طبيب الغلابة، هذا هو اللقب الذي أسبَغَتْه وسائل الإعلام المصرية، بل والعربية، ومعها الملايين من المصريين، على ابن مدينة طنطا، الطبيب السبعيني د.محمد مشالي، خريج كلية القصر العيني عام 1967م، والذي وهب حياته، ومسيرته الطبية لخدمة الفقراء عبر عيادته المتواضعة في مدينة طنطا، والتي يُناظر فيها د.مشالي عشرات الحالات المرضية من مختلف الأعمار، وفي العديد من التخصصات. فكما تشير اللوحة المعلقة على باب عيادته، فهو طبيب الأطفال والباطنة والحميات .. إلخ. كل هذا نظير أجرة كشف زهيدة للغاية لا تزيد عن ١٠ جنيهات مصرية (حوالي 60 سنتًا أمريكيًا)، وهي الأجرة التي يأخذ الكهربائي في مصر -على سبيل المثال- أضعافها مقابل تغيير بضعة مصابيح تالفة في المنزل في دقيقتيْن. 

د.محمد مشالي: الطبيب الزاهد

… جميلك على رأسي، الناس غلابة وأنا نشأت فقير، والدي أوصاني بالفقراء خيرًا، وأنا مش عايز عربية 10 متر ولا عايز بدلة بمليون و10 آلاف، أنا زاهد، أنا أي حاجة بتكفيني، سندويتش فول وسندويتش طعمية بيكفيني.
د. محمد مشالي رافضُا ما عرضه عليه مقدم برنامج «قلبي اطمأن» الإماراتي من دعمٍ مادي سخي.

على المستوى الشخصي، فـ د.مشالي شخصية تستحق نصيبًا من الإعجاب، ويشعر من يستمع إليه، أو يقرأ عنه، أنه سقط سهوًا من عصور الصالحين والزُّهاد. فطبيبٌ تجاوز السبعين من عمره، ويُكرس حياته لما يراه خدمةً للفقراء والمحتاجين، بتوفير ما يقدر عليه من رعايةٍ طبية لهم بمقابل مادي رمزي، هو بالتأكيد ليس نموذجًا كثير التكرار في زمن طغت فيه المادية في كل شيء، وأصبحت الخدمة الطبية في العالم كله سلعة تجارية تخضع لطغيان السوق.

من هو "طبيب الغلابة" الذي أشعل قلوب المصريين ووسائل التواصل الاجتماعي؟

من هو "طبيب الغلابة" الذي أصبح حديث المصريين ووسائل التواصل الاجتماعي؟ أمضينا يوما كاملا مع د. مشالي وسألناه لماذا وهب نفسه لخدمة الفقراء؟#جعفر_توك #طبيب_الغلابة #رمضان

Gepostet von ‎DW جعفر توك‎ am Samstag, 2. Mai 2020

ويبدو أن حالة الضجة الإعلامية الهائلة -والمُفتَعَلة- حول د.مشالي، وفتنة الشهرة وغوايتها، لم تغير في شخصية الرجل وطريقة إدارته لحياته العامة والمهنية، وهذا بالتأكيد يُحسب له، ويدل على صدق اقتناعه بما يفعل، وإن لم نكن جميعًا بالضرورة نتفق مع هذا المسار لحيواتنا العامة والمهنية.

اقرأ: 6 أسباب تشرح لك لماذا يصدقُ المصريون رامي إسماعيل

ماذا لو أصبح معظم الأطباء مثل د. مشالي؟

رغم الحالة الغالبة من التقدير من عامة الأطباء لدكتور مشالي كشخصٍ وهب حياته لما يؤمن به، وضحَّى بزخرف الدنيا، فإن الكثيرين منهم قد وجهوا انتقادات موضوعية لهذا النموذج، إذ إن عناوينه البرَّاقة كخدمة الغلابة، والزهد في التربُّح من ممارسة الطب .. إلخ، تخفي العديد من الجوانب الشائهة فيما يفعله د.مشالي وأمثاله، ولو بحسن نية، مما يجعله أشبه بخدمة طبية زائفة، قد تسبب الضرر للعديد من المرضى.

لدي كلمة بسيطة في موضوع الدكتور مشاليانتقاد مظهر الدكتور وملابسه وكذلك حالة عيادته، وهو ماظهر في أكثر من مناسبة ولقاء…

Gepostet von ‎دسوقي أحمد‎ am Montag, 4. Mai 2020

منشورٌ لطبيب مصري يعمل في ألمانيا ينتقد د. مشالي

أولًا: في العصر الحالي الذي توسعت فيه العلوم الطبية في كافة التخصصات، أصبح لزامًا على الأطباء أن يتخصصوا تخصصاتٍ فرعية داخل التخصص، ليستطيعوا نظريًا وعمليًا استيعاب التفاصيل الدقيقة التي تتكاثر مع التطور المحموم للمعارف الطبية وتنوعها. فمثلاً تخصص طب القلب الذي تفرع من الطب الباطني، أصبح بداخله عدة تخصصات فرعية، مثل كهربية القلب، وقسطرة الشرايين، والوسائل التشخيصية القلبية كالإيكو والرنين المغناطيسي والمسح الذري … إلخ. وفي الجراحات الخاصة كالعظام مثلاً، هناك من الجراحين من يجيد عمليات الركبة، وآخر يجيد التعامل مع أورام العظام، وثالث يتقن العمود الفقري .. إلخ.

