19. Januar 2018

خمس دقائق ألقى خلالها الفريق عنان رصاصات متتابعة، موجهة بالأساس إلى صدر النظام الحالي أكثر منها إلى شعب مصر الذي وصفه عنان بالشعب السيد. بدا فيها واثقًا غير مرتبك. هاجم هجوم من لا يخشى أحدًا. بدأ كلامه بتسييد الشعب والبلاد، وتقريع السيسي على فشله في الحرب على الإرهاب الأسود المتوطن في البلاد. كما ركز نقده في قضيتي السيادة الوطنية؛ قضية الأرض وقضية المياه، وكلاهما نقطة ضعف وفشل للنظام الحالي، الذي سلم جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، فيما يواجه خطر تناقص منسوب مياه النيل من جراء الفشل المستمر في التفاوض مع إثيوبيا، بلد المنبع. ويعد ملف الأرض والمياه أكثر الملفات إثارة للخلاف حول السيسي داخل مؤسسات الدولة، والمؤسسة العسكرية تحديدًا.

أعاد عنان الكرة فلَكَمَ نظام السيسي بقوة، حيث اتهمه بالمساهمة في تردي الأوضاع المعيشية للشعب نتيجة تبني سياسات خاطئة، حملت القوات المسلحة عبء المواجهة وحدها، دون تبني سياسات تمكن القطاع المدني بالدولة من القيام بدوره متكاملًا مع القوات المسلحة. وفي هذا استهجان من قبل عنان لعسكرة الدولة، سياسيًا واقتصاديًا.

طالب عنان بالتعددية الحزبية واعتبرها نواة الإصلاح، كما شدد على ضرورة العمل على تدعيم القطاعات المدنية بالدولة، فاختار نائبين له حال فوزه بمنصب الرئاسة، وهما المستشار هشام جنينة، الرئيس السابق للمركزي للمحاسبات، الذي عينه الرئيس السابق محمد مرسي وعزله السيسي، وأهانه بتعريضه للمحاكمة، وهي سابقة لم تحدث من قبل لمن تبوّأوا هذا المنصب، إذ شغل جنينة منذ سبتمبر/أيلول 2012 الجهاز الرقابي الأعلى في البلاد، وأثار تقريرٌ صادرٌ عن الجهاز، حصَر الفساد في الجهاز الحكومي وقدّره بحوالي 600 مليار جنيه مصري، حفيظة النظام الحاكم، ما أدى لعزله من منصبه ومحاكمته بنشر أخبار كاذبة تضر بالأمن والسلم العام. والأستاذ الدكتور حازم أحمد حسني، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. وكلاهما يُحسب على معارضة النظام الحالي، ولا يمكن إلصاقهما بجماعة الإخوان المسلمين، التي هي تهمة أي معارض للنظام الحالي.


حسابات المكسب والخسارة

يتسم المشهد الانتخابي المصري دائمًا بالتعقيد، لأسباب كثيرة، كاتساع الجغرافيا والنمو السكاني المرتبط بالفقر وفساد العملية التعليمية في مراحلها المختلفة. لكن ثمة حسابات منطقية يمكن التعاطي معها بشأن الانتخابات الحالية.

خلال أربع سنوات لم يؤسس الرئيس السيسي لحياة سياسية، ولم يُقم نظامًا سياسيًا له مقومات النظام السياسي المعروفة، سواءٌ اتسم بالتعددية أو نظام الحزب الواحد. واستعاض عن ذلك بتقوية المؤسسة العسكرية باعتبارها حزبه، الذي يحرم على معارضيه انتقاده، لاعتبارات السيادة. ربما يرجع ذلك لعدم ثقة السيسي بالسياسيين، شأنه شأن الكثير من العسكريين، أو لأنه مداركه السياسية لا تتفق عن ضرورة هذا الأمر. كما لم يتبنَ خطابًا سياسيًا، مستعيضًا عنه برطانات مستهلكة، كالحرب على الإرهاب، والحفاظ على مقدرات البلد، والعمل على جعل مصر «أد الدنيا».