وكل تخصص فرعي داخل التخصص يحتاج سنوات من الاجتهاد لإتقانه، فهل في هذا الزمن، يمكن الحصول على ممارسة طبية فعالة من شخص واحد يعالج حالات الباطنة والحميات والأطفال .. إلخ، لمجرد رخص ثمنها؟

ثانيًا: الخدمات الطبية المتقدمة مرتفعة السعر، وتزداد ارتفاعًا مع تعقُّد تقنياتها، ولكي يتعلم الطبيب تقنية ما، أو استخدام جهاز متقدم، أو طريقة عمل جراحة دقيقة، قد يحتاج لسنواتٍ من التدريب المتواصل، بل قد يسافر داخليًا أو خارجيًا لفترة تقصر أو تطول لكي يطور مهاراته.

ومقابل هذا الجهد والوقت الذي ينفقه الطبيب، فلا غرابة أن يطلب  مقابلًا ماديًا ومعنويًا ملائمًا في عمله الخاص نظير ما أنفقه في تعلم تلك المهارة المطلوبة. وهذا المقابل هو دافع بشري هام لتحمل مصاعب عملية التعلم الشاقة، وبدونه نحرم أنفسنا من قدرات ومهارات الكثيرين. أما في العمل الحكومي سواءً في المشافي العامة أو الجامعية أو المعاهد المتخصصة، فلا يحصل الطبيب سوى على راتبه الحكومي الهزيل، باستثناء بعض الأماكن والخدمات الاقتصادية التي تعطي أجرًا إضافيًا للطبيب، لكنه يظل أقل مما يحصل عليه نظير نفس الخدمة في المشافي الخاصة.

وهذا ينقلنا إلى السؤال في عنوان هذه الفقرة، هل سيكون من الأفضل أن يصبح معظم أطباء مصر كدكتور مشالي؟!

 الإجابة ببساطة شديدة: لا بالطبع، لأن هذا سيجعل الطب يتقهقر في مصر خمسين عامًا إلى الوراء على الأقل، قبل عصر التخصصات الدقيقة، وحتى التخصصات العامة الكبرى. فمستوى المعرفة الطبية والمهارات اليدوية والفنية لممارس طبي عام كـ د.مشالي وأترابه، هو بالكاد كافٍ لطبيب تكليف غير متخصص في وحدات الرعاية الأساسية، أو لطبيب أسرة في بداية حياته العملية، وهذا ليس انتقاصًا من دور هؤلاء، لكنه وضعٌ لكل شيء في نصابه.

المسؤولون المنافقون والمتاجرة بطبيب الغلابة 

على أنَّ الجانب الرئيس من الانتقاد في هذه القضية لابد أن يوجَّهَ رأسًا إلى من يتاجرون بـ د.مشالي، ليتهرَّبوا من المكمن الرئيس لمشاكل الصحة في مصر، وهو غياب منظومة صحية شاملة من الأساس، توفر الحد الأدنى من الخدمة الطبية الحديثة المقبولة لا سيّما للحالات الطارئة.

بالطبع، ليست الصورة مأساوية من كافة الجوانب، فالتأمين الصحي الحالي، وكذلك العلاج على نفقة الدولة، على ما فيهما من عيوب، وتذبذب في مستوى الخدمة من مريض لآخر ومن مكان لمكان، يوفران حدًا أدنى من الخدمة لاسيّما الطارئة منها لملايين المرضى غير القادرين، كخدمات القسطرة القلبية العاجلة لإنقاذ الحياة، أو العمليات الجراحية الطارئة وحتى غير الطارئة …إلخ. وعلى عكس ما يُزايد به هؤلاء المسؤولون على الأطباء، فإنه لولا قبول الأطباء للعمل تحت وطأة الظروف الصعبة في المشافي العامة، وبمقابلٍ مادي زهيد يُخصَّص لهم في العمل الحكومي نظير مثل الخدمات التي يغطيها التأمين الصحي، ونفقة الدولة -والتي لو قاموا بها في العمل الخاص لحصلوا على أضعاف أضعاف ما تدفعه الحكومة- لما استمر توافر تلك الخدمة للكثير من المحتاجين.