وعلى الرغم من صلابة المؤسسة العسكرية، فإن فيها من يطمح إلى السلطة، كحق طبيعي لكل مواطن يتصف بالأهلية المدنية والعسكرية وفق ما ورد في المادة 141 من الدستور المصري، ولا سبيل لدى هؤلاء إلا ما قام به السيسي في 2013، أو أن ينزل من يريد منهم لمباراة السيسي في الانتخابات الرئاسية، وهو ما أقدم عليه الفريق شفيق قبل أن يعدل عن قراره لدى عودته إلى القاهرة من أبو ظبي، والضابط أحمد قنصوة قبل أن يُطرح في السجن، وثالثهما الفريق عنان، الذي انتظر طويلًا، إما عن تردد، أو عن رغبة في أن يعقب ترشحه ترشح الرئيس السيسي، فيتخفف من عبء ضغوطاته المحتملة.

اقرأ أيضًا:ليس مجرد فقاعة: أحمد قنصوة كما يعرفه فيسبوك منذ 8 سنوات

يحتاج عنان لإزاحة السيسي عن منصبه أن يكون له ظهير شعبيّ، وهو ما يمكن أن يتوفر له إذا ما دعمته قيادات دولة مبارك، لاسيما ممن لحقهم أذى النظام الحالي. كما أن له تاريخًا جديرًا بحلحلة مؤسسات الدولة، التي يجري تجييشها لدعم الرئيس الحالي. ويواجه «عنان» منذ الثورة المصرية اتهامٌ -بحكم منصبه آنذاك- بالمسئولية المباشرة عن التجاوزات التي ارتكبها الجيش المصري بحق المتظاهرين السلميين في شوارع العاصمة.

بدا السيسي في مؤتمر «حكاية الوطن» الذي اختُتمت فعالياته، الجمعة الماضية، مرتبكًا إلى الحد الذي جعله يتوعد بأنه لن يسمح لأي فاسد بالاقتراب من كرسي الرئاسة، وإن كان في التصريح إدانة للرئيس السيسي، حيث تخطى حدود القانون الذي هو فوق السلطة، إلا أنه مؤشرٌ على الارتباك والخوف من مقارعة أسماء بعينها. بالطبع لا يُعلم إن كان يقصد الفريق شفيق، أم سامي عنان، الذي لم يكن قد أعلن بشكل رسمي ترشحه في تلك اللحظة، أم آخرين.

يفتقد الرئيس السيسي للثقة فيمن حوله، وأبرز دليل على ذلك تغييراته المستمرة للقيادات العسكرية. فقد أعفى 16 قياديًا عسكريًا من قيادات الصف الأول منذ الثالث من يوليو/تموز 2013. كان آخر هذه التغييرات أن عزل صهره اللواء محمود حجازي من منصبه كرئيس أركان للجيش المصري. ولعل السيسي بهذه التغييرات المستمرة يُفقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة قيمته. يحول بينه وبين الاستقرار وتشكل عقيدة سياسية قد تختلف مع عقيدة الرئيس. كذلك كانت أزمة المخابرات العامة آخر الأزمات التي مُني بها نظام السيسي. ويُعد اختيار اللواء عباس كامل مدير مكتب الرئيس، وخازن أسراره كما جرت تسميته، لقيادة الجهاز دليلًا واضحًا على عدم ثقة الرئيس بالجهاز وقياداته في هذا الظرف الدقيق من عمر الدولة المصرية.

اقرأ أيضًا:هل أوشكت دورة حياة عباس كامل على الانتهاء؟

وإجمالًا لما سبق تفصيله، يمكن اعتبار الفريق عنان دون غيره من المنافسين المحتملين للرئيس السيسي صاحب اليد الطولى، التي يمكنها بالفعل أن تقلب موازين السلطة المصرية الحالية، فيما إن استمر في المعركة الانتخابية حتى آخرها، والتزمت مؤسسات الدولة بالحياد أو انقسمت بين الرجلين، المحسوبين على الجيش المصري. ثمة طيف واسع يتخذ من دعم عنان وسيلة خلاص ممكنة من نظام السيسي رغم اختلافهم مع عنان، رئيس الأركان إبان الثورة المصرية.