وإلى من يتاجرون بطبيب الغلابة د. مشالي من المسؤولين، أوجه سؤالًا واحدًا: هل يقبلون لأنفسهم وأهاليهم ومعارفهم مستوى الخدمة الطبية التي يقدمها د.مشالي؟ فإذا كانت الإجابة بلا، وهي لا شك ستكون بلا، فلماذا يرضون لفقراء المصريين ما لا يرضونه لأنفسهم؟ ولماذا يخدعون البسطاء ويوهمونهم أن هذا هو النموذج المنشود الذي سبَّب غيابه كل أزمات الصحة في مصر؟

ومن واقع عملي كطبيب في مواقع طبية حكومية وخاصة مختلفة، فإنني أؤكد يقينًا أن من يتاجرون بـ د.مشالي، ويعملون على جعله النموذج الأمثل للطبيب الذي تحتاجه مصر، يتلقون علاجَهم في أرقى المشافي الخاصة وأغلاها، على حساب جهات تأمينهم السخية، والتي تغطي كل ما يحتاجون وما لا يحتاجون من جنيه واحد إلى مليون، ولا يقبلون أن تمتد إلى أجسامهم أيدي الأطباء سوى كبار الاستشاريين في كافة التخصصات، من أصحاب الشهرة والكفاءة المقطوع بهما، والذين يحصلون على الأجور الفلكية التي لا يرى هؤلاء المسؤولون سواها مشكلة في مصر.

هل «الفيزيتا» هي مشكلة مصر الصحية الأولى؟

من أبرز ما يجتمع عليه معظم المصريين فيما يتعلق بالطب والصحة في مصر، الشكوى من غلاء أسعار الكشف الطبي -المعروف بالفيزيتا- في العيادات الخاصة، لاسيَّما لدى كبار الاستشاريين، والأساتذة الجامعيين، في القاهرة والمدن الكبرى، والتي أصبح متوسطها بضع مئات من الجنيهات، ولا نتحدث عن أجر الطبيب في عمليات الجراحة المتقدمة والدقيقة. وتحاول وسائل الإعلام المصرية بإيعاز من المسئولين المصريين ومجاراة لهذا التوجه العام، تسليط الأضواء على أمثال د.محمد مشالي، وكيل المدائح والتكريمات لهم، لترسيخ اتهام الأطباء بالجشع، وأن هذا الجشع هو أس المصائب الصحية في مصر.

اقرأ أيضًا: دورة حياة كائن الطب في مصر

وكذلك: لماذا يشكو الأطباء رغم تيسُّر حالتهم المادية؟

ما ينساه أو يتناساه الكثيرون، أن العيادات الخاصة لا يصح أن تكون الملاذ الأول للمواطنين المرضى في أي بلد ذات منظومة صحية محترمة. العيادات دورها تكميلي، ولا علاقة لها بالتعامل مع معظم الحالات الطارئة، وعدم ثقة المصريين في المشافي العامة، وتوجه الكثيرين منهم إلى العيادات الخاصة، سببه غياب مظلة تأمينية موثوقة للكثير منهم.

وهناك نقطة أساسية لابد أن نؤكد عليها، وهي أن معظم أطباء مصر، لا سيّما الشباب، يناظرون ويعالجون العديد من الحالات بالمجان، وينفقون مئات الجنيهات شهريًا من جيوبهم كتبرعات، خاصة من يعملون في مشافٍ حكومية وجامعية. ويعتبر تبرُّعًا غير مباشر مجرد التزام الكثيربن منهم بالعمل الحكومي رغم تدني أجورهم الأساسية، والإغراءات الكبيرة للسفر، وللعمل في المشافي الخاصة التي رغم انخفاض أجورهم فيها مقارنة بالخارج، فإنها تظل أضعاف العمل الحكومي والذي لا يكفي أجرهم منه إلا لتوفير حد الكفاف من العيش.

أما النسبة لكبار الأطباء الذين يعرضون خدماتهم الخاصة في عياداتهم التي بذلوا سنين من أعمارهم في بنائها لبنة لبنة، بمبالغ قياسية، فهم يعرضون سلعة غالية، لا يجبرون أحدًا على اقتنائها، والخطأ فيمن لم يوفر حدًا أدنى كريمًا من مثل تلك الخدمات، خاصة الطارئ منها، لمن يحتاجها ولا يقدر على تكلفتها من جيبه الخاص.

لا يُنكر منصف أن هناك للأسف نماذج سلبية غير قليلة من الأطباء الذي يستغلون حاجات المرضى، لكن نعود وتقول: إنه لو توافرت منظومة صحية حقيقية وعادلة، ذات رقابة منطقية غير متعسفة، لما تمكنت تلك النماذج السلبية من الاستمرار والازدهار على حساب صحة ملايين المصريين